بين السطور

من المظلة الأميركية إلى تعدد المظلات: لماذا تحتاج الرياض إلى اتفاق مكة الآن ؟


أُنجز هذا التحليل بتاريخ 7 أغسطس/آب 2026، يوم توقيع اتفاق مكة. وبما أن تفاصيل تنفيذ الاتفاق وآلياته العسكرية لم تُنشر كاملة بعد، فإن بعض الاستنتاجات الواردة فيه تندرج ضمن القراءة الجيوسياسية والسيناريوهات المحتملة، لا ضمن الوقائع المثبتة.



لا يمكن فهم اتفاق مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان إذا عُزل عن التحولات العميقة التي أصابت البيئة الأمنية السعودية خلال السنوات الأخيرة.

فمنذ اللقاء التاريخي بين الملك عبد العزيز والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت عام 1945، تطورت العلاقة السعودية الأميركية تدريجياً إلى شراكة أمنية واستراتيجية شديدة العمق، من دون أن تتحول مع ذلك إلى ضمانة دفاعية مطلقة أو إلى معاهدة دفاع جماعي على غرار حلف شمال الأطلسي.

هذا الفرق لم يكن دائماً ظاهراً في الوعي السياسي السعودي. لكنه أصبح أكثر وضوحاً مع الأزمات.

وقد شكّلت الهجمات التي استهدفت منشآت أرامكو في بقيق وخريص في سبتمبر/أيلول 2019 نقطة تحول نفسية واستراتيجية مهمة. فالضربة أصابت قلب البنية النفطية للمملكة، وأدت مؤقتاً إلى تعطيل نحو 5.7 ملايين برميل يومياً من الإنتاج، أي قرابة نصف الإنتاج السعودي آنذاك ونحو 5% من الإمدادات النفطية العالمية.

لكن واشنطن، رغم تعزيز وجودها العسكري واتخاذ إجراءات أخرى، لم تذهب إلى مواجهة عسكرية مباشرة وواسعة مع إيران رداً على الهجوم.

بالنسبة إلى الرياض، كانت الرسالة واضحة بما يكفي: الشراكة الأميركية شديدة الأهمية، لكنها ليست بوليصة تأمين غير مشروطة.

ومنذ ذلك الوقت، أصبحت السياسة الخارجية السعودية أكثر براغماتية وأكثر اهتماماً بتوزيع المخاطر. أعادت الرياض فتح قنوات الحوار مع طهران، ثم استأنفت العلاقات الدبلوماسية معها بوساطة صينية في مارس/آذار 2023، وفي الوقت نفسه حافظت على تعاونها الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة، وعمقت علاقاتها مع الصين، ووسعت شراكاتها مع الهند وروسيا وتركيا وباكستان.

هذه ليست سياسة استبدال حليف بحليف آخر بقدر ما هي سياسة توزيع للمخاطر.

فالرياض لا تبدو راغبة في مغادرة المظلة الأميركية، وإنما في ألا يصبح أمن المملكة مرهوناً بقرار يصدر من عاصمة واحدة.

وهنا تبدأ أهمية اتفاق مكة.

اتفاق جديد في لحظة إقليمية شديدة الحساسية

جاء الاتفاق أيضاً في سياق إقليمي متوتر للغاية، مع تصاعد المخاوف السعودية من احتمال تعرض أراضي المملكة أو منشآتها لهجمات مرتبطة بجماعات مسلحة موالية لإيران في العراق أو اليمن.

وبالتالي، فإن توقيته لا يعكس فقط تحولات طويلة الأمد في العقيدة السعودية، بل يستجيب أيضاً إلى بيئة أمنية فورية أصبحت أكثر خطورة.

الاتفاق، وفق ما أُعلن حتى الآن، يقوم على مبدأ اعتبار الاعتداء على أي دولة من الدول الثلاث اعتداءً على الجميع.

لكن هذا الإعلان السياسي لا يجيب بعد عن كل الأسئلة.

فما طبيعة المساعدة التي يلتزم كل طرف بتقديمها؟

هل هي عسكرية بالضرورة؟

هل تكون تلقائية أم تحتاج إلى قرار سياسي منفصل في أنقرة وإسلام آباد والرياض؟

وما هي الحالات التي تُعتبر «اعتداءً» بالمعنى الذي يفعّل الالتزام الدفاعي؟

هذه التفاصيل ستحدد القيمة الحقيقية للاتفاق.

لكن حتى قبل ظهورها، فإن الاتفاق يحقق للسعودية مكسباً مهماً: زيادة الغموض الاستراتيجي أمام أي خصم محتمل.

من ضمان واحد إلى شبكة ردع متعددة

بالنسبة إلى الرياض، تبدو المعادلة على الورق جذابة.

السعودية تملك الموارد المالية والموقع الجغرافي والثقل السياسي والديني، وتركيا تملك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي من حيث عدد العسكريين العاملين وقاعدة صناعية دفاعية متنامية وخبرة عملياتية واسعة، بينما تمثل باكستان القوة النووية الإسلامية الوحيدة وتملك جيشاً كبيراً وقدرات صاروخية وجوية وبرية معتبرة.

لكن الحاجة إلى بناء هذه الشبكة الجديدة تحمل في داخلها مفارقة واضحة.

فالاتفاق الذي يمكن تقديمه باعتباره دليلاً على اتساع النفوذ السعودي يمكن قراءته أيضاً باعتباره مؤشراً على أن الرياض لم تعد تعتبر البيئة الأمنية التي اعتمدت عليها طوال عقود كافية بمفردها.

الدول لا تبحث عادة عن خيارات إضافية إلا عندما تعتقد أن خياراتها القائمة تحتاج إلى دعم.

وهكذا يصبح اتفاق مكة، قبل أن يكون إعلان قوة، تعبيراً عن تحول في العقيدة الاستراتيجية السعودية: لا تضع كل ضماناتك في يد طرف واحد.

باكستان: ثقل نووي إلى جانب الرياض… ولكن إلى أي مدى؟

وجود باكستان داخل اتفاق دفاع مشترك مع السعودية يمنح الرياض ورقة سياسية وعسكرية ثقيلة.

فباكستان قوة نووية، وتمتلك جيشاً كبيراً وترسانة صاروخية وقدرات جوية وبرية مهمة، إضافة إلى خبرة طويلة في الحروب التقليدية ومكافحة التمرد والعمليات الحدودية.

كما أن العلاقات السعودية الباكستانية ليست جديدة.

امتدت لعقود وشملت التعاون العسكري والتدريب والمساعدات الاقتصادية والطاقة والاستثمارات، إلى جانب علاقات وثيقة بين المؤسسات العسكرية في البلدين.

وقد سبق اتفاق مكة اتفاق دفاع سعودي باكستاني أُبرم في سبتمبر/أيلول 2025، ما يعني أن التقارب العسكري بين الطرفين ليس وليد اليوم.

من الناحية السياسية، فإن وجود باكستان إلى جانب السعودية يرفع مستوى الردع.

فالخصم المحتمل للرياض لم يعد، نظرياً على الأقل، يحسب فقط رد الفعل السعودي، بل عليه أن يأخذ في اعتباره احتمال تدخل شركاء عسكريين كبار.

لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل من لغة الاتفاقيات إلى لغة الحرب.

ماذا علمتنا تجربة اليمن؟

باكستان لديها مصالح استراتيجية لا تقل أهمية عن علاقتها بالسعودية.

الصين هي شريكها الاستراتيجي الرئيسي، وهناك الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني واستثمارات بمليارات الدولارات.

وفي الوقت نفسه، لا تستطيع إسلام آباد تجاهل الولايات المتحدة، كما تتشارك حدوداً طويلة وحساسة مع إيران، وتواجه مشكلات أمنية في بلوشستان، إضافة إلى توترها التاريخي مع الهند.

لذلك فإن دخول باكستان حرباً إقليمية دفاعاً عن السعودية ليس قراراً يمكن اختزاله في مادة من مواد اتفاق دفاعي.

والتاريخ يقدم مثالاً بالغ الأهمية.

في عام 2015، عندما بدأت السعودية عملياتها العسكرية في اليمن، كانت ترغب في الحصول على دعم باكستاني مباشر.

لكن البرلمان الباكستاني اختار الحياد وعدم الانخراط في الحرب، مع تأكيده في الوقت نفسه الاستعداد للدفاع عن الأراضي السعودية في حال تعرضها لتهديد مباشر.

كانت تلك لحظة كاشفة.

العلاقة الاستراتيجية مع المملكة كانت قوية، لكنها لم تكن كافية لدفع إسلام آباد إلى دخول حرب رأت أنها قد تعرض مصالحها الإقليمية للخطر.

لكن ينبغي أيضاً عدم إسقاط تجربة 2015 آلياً على 2026.

فالسياق تغير، وأصبح هناك اليوم اتفاق دفاعي رسمي.

السؤال الحقيقي هو إلى أي مدى ستتحول هذه الصياغة القانونية والسياسية إلى التزام عسكري عندما تصبح كلفة التدخل مرتفعة؟

هل أصبحت السعودية تحت مظلة نووية باكستانية؟

هنا يجب توخي قدر كبير من الحذر.

وجود باكستان النووية داخل الاتفاق يضيف بلا شك عنصراً من الغموض الاستراتيجي إلى حسابات الردع.

لكن من الخطأ القفز من ذلك إلى القول إن السعودية أصبحت تلقائياً تحت «مظلة نووية باكستانية».

الردع النووي الممتد ليس مجرد وجود دولة نووية داخل تحالف.

إنه يحتاج إلى عقيدة واضحة، وآليات قيادة وسيطرة، والتزام سياسي ذي مصداقية بأن الدولة النووية مستعدة في الظروف القصوى إلى المخاطرة بنفسها دفاعاً عن حليفها.

وحتى الآن، لا تسمح المعطيات المعلنة بوصف اتفاق مكة بأنه مظلة نووية باكستانية للسعودية.

بل إن الدول الثلاث شددت عند توقيع الاتفاق على أنه ليس مشروع تحالف نووي.

لكن الغموض وحده قد تكون له قيمة.

فالخصم الذي لا يعرف بدقة حدود الالتزام الباكستاني سيضطر إلى إدخال احتمالات إضافية في حساباته.

وهذه بحد ذاتها إحدى وظائف الردع.

تركيا وأردوغان: شريك عسكري قوي تحكم تحالفاته حسابات المصالح

تركيا هي الطرف الثاني الذي يمنح اتفاق مكة وزناً عسكرياً حقيقياً.

فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك جيشاً ضخماً وقاعدة صناعية دفاعية تطورت بصورة لافتة خلال العقد الأخير.

الطائرات المسيّرة التركية أصبحت إحدى أبرز صادرات الصناعات العسكرية التركية، كما توسعت أنقرة في إنتاج السفن الحربية والصواريخ والعربات المدرعة وأنظمة الحرب الإلكترونية، وتعمل على تطوير صناعات جوية أكثر استقلالاً.

كما منحت العمليات التركية في سوريا والعراق وليبيا ومناطق أخرى أنقرة خبرة عملياتية لا يمكن تجاهلها.

بالنسبة إلى السعودية، هناك فائدة واضحة من هذا التقارب.

الرياض تريد تطوير صناعاتها الدفاعية المحلية ضمن رؤية 2030، وتقليل اعتمادها المطلق على السلاح الغربي، وتركيا تستطيع أن تقدم تكنولوجيا وخبرات وشراكات تصنيع بشروط مختلفة عن الشروط الأميركية والأوروبية.

لكن القوة العسكرية التركية لا تعني أن أنقرة ستصبح حليفاً سعودياً غير مشروط.

السياسة الخارجية التركية تقوم بدرجة كبيرة على البراغماتية وإعادة التموضع بحسب تطور ميزان المصالح.

دخلت أنقرة في مواجهات سياسية حادة مع الإمارات ثم أعادت بناء العلاقات معها.

ومرت علاقاتها بالسعودية بمرحلة شديدة التوتر، خصوصاً بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018، قبل أن يعود الطرفان تدريجياً إلى المصالحة والتعاون السياسي والاقتصادي.

كما خاضت تركيا سنوات من التوتر مع مصر قبل أن تعيد فتح صفحة جديدة معها.

هذا السلوك لا يعني أن تركيا حليف غير موثوق.

من منظور أنقرة، هو تعبير عن سياسة دولة تبحث عن مصالحها.

لكنه يعني أن الرياض لا تستطيع أن تفترض أن المصالح التركية ستبقى متطابقة مع مصالحها في كل أزمة.

إذا تغيرت البيئة الإقليمية أو احتاجت تركيا إلى تفاهم جديد مع إيران أو الولايات المتحدة أو شركائها في الناتو، فإن الحسابات التركية يمكن أن تتغير تبعاً لتطور ميزان المصالح.

وهنا تبدأ المسافة بين مفهومين مختلفين:

السعودية تريد تعزيز ضماناتها الأمنية.

تركيا تريد الحفاظ على هامش حركتها الاستراتيجية.

وقد لا يظهر الفرق بينهما في المؤتمرات والزيارات الرسمية، لكنه سيصبح مهماً عند وقوع أزمة حقيقية.

أبوظبي في خلفية المشهد: منافسة لا تعني القطيعة

يصعب قراءة البيئة الخليجية من دون النظر إلى العلاقة بين السعودية والإمارات.

فقد قدم البلدان لسنوات صورة محور خليجي شديد التماسك، خصوصاً خلال المرحلة الأولى من صعود محمد بن سلمان ومحمد بن زايد.

لكن السنوات التالية أظهرت أن التقارب السياسي لا يلغي اختلاف المصالح بين دولتين تريد كل منهما تعزيز موقعها كمركز اقتصادي وسياسي وأمني رئيسي في المنطقة.

ظهر جزء من هذا الاختلاف في اليمن، حيث لم تتطابق دائماً أولويات الرياض وأبوظبي ولا شبكات حلفائهما المحليين.

كما أصبحت المنافسة الاقتصادية أكثر وضوحاً.

الرياض تريد أن تصبح المركز الاقتصادي الرئيسي في المنطقة، وأطلقت سياسات لجذب المقرات الإقليمية للشركات العالمية.

ودبي وأبوظبي، في المقابل، بنتا خلال عقود موقعاً متقدماً كمركز مالي وتجاري ولوجستي وسياحي عالمي.

لكن المنافسة لا تعني العداء، والعلاقات الاقتصادية والاستراتيجية بين البلدين لا تزال واسعة.

ومن هنا، لا توجد معطيات تسمح بالقول إن اتفاق مكة موجه ضد الإمارات.

لكن في قراءة أكثر افتراضية، يمكن التساؤل عما إذا كان الاتفاق لا يحمل أيضاً رسالة غير مباشرة مفادها أن الرياض قادرة على بناء شبكات استراتيجية مستقلة عن شراكاتها الخليجية التقليدية.

وقد يُقرأ الاتفاق بهذا المعنى كتأكيد على قدرة السعودية على توسيع أدوات نفوذها الإقليمي خارج الإطار الخليجي وحده.

وقطر؟

الوضع مختلف.

قمة العلا في يناير/كانون الثاني 2021 أنهت مرحلة الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين ومصر على الدوحة منذ عام 2017، وعادت العلاقات الدبلوماسية والتجارية إلى مسار أكثر طبيعية.

ولا توجد مؤشرات علنية حتى الآن تسمح باعتبار قطر هدفاً مباشراً أو غير مباشر لاتفاق مكة.

لكن الاتفاق يعكس، بصورة أوسع، تنافس دول المنطقة على المكانة والقدرة على بناء شبكات النفوذ.

قطر استطاعت، رغم صغر حجمها، أن تبني نفوذاً دولياً من خلال الغاز الطبيعي المسال والاستثمارات الخارجية وشبكة الجزيرة والعلاقة مع الولايات المتحدة وتركيا وأدوار الوساطة.

والسعودية، بحجمها ومكانتها وثقلها الديني والاقتصادي، تريد بطبيعة الحال أن تقدم نفسها بوصفها مركزاً رئيسياً في هندسة التوازنات الإقليمية والعالم الإسلامي.

في هذا الإطار، يصبح اتفاق مكة جزءاً من معركة المكانة، حتى من دون أن يكون موجهاً ضد دولة خليجية بعينها.

محمد بن سلمان والداخل السعودي: الأمن الخارجي شرط للمشروع الاقتصادي

هناك جانب داخلي لا يقل أهمية عن الحسابات الخارجية.

محمد بن سلمان لم يقدم نفسه منذ صعوده باعتباره مجرد ولي عهد يدير الدولة بالطريقة التقليدية.

لقد ربط اسمه بمشروع ضخم لإعادة تشكيل المملكة: رؤية 2030، نيوم، ذا لاين، القدية، البحر الأحمر، تطوير الرياض، السياحة والترفيه والرياضة العالمية وتوسيع دور صندوق الاستثمارات العامة.

هذه المشاريع تحتاج إلى شيء واحد قبل كل شيء:

الاستقرار.

المستثمر الأجنبي الذي يُطلب منه ضخ مليارات الدولارات يريد أن يعرف أن منشآته ومشاريعه لن تصبح أهدافاً للصواريخ والطائرات المسيّرة.

والسائح الذي تريد الرياض جذبه بالملايين يحتاج إلى الشعور بالأمان.

والأسواق المالية تحتاج إلى الثقة بأن الموانئ والمطارات والمنشآت النفطية والبنى الأساسية لن تتعرض بصورة متكررة لهجمات إقليمية.

لهذا أصبح الأمن بالنسبة إلى محمد بن سلمان جزءاً من النموذج الاقتصادي نفسه.

الاستقرار مكلف أيضاً

لكن المشروع الاقتصادي السعودي مكلف للغاية.

فالميزانية السعودية لعام 2026 قدرت الإنفاق بنحو 1.313 تريليون ريال مقابل إيرادات تقدر بنحو 1.147 تريليون ريال، بعجز يقارب 165 مليار ريال، أي نحو 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي.

هذه الأرقام لا تعني أن السعودية تواجه أزمة مالية.

المملكة لا تزال تملك احتياطيات وأصولاً ضخمة وقدرة كبيرة على الاقتراض والاستثمار.

لكنها تعني أن الموارد، مهما كانت ضخمة، ليست بلا حدود.

فالدولة تحاول في الوقت نفسه تمويل التحول الاقتصادي والمشاريع العملاقة والدفاع والبنية التحتية والرياضة والسياحة والاستثمارات الدولية.

ومن هنا يصبح الاستقرار الإقليمي ضرورة مالية واقتصادية، لا مجرد مسألة عسكرية.

كل اضطراب أمني كبير لا يهدد الحدود فقط.

إنه يرفع كلفة رأس المال، ويضر بصورة المملكة الاستثمارية، ويؤثر في السياحة والأسواق ويعيد حسابات المستثمرين.

تركيز السلطة والداخل السعودي: القوة الخارجية لا تلغي مصادر القلق

إلى جانب الاقتصاد، شهدت المملكة خلال السنوات الأخيرة تحولاً عميقاً في بنية السلطة.

فمنذ صعود محمد بن سلمان، تركزت القرارات السياسية والأمنية والاقتصادية الكبرى بصورة غير مسبوقة حول ولي العهد ومركز القرار المحيط به. وكانت حملة الريتز كارلتون في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 إحدى أبرز محطات هذا التحول، حين احتُجز أمراء ووزراء ورجال أعمال بارزون، وانتهت ملفات عدد منهم بتسويات مالية ونقل أصول إلى الدولة.

قدمت السلطات السعودية تلك العملية باعتبارها حملة واسعة لمكافحة الفساد، بينما انتقدت منظمات حقوقية دولية طبيعة بعض الإجراءات وغياب الشفافية القضائية في عدد من الحالات.

كما شهدت المملكة اعتقالات لناشطين ورجال دين وشخصيات معارضة ومنتقدين، وهو ما وثقته منظمات حقوقية دولية خلال السنوات الماضية.

لكن ينبغي في المقابل الحذر من القفز إلى استنتاجات غير قابلة للقياس، مثل القول إن محمد بن سلمان «مكروه من غالبية السعوديين». فلا توجد في المملكة استطلاعات رأي سياسية مستقلة وحرة تسمح بإثبات مثل هذا الحكم علمياً، كما أن هناك شرائح من المجتمع، وخصوصاً بين الشباب، تنظر بإيجابية إلى عدد من التحولات الاجتماعية والترفيهية والاقتصادية التي عرفتها البلاد في عهده.

المشكلة الأعمق ليست إذاً في قياس شعبية الرجل، وإنما في طبيعة النظام الذي أصبح أكثر ارتباطاً بشخصه وبقدرته على تحقيق النتائج.

كلما تركزت السلطة في مركز واحد، أصبح نجاح المشاريع الكبرى مرتبطاً بصورة مباشرة أكثر بصاحب القرار، وأصبحت كلفة الفشل الاقتصادي أو الأمني أو السياسي أكثر التصاقاً به شخصياً.

كما أن إضعاف مراكز القوى القديمة لا يعني بالضرورة اختفاء أصحابها أو شبكات مصالحها، حتى وإن كانت المعطيات العلنية لا تسمح بقياس مدى استمرار نفوذها الحقيقي داخل الدولة.

ومن هنا يصبح الاستقرار الداخلي بالنسبة إلى محمد بن سلمان مرتبطاً أيضاً بقدرته على تقديم صورة قيادة ناجحة وقوية ومسيطرة وقادرة على حماية المملكة.

واتفاق مكة يخدم هذه الصورة بوضوح.

فولي العهد يستطيع أن يقدم للسعوديين وللنخب الاقتصادية والسياسية مشهداً تظهر فيه المملكة لا كدولة تنتظر الحماية، بل كمركز لتحالف دفاعي يجمع حوله دولتين بحجم تركيا وباكستان.

لكن صورة القوة الخارجية لا تلغي بالضرورة مصادر القلق في الداخل.

بل قد تجعل الحفاظ على الاستقرار أكثر أهمية، لأن مشروعاً سياسياً واقتصادياً بهذا الحجم يحتاج إلى استمرار الثقة أكثر مما يحتاج إلى الاستعراض.

ثلاث دول وثلاثة مشاريع: أين يمكن أن يبدأ الاختلاف؟

ربما تكون هذه أهم نقطة في تقييم اتفاق مكة.

السعودية وتركيا وباكستان تدخل كل منها الاتفاق بدوافع ليست متطابقة.

السعودية تبحث قبل كل شيء عن الأمن والردع وتنويع التحالفات وحماية مشروعها الاقتصادي.

تركيا ترى في الاتفاق فرصة لتوسيع نفوذها السياسي والعسكري، وفتح أسواق جديدة أمام صناعاتها الدفاعية، وجذب الاستثمارات السعودية وتعزيز حضورها في الخليج والعالم الإسلامي.

أما باكستان فتحتاج إلى العلاقات الاقتصادية والاستثمارات والطاقة والدعم الخليجي، وتريد في الوقت نفسه الحفاظ على مكانتها العسكرية والسياسية داخل العالم الإسلامي.

هناك إذاً مساحة واسعة من المصالح المشتركة.

لكن المصالح المشتركة ليست هي المصير المشترك.

وهنا تبدأ المشكلة التي تواجه كل نظام دفاع جماعي عند الانتقال من البيان السياسي إلى الحرب الحقيقية.

ماذا يحدث إذا تعرضت السعودية لهجوم واعتبرت أن مصدره إيران أو جماعة مسلحة مرتبطة بها؟

وماذا لو لم توافق أنقرة أو إسلام آباد على التفسير السعودي للأزمة؟

ماذا لو رأت باكستان أن التدخل العسكري سيهدد حدودها وعلاقتها بطهران؟

ومن يقرر أصلاً أن الالتزام المتعلق بالدفاع المشترك قد أصبح سارياً؟

هل يكفي أن تعلن الرياض أنها تعرضت للعدوان؟

أم ينبغي أن توافق أنقرة وإسلام آباد على تعريف المعتدي وطبيعة الرد؟

ثم ماذا عن الجماعات المسلحة غير الحكومية؟

إذا نفذت جماعة مرتبطة بإيران هجوماً من اليمن أو العراق، فهل يُعتبر ذلك هجوماً إيرانياً مباشراً؟

وماذا عن الهجمات السيبرانية أو العمليات البحرية أو التخريب ضد منشآت الطاقة؟

هذه الأسئلة ليست تقنية ولا ثانوية.

إنها جوهر أي نظام دفاع جماعي.

وهي التي ستحدد في النهاية إن كان اتفاق مكة تحالفاً عسكرياً بالمعنى الفعلي، أم إطاراً سياسياً واسعاً يسمح لكل طرف بهامش كبير في تفسير التزاماته.

لماذا لا يمكن مقارنة اتفاق مكة بحلف الناتو حتى الآن؟

قد يكون من المغري إعلامياً وصف الاتفاق بأنه بداية «ناتو إسلامي».

لكن المقارنة سابقة لأوانها.

قوة حلف شمال الأطلسي لا تأتي فقط من المادة الخامسة التي تعتبر الهجوم على عضو هجوماً على الحلف، بل من بنية مؤسساتية وعسكرية ضخمة بُنيت على مدى أكثر من سبعة عقود.

هناك قيادة عسكرية مشتركة، ومراكز قيادة، وتخطيط عملياتي، وتدريبات منتظمة، ومعايير تقنية موحدة، وتبادل استخباراتي، وأنظمة اتصال، وقواعد وقوات مخصصة وخطط مسبقة للتعامل مع سيناريوهات الحرب.

أما اتفاق مكة، فما تزال الأسئلة الأساسية حول ما يوجد خلف العبارة السياسية مفتوحة.

إذا أرادت الدول الثلاث تحويله إلى منظومة دفاع جماعي حقيقية، فستحتاج إلى بناء مؤسسات مشتركة، وتحديد سلسلة القيادة، وقواعد الاشتباك، وآليات اتخاذ القرار، والتمويل، وتبادل المعلومات، وتوزيع المسؤوليات.

وعندها ستبدأ الاختبارات الحقيقية.

هل تقبل تركيا، العضو في الناتو وصاحبة الخبرة العملياتية الأوسع بين الدول الثلاث، بهيكل قيادة لا يكون لها فيه دور مركزي؟

هل تقبل باكستان وضع جزء من قدراتها العسكرية تحت ترتيبات قيادة مشتركة؟

ومن ستكون له الكلمة الأخيرة عندما يتحول الخلاف السياسي إلى قرار حرب؟

هذه الأسئلة ستحدد القيمة الحقيقية للاتفاق أكثر من الصياغات الاحتفالية التي رافقت توقيعه.

فالمادة السياسية التي تقول إن الاعتداء على دولة من الدول الثلاث يُعتبر اعتداءً على الجميع مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لصنع تحالف عسكري متكامل.

كيف يمكن قراءة رسائل اتفاق مكة؟

القوة السياسية الحقيقية للاتفاق قد تكمن أيضاً في قدرته على إرسال عدة رسائل في الوقت نفسه.

إلى إيران، لا توجد معطيات تسمح بالقول إن الاتفاق موجه ضدها رسمياً، خصوصاً أن الدول الثلاث شددت على طابعه الدفاعي.

لكن من منظور الردع، فإن أي خصم محتمل للسعودية أصبح مضطراً إلى إدخال احتمال رد تركي أو باكستاني في حساباته.

وهذا وحده يرفع كلفة عدم اليقين.

أما الرسالة إلى الولايات المتحدة فهي أكثر دقة.

الرياض لا تبدو راغبة في التخلي عن الشراكة الأميركية.

لكنها تريد أن تقول لواشنطن إن لديها خيارات، وإن أمنها لن يبقى مرتبطاً حصراً بقرار أميركي.

المعادلة لم تعد: واشنطن أو أنقرة وإسلام آباد.

بل أصبحت: واشنطن، إضافة إلى أنقرة وإسلام آباد وغيرهما.

وفي ما يتعلق بالإمارات، لا توجد معطيات تثبت أن الاتفاق موجه ضد أبوظبي.

لكن يمكن قراءته باعتباره تأكيداً على قدرة السعودية على بناء شبكات استراتيجية مستقلة خارج إطار شراكاتها الخليجية التقليدية.

أما بالنسبة إلى قطر، فلا توجد مؤشرات جدية تسمح باعتبارها هدفاً مباشراً أو غير مباشر للاتفاق.

ومع ذلك، فإن الصورة العامة تعكس تنافساً أوسع بين دول المنطقة على المكانة والقدرة على بناء شبكات النفوذ.

وفي الداخل السعودي، تبدو الرسالة أكثر وضوحاً من حيث الصورة السياسية: المملكة ليست معزولة، وقيادتها قادرة على جمع قوى إسلامية كبيرة حول ترتيبات أمنية جديدة.

وبالتالي، فإن اتفاق مكة يؤدي وظيفة سياسية حتى قبل أن يُختبر عسكرياً.

لكن هنا تكمن أيضاً نقطة ضعفه.

فالتحالف الذي تكون قيمته الأساسية في الرسالة السياسية يحتاج في النهاية إلى إثبات أن وراء الرسالة قدرة عسكرية وإرادة سياسية حقيقية.

هل بنت السعودية تحالفاً… أم اشترت وقتاً وخيارات؟

اتفاق مكة ليس اتفاقاً بلا أهمية.

كما أن وصفه بأنه مجرد استعراض إعلامي سيكون تبسيطاً غير دقيق.

السعودية تحصل من خلاله على مكاسب حقيقية: توسيع التعاون العسكري مع تركيا وباكستان، وتنويع مصادر السلاح والخبرة والتكنولوجيا، وزيادة الغموض أمام الخصوم، وتعزيز موقعها التفاوضي تجاه الولايات المتحدة وإيران وحتى شركائها ومنافسيها في المنطقة.

لكن الاتفاق لا يلغي حقائق الجغرافيا والسياسة.

تركيا ستبقى دولة لها مصالحها الخاصة وعلاقاتها مع الناتو والولايات المتحدة والإمارات وإيران وروسيا.

وباكستان ستبقى دولة نووية مرتبطة استراتيجياً بالصين، لكنها مضطرة في الوقت نفسه إلى إدارة علاقاتها مع الولايات المتحدة والهند وإيران وحدودها ومشكلاتها الداخلية.

والسعودية نفسها ستبقى، رغم سياسة تنويع التحالفات، مرتبطة بصورة عميقة بالنظام الأمني والمالي والاقتصادي الغربي.

لذلك ربما لا يكون اتفاق مكة ولادة تحالف عسكري يشبه الناتو بقدر ما يكون تعبيراً عن فلسفة سعودية جديدة:

لا تثق بضامن واحد.

ولا تضع أمنك في يد عاصمة واحدة.

وابنِ أكبر عدد ممكن من الخيارات قبل وصول الأزمة.

ومن هذه الزاوية، يبدو محمد بن سلمان وكأنه لا يبحث فقط عن حلفاء، بل عن هامش أمان يسمح له بحماية مشروع سياسي واقتصادي أصبح ضخماً إلى درجة أن أي اضطراب إقليمي كبير يمكن أن تكون تكلفته هائلة.

لكن التحالفات لا تُختبر في القصور.

ولا في الصور الجماعية.

ولا في البيانات الختامية.

إنها تُختبر عندما تصبح كلفة الوفاء بها أعلى من كلفة التخلي عنها.

وعند أول اختبار أمني كبير، لن يكون السؤال الحقيقي ماذا كُتب في اتفاق مكة.

سيكون السؤال:

ماذا ستفعل أنقرة وإسلام آباد عندما تتلقى كل منهما اتصالاً من الرياض يطلب الانتقال من التضامن السياسي إلى الالتزام العسكري؟

وهل ستقرأ الدول الثلاث كلمة «الدفاع» بالطريقة نفسها عندما تصبح كلفتها جنوداً ومصالح وتحالفات وعلاقات مع قوى أخرى؟

عندها فقط سنعرف إن كان محمد بن سلمان قد نجح فعلاً في بناء مظلة دفاعية جديدة للمملكة، أم أن اتفاق مكة هو قبل كل شيء شبكة مصالح وخيارات استراتيجية تبقى متماسكة ما دامت مصالح أطرافها متقاطعة.

فالتحالف الحقيقي لا يُقاس بعدد الدول التي توقعه.

بل بمقدار ما تكون كل دولة مستعدة لدفعه عندما يأتي موعد التنفيذ.




الجمعة 7 أغسطس 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic