فن وفكر

فاطمة المرنيسي.. حين تتحول السيرة الفكرية إلى ذاكرة جماعية


هناك أسماء لا ينتهي حضورها بانتهاء حياتها، لأن ما تتركه خلفها لا يُختزل في سيرة شخصية، بل يتحول إلى أسئلة تواصل الأجيال طرحها. ومن بين هذه الأسماء تبرز فاطمة المرنيسي، عالمة الاجتماع والكاتبة المغربية التي جعلت من البحث والكتابة وسيلتين لإعادة النظر في علاقة المرأة بالمجتمع، وفي السلطة والذاكرة والتاريخ.



وفي الدورة التاسعة عشرة من المهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا، يعود اسم المرنيسي إلى الواجهة من خلال فقرة خاصة تحتفي بإرثها الفكري، بالتعاون مع جمعية أصدقاء فاطمة المرنيسي للأنشطة الثقافية، إلى جانب عرض فيلم «فاطمة، السلطانة التي لا تُنسى» للمخرج محمد عبد الرحمان التازي.

ولا يبدو استحضار المرنيسي داخل مهرجان مخصص للسينما النسائية مجرد التفاتة إلى شخصية راحلة، بل يحمل دلالة تتجاوز التكريم. فالفكر الذي أنتجته المرنيسي ظل مرتبطاً بأسئلة المرأة والمجتمع والسلطة، وهي أسئلة لم تفقد راهنيتها، بل واصلت حضورها بأشكال مختلفة في النقاش الثقافي والاجتماعي.

 من الكتاب إلى الشاشة

يقدم فيلم «فاطمة، السلطانة التي لا تُنسى» قراءة سينمائية لمسار المرنيسي، مستعيداً جوانب من حياتها وتكوينها الفكري، ومن علاقتها بالكتب والأصدقاء والمجال الثقافي. والفيلم من إخراج محمد عبد الرحمان التازي، وكتابة فريدة بنليزيد والتازي، وقد أُنجز سنة 2022 وتبلغ مدته 112 دقيقة.

غير أن نقل سيرة مفكرة إلى الشاشة ليس مجرد تحويل للوقائع إلى صور. فالسينما تمنح الذاكرة شكلاً آخر، وتتيح للشخصية أن تعود إلى المجال العام من خلال الصورة والصوت والحركة، وأن تصل إلى جمهور قد لا يكون قد قرأ كتبها أو تابع مسارها الأكاديمي.

ومن هذه الزاوية، تصبح السينما وسيلة لإعادة فتح الكتب من جديد، لاختبار الأفكار في ضوء الزمن الذي نعيش فيه، ولطرح سؤال أساسي: ماذا يبقى من المفكر بعد رحيله؟

ربما تبقى الأفكار أولاً، ثم الأسئلة التي تركها مفتوحة.

 امرأة جعلت من السؤال منهجاً

كان حضور فاطمة المرنيسي في الثقافة المغربية والعربية مرتبطاً بقدرتها على مساءلة المسلمات، والعودة إلى التاريخ والتراث من أجل قراءة علاقة المرأة بالسلطة والمجتمع من زوايا مختلفة.

لم تكن كتاباتها تكتفي بوصف الواقع، بل سعت إلى تفكيك عدد من التصورات التي تحكم العلاقات الاجتماعية، وإلى إعادة قراءة بعض المرويات التاريخية والدينية والثقافية المتعلقة بالنساء والسلطة.

ولهذا، فإن استعادة تجربتها اليوم لا تعني التعامل معها باعتبارها صفحة من الماضي، وإنما باعتبارها تجربة فكرية ما تزال قابلة للقراءة والنقاش وإعادة التأويل.

وهنا تحديداً تكتسب عبارة «السلطانة التي لا تُنسى» معناها الرمزي، فالسلطانة ليست فقط شخصية تستعاد من التاريخ، وإنما صورة للمرأة التي استطاعت أن تجعل من المعرفة مجالاً لإعادة تعريف موقعها داخل المجتمع.

 حين تتحول السيرة إلى ذاكرة جماعية

تتجاوز السيرة الشخصية للمرنيسي حدود تجربتها الفردية. فقد أصبحت حياتها، بما حملته من دراسة وترحال وبحث وكتابة، جزءاً من ذاكرة ثقافية مغربية أوسع.

ومن خلال الفيلم، تتحول هذه السيرة إلى مادة بصرية يمكن للأجيال الجديدة أن تقترب منها من زاوية مختلفة. فالشخصية التي عرفها البعض من خلال الكتب والجامعات والمقالات، تصبح أمام المشاهد إنسانة لها طفولة وذكريات وصداقات وأماكن وتجارب.

وهذا الجانب الإنساني مهم في صناعة الذاكرة، لأن المفكر لا يعيش في الكتب وحدها. خلف كل مشروع فكري حياة كاملة، وعلاقات وتجارب وتأثيرات ساهمت في تشكيل طريقة صاحبه في النظر إلى العالم.

وقد أوضح التازي في حديث سابق أن الفيلم يمثل نظرة شخصية إلى ما يقارب خمسين عاماً من حياة المرنيسي، منذ طفولتها وشبابها إلى دراستها وعودتها من الولايات المتحدة بعد حصولها على الدكتوراه.

 إرث لا ينتمي إلى الماضي وحده

بعد مرور سنوات على رحيل فاطمة المرنيسي، لا يزال حضورها يتجدد في الفضاء الثقافي المغربي. وهذا التجدد لا يرتبط فقط بإعادة نشر كتبها أو تنظيم ندوات حول تجربتها، وإنما أيضاً بقدرة أعمالها على العودة إلى أسئلة المجتمع المعاصر.

فالمرأة، والسلطة، والعائلة، والهوية، والعلاقة بين التقليد والحداثة، كلها موضوعات ظلت حاضرة في النقاش الاجتماعي، وإن تغيرت أشكال التعبير عنها.

ومن هنا، فإن استحضار المرنيسي داخل مهرجان سينمائي يهتم بالمرأة يفتح المجال أمام حوار بين الفكر والصورة والذاكرة. فالسينما هنا لا تقدم بديلاً عن الكتاب، وإنما يمكن أن تكون مدخلاً جديداً إليه، وأن تدفع المشاهد إلى البحث عن النص الأصلي والأفكار التي صنعت شخصية صاحبتها.

الذاكرة التي تحتاج إلى من يعيد قراءتها

ليست قيمة التكريم في أن يستعيد الماضي أسماءه فحسب، وإنما في أن يمنح الحاضر فرصة لإعادة اكتشافها.

وفاطمة المرنيسي، في هذا المعنى، ليست مجرد اسم ينتمي إلى جيل سابق من المفكرين المغاربة، بل تجربة فكرية يمكن لكل جيل أن يعود إليها بأسئلته الخاصة. وقد يكون هذا هو الشكل الأعمق لاستمرار الفكر: ألا يبقى محفوظاً في الذاكرة باعتباره تراثاً مغلقاً، بل أن يظل قادراً على إثارة النقاش.

في سلا، تتحول الشاشة إلى مساحة لاستعادة هذه الذاكرة، ويصبح الفيلم جسراً بين امرأة كرست حياتها للبحث والكتابة وبين جمهور جديد يكتشف سيرتها من خلال الصورة.

وهكذا، لا تعود فاطمة المرنيسي حاضرة لأنها غابت، بل لأنها تركت وراءها ما يجعل غيابها نفسه مناسبة لاستمرار الحوار.

فالأشخاص يرحلون، أما الأفكار التي تترك أثراً في الوعي الجماعي، فإنها تواصل البحث عن أجيال جديدة تقرؤها، وتختلف معها، وتعيد تأويلها، وربما تكتشف فيها أسئلة لم تكن قد طُرحت بعد.

وهنا تحديداً تتحول السيرة الفكرية إلى ذاكرة جماعية حية.

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاربعاء 30 سبتمبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ





















Buy cheap website traffic