بين السطور

يمكننا دائماً أن نأمل… أن يرفع النواب الجدد مستوى النقاش السياسي


انتهت الانتخابات، وحُسم توزيع المقاعد، وبدأ الفائزون يستوعبون نتائجهم، بينما يراجع الخاسرون أسباب تعثرهم. ومع مرور الأيام، سيخفت ضجيج الحملة الانتخابية تدريجياً، ليبدأ ما هو أكثر جدية: تدبير الشأن العام بالنسبة إلى الأغلبية، ومراقبة العمل الحكومي واقتراح البدائل بالنسبة إلى المعارضة.



ومن الطبيعي تهنئة كل من نال ثقة الناخبين، أياً كانت ألوانه السياسية، كما يستحق التقدير أيضاً كل من خاض المنافسة بكرامة ونزاهة واحترام لخصومه، حتى وإن لم يحالفه الفوز. فالانتخابات انتهت، ومعها يفترض أن تنتهي منطقياً لغة الحملات والشعارات. الآن يبدأ الامتحان الحقيقي: السياسة كما ينبغي أن تكون.

برلمان جديد لا يعني بالضرورة برلماناً أفضل

ما يهم اليوم لا يقتصر على معرفة من سيشكل الأغلبية ومن سيجلس في صفوف المعارضة، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر أهمية: ما مستوى البرلمان المقبل؟

فالتركيبة الجديدة تفتح، على الأقل نظرياً، باباً أمام نقاش سياسي أكثر غنى. داخل المؤسسة التشريعية ستكون هناك نساء ورجال ذوو خبرة وكفاءة وقناعات سياسية مختلفة؛ محافظون وليبراليون واشتراكيون ديمقراطيون وحساسيات يسارية واتجاهات أخرى. وهذا التنوع في حد ذاته أمر إيجابي، لأن البرلمان الذي يتفق فيه الجميع على كل شيء لن يكون بالضرورة برلماناً حيوياً.

ما نحتاج إليه هو خلاف سياسي حقيقي حول القضايا الكبرى: النموذج الاقتصادي والاجتماعي، المدرسة، المستشفى، التشغيل، الاستثمار، الحريات، الحماية الاجتماعية، الضرائب، وحدود تدخل الدولة وعلاقة ذلك بالسوق. لكن المطلوب في المقابل أن ترتقي هذه الخلافات إلى مستوى الأفكار والبرامج.

واجهوا الفكرة بفكرة، والرقم برقم، والبرنامج ببرنامج، والحل بحل بديل. اشرحوا للمواطن لماذا تعتبرون أن خصمكم مخطئ، والأهم من ذلك أن تقولوا له ماذا تقترحون مكان ما تنتقدونه.

البرلمان ليس مكاناً إضافياً للضجيج

ما قد يهدد هذا التنوع هو تحويل النقاش السياسي إلى مواجهات شخصية. نائب يهاجم آخر، والثاني يرد عليه، ثم يدخل ثالث ليشرح أن الطرفين لا يملكان الكفاءة، وبعد ساعات تُقتطع بضع ثوانٍ من الجلسة وتنشر على مواقع التواصل مصحوبة بعناوين من قبيل أن البرلمان «اهتز».

لدينا ما يكفينا من هذا النوع من الضجيج على شبكات التواصل الاجتماعي. أما البرلمان، فمن المفترض أن يؤدي وظيفة مختلفة وأكثر قيمة. فهو لا يقتصر على التصويت على القوانين ومراقبة الحكومة، بل يمكنه أيضاً أن يسهم في رفع مستوى الثقافة السياسية لدى المواطنين.

نقاش برلماني جيد قد يساعد المواطن على فهم قضية معقدة، ومعارضة تعتمد الحجج يمكن أن تكشف جوانب ضعف في مشروع حكومي، بينما تستطيع حكومة قادرة على الرد بالأرقام والمعطيات أن تعزز الثقة في العمل العمومي. وهكذا يمكن للسياسة أن تستعيد جزءاً من مصداقيتها، ليس بالشعارات ولا بالصوت المرتفع، وإنما بجودة النقاش وقوة الحجة.

حين كان النقاش البرلماني يستحق المتابعة

أتذكر بعض النقاشات البرلمانية خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. ولا يعني ذلك أن تلك المرحلة كانت مثالية، فالسياسة المغربية آنذاك كانت لها بدورها حدودها وتوتراتها وتناقضاتها، لكن بعض المواجهات البرلمانية كانت تُنتظر باهتمام.

كان المواطن يريد أن يسمع ماذا سيقول هذا، وكيف سيرد عليه ذاك. وكانت الخلافات، مهما كانت حادة، تدور أحياناً حول تصورات سياسية متباينة فعلاً: حجة تواجه حجة، وفكرة تقابل فكرة، ورؤية للمجتمع تناقش رؤية أخرى. وحتى إن لم تقتنع في النهاية بأحد الطرفين، كان بإمكانك أن تخرج من النقاش بفكرة جديدة أو بزاوية مختلفة لفهم الموضوع.

وهذا، ربما، ما نفتقده اليوم أكثر من غيره. أن نشاهد جلسة برلمانية ونغلق الشاشة بعدها ونحن نقول لأنفسنا: لم أفكر في هذه القضية بهذه الطريقة من قبل. وإذا تحقق ذلك، فسيكون البرلمان قد أدى جزءاً مهماً من دوره.

سيظل هناك من لا يضيف شيئاً

لكن الواقعية تفرض الاعتراف بأن كل برلمان يضم أيضاً من يمكن تسميتهم، باستعارة من لغة الرياضيات، بـ«الثوابت». أولئك الذين يمرون من ولاية تشريعية كاملة دون أن يتركوا أثراً واضحاً في النقاش أو التشريع أو الرقابة.

إنهم، بطريقة ساخرة، أصحاب «القيمة المضافة الصفرية»: لا يقترحون الكثير، ولا يفتحون نقاشاً جديداً، ولا يتركون أثراً فكرياً يذكر، وقد ينجح بعضهم أحياناً في استعمال كلمات كثيرة دون قول شيء حقيقي.

قد يكون من الصعب التخلص نهائياً من هذه الفئة، ولذلك من الأفضل التركيز على النواب القادرين فعلاً على إنتاج أفكار سياسية وصناعة نقاش جاد. فهؤلاء هم الذين يمكن أن يمنحوا للمؤسسة التشريعية معناها الحقيقي، وعليهم يُعلّق جزء كبير من الأمل.

أغلبية قوية تحتاج إلى معارضة في المستوى نفسه

نحتاج إلى أغلبية قادرة على الحكم، لكننا نحتاج بالقدر نفسه إلى معارضة قادرة على أداء دورها. فالمعارضة ليست مجرد قول «لا» لكل ما تقترحه الحكومة، بل يفترض أن يكون رفضها قائماً على الحجج والأرقام والبدائل.

المعارضة المفيدة تستطيع أن تقول للحكومة: نرفض هذا القرار لأن أرقامكم لا تدعمه، أو لأن الحل المقترح لن يحقق النتائج المنتظرة، وهذه هي البدائل التي نقدمها. وفي المقابل، يفترض في الأغلبية ألا تعتبر كل انتقاد هجوماً أو محاولة لإفشالها.

فالأغلبية الواثقة من نفسها يجب أن تكون قادرة على الرد والتفسير والإقناع، وربما الاعتراف أحياناً بأن اقتراحاً جاء من المعارضة يستحق أن يؤخذ بعين الاعتبار. وإذا وصل النقاش السياسي إلى هذا المستوى، فسيكون ذلك تحولاً مهماً في طريقة ممارسة السياسة.

اجعلونا نفكر قبل أن تحاولوا إبهارنا

يمكننا دائماً أن نأمل في أن يكون البرلمان المقبل أفضل من سابقه، ليس بسبب الوجوه الجديدة وحدها، وإنما بسبب نوعية الأفكار التي سيحملها النقاش داخله، نريد ممثلين يفاجئوننا بأفكارهم لا بإهاناتهم، ويقدمون حلولاً جديدة بدل تكرار الخطابات نفسها، ويملكون الجرأة على اقتراح ما قد لا يرضي حتى قيادات أحزابهم أحياناً. فالمواطن المغربي لا يحتاج إلى نواب يفكرون بالطريقة نفسها، بل يحتاج إلى نواب يفكرون فعلاً، ويعملون، ويحاججون، ويقدمون ما يجعل متابعتهم جديرة بالوقت.

لقد وزعت الانتخابات المقاعد، أما الولاية التشريعية المقبلة فعليها أن تقدم الأدلة: دليل الكفاءة، ودليل العمل، ودليل القدرة على الابتكار، ودليل أن الخلاف السياسي يمكن أن يكون حاداً دون أن يتحول إلى إساءة شخصية.

لا أحد يطلب من البرلمانيين الجدد أن يتفقوا دائماً. على العكس، الاختلاف مطلوب وضروري، لكن ما نحتاج إليه هو خلافات ذكية ومفيدة، وبعد كل شيء، يمكننا دائماً أن نأمل. وإذا نجحت الأغلبية والمعارضة معاً في الارتقاء بمستوى النقاش والعمل البرلماني، فسيكون هناك فائز واحد لن يختلف حوله أحد: المملكة المغربية
 




الاربعاء 30 سبتمبر 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic