فن وفكر

صفا إرواس تفتح «ثغرات» في الفن المعاصر.. حين يصبح الفراغ مساحة للذاكرة


في تجربتها الفنية الجديدة، تواصل الفنانة التشكيلية المغربية صفاء إرواس مساءلة العلاقة بين الإنسان والمادة والفضاء، من خلال معرضها «Habiter l’interstice»، الذي يفتح أمام المتلقي مساحة للتأمل في ما يوجد بين الأشياء، وفي تلك المناطق الهامشية التي غالباً ما تمرّ دون أن ننتبه إليها.



لا يقدم المعرض الفراغ باعتباره غياباً أو مساحة خالية، بل يحوله إلى عنصر حاضر داخل العمل الفني، له دلالته وإيقاعه وذاكرته. فـ«الثغرة» هنا ليست مجرد فجوة بين شكلين، وإنما فضاء يمكن أن تتشكل داخله معانٍ جديدة، وأن يعيد المتلقي من خلاله النظر إلى الأشياء وعلاقته بها.

وتشتغل صفاء إرواس، في هذه التجربة، على المادة باعتبارها حاملة للذاكرة. فالأشكال والملامس والمساحات لا تبدو مستقلة عن الزمن، بل توحي بآثار تراكمت عليها، وبأشياء كانت حاضرة ثم غابت، أو ظلت عالقة في الذاكرة رغم اختفائها من المشهد.

ومن خلال هذا الاشتغال، يتحول العمل الفني إلى مساحة مفتوحة بين المرئي وغير المرئي، وبين الحضور والغياب. وهي ثنائية تمنح المتلقي دوراً أساسياً في استكمال المعنى، إذ لا تفرض الأعمال قراءة واحدة بقدر ما تدعوه إلى بناء علاقته الخاصة معها.

ويحمل عنوان المعرض، «Habiter l’interstice»، دلالة لافتة في هذا السياق؛ فالسكن في «الفاصل» أو «البين» يحيل إلى تجربة إنسانية تتجاوز حدود الفن، حيث يعيش الإنسان باستمرار بين حالات مختلفة: بين الماضي والحاضر، بين ما يعرفه وما يجهله، وبين ما يختار إظهاره وما يتركه في الظل.

وفي هذا المستوى، يصبح الفضاء الفني أشبه بامتداد للفضاء الداخلي للإنسان. فكما تحمل الذاكرة آثار التجارب والأمكنة والأشخاص، تحتفظ المادة بدورها بآثار تشكلها وتحولاتها. ومن هنا تتقاطع تجربة الفنانة مع سؤال الذاكرة، لا باعتبارها استعادة للماضي فحسب، وإنما باعتبارها عملية مستمرة لإعادة بناء ما عاشه الإنسان.

وتمنح الأعمال المعروضة للمتلقي فرصة للتوقف أمام التفاصيل الصغيرة، والانتباه إلى ما يقع عادة في الهامش. فالفن، في هذه التجربة، لا يبحث بالضرورة عن الإجابة، وإنما يفتح «ثغرة» في الرؤية المعتادة، ويقترح طريقة أخرى للنظر إلى الأشياء والفضاءات والعلاقة بينهما.

كما تستعيد صفاء إرواس، من خلال تجربتها، إحدى الوظائف الأساسية للفن المعاصر: إعادة طرح الأسئلة أكثر من تقديم الأجوبة. فحين تصبح المادة قابلة للتأويل، ويغدو الفراغ جزءاً من العمل، يتحول المتلقي بدوره من مجرد مشاهد إلى طرف في إنتاج الدلالة.

وبذلك، لا يبدو «Habiter l’interstice» معرضاً عن الفراغ بالمعنى الحرفي، بقدر ما هو تجربة حول ما يفصل الأشياء وما يصل بينها في الوقت نفسه، حول المساحات التي لا نراها دائماً، لكنها قد تكون الأكثر قدرة على الاحتفاظ بالمعنى.

في عالم تزداد فيه سرعة الصورة وتراكم المشاهد، تقترح صفاء إرواس لحظة مختلفة: التمهل، الإصغاء إلى المادة، والانتباه إلى الفراغ. ومن خلال هذه «الثغرات»، يكتسب الفن إمكانية أخرى للاقتراب من الذاكرة، ومن التجربة الإنسانية، ومن تلك المساحات الصامتة التي تسكننا بقدر ما نسكنها.

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاربعاء 30 سبتمبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ





















Buy cheap website traffic