أرقام مقلقة ومسار تصاعدي للإفلاس
كشف التقرير معطيات وُصفت بالصادمة، أبرزها تسجيل أزيد من 52 ألف حالة إفلاس خلال سنة واحدة، غالبيتها الساحقة في صفوف المقاولات الصغيرة جدًا. هذا الرقم لا يأتي معزولًا، بل يندرج ضمن منحى تصاعدي مستمر، حيث ارتفع عدد الإفلاسات من 25 ألف حالة سنة 2022 إلى 33 ألفًا في 2023، ثم 40 ألفًا في 2024، قبل أن يبلغ ذروته في 2025. وطرحت الكونفدرالية تساؤلات مباشرة حول أسباب تأخر التدخل الحكومي، معتبرة أن الانتظار لأربع سنوات في ظل هذا الارتفاع “غير الطبيعي” للإفلاس يطرح أكثر من علامة استفهام حول نجاعة السياسات العمومية المتبعة.
برامج دعم متأخرة وشبهات “الانتخابوية”
وانتقدت الكونفدرالية بشدة موجة البرامج الحكومية التي أُعلن عنها خلال السنة الأخيرة من الولاية الحكومية، معتبرة أنها لم تُبنَ على تشاور حقيقي مع ممثلي المقاولات الصغرى. وذهبت أبعد من ذلك، متسائلة عمّا إذا كانت هذه المبادرات تشكل “حملة انتخابية سابقة لأوانها”، هدفها استمالة فئة واسعة تمثل وزنًا اقتصاديًا مهمًا وخزانًا انتخابيًا لا يُستهان به. كما سجل التقرير توقف برامج تمويل وُصفت بالحيوية، مثل “انطلاقة” و“فرصة”، مقابل إقصاء فعلي للمقاولات الصغرى من الاستفادة من ميثاق الاستثمار الجديد، بسبب شروط اعتبرتها الكونفدرالية تعجيزية، في مقدمتها اشتراط استثمارات تفوق مليون درهم.
إكراهات متشابكة تهدد استمرارية المقاولات
ورصد التقرير جملة من التحديات البنيوية التي تزيد من هشاشة المقاولات الصغرى، على رأسها ضعف الدعم والمواكبة الفعلية، رغم وفرة البرامج على مستوى الخطاب. كما أبرز صعوبة الولوج إلى التمويل البنكي، خاصة بعد توقف آليات التمويل الموجهة لهذه الفئة. وسجل أيضًا اختلالًا ضريبيًا واضحًا، تمثل في رفع العبء الضريبي على المقاولات الصغرى من 10 إلى 20 في المائة، مقابل خفضه على المقاولات الكبرى من 30 إلى 20 في المائة، ما اعتبرته الكونفدرالية مفارقة تكرّس منطق عدم الإنصاف. إلى ذلك، نبه التقرير إلى عدم تفعيل مقتضيات تخصيص 20 في المائة من الصفقات العمومية للمقاولات الصغرى، رغم مرور أكثر من عشر سنوات على صدور المرسوم المنظم، فضلًا عن مشكل تأخر الأداء من طرف الشركات الكبرى والمؤسسات العمومية، وهو ما يفاقم أزمة السيولة ويدفع العديد من المقاولات إلى حافة الإفلاس.
مقترحات إنقاذ قبل الانهيار
وأمام هذا الوضع، قدمت الكونفدرالية حزمة من المقترحات العملية التي ترى أنها تشكل مدخلًا لإنقاذ القطاع خلال 2026، من بينها إحداث بنك عمومي متخصص في تمويل ومواكبة المقاولات الصغرى، على غرار تجربة بنك BPI France بفرنسا. كما دعت إلى إعادة هيكلة النظام الضريبي بما يراعي حجم المقاولة ومرحلة تطورها، مع منح إعفاءات وتحفيزات حقيقية للمقاولات الناشئة. وشددت على ضرورة تفعيل القوانين المرتبطة بالصفقات العمومية، والإسراع بإخراج المراسيم التطبيقية العالقة منذ 2013، إلى جانب توفير بنية تحتية وعقار مهني بأسعار ملائمة، ووضع آليات دعم مالي سريعة في فترات الأزمات، مع تسريع وتيرة التحول الرقمي.
الدعم كخيار استراتيجي لا يقبل التأجيل
وفي ختام تقريرها، أكدت الكونفدرالية أن دعم المقاولات الصغرى لم يعد ترفًا أو خيارًا ظرفيًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان الاستقرار الاجتماعي ودينامية التشغيل والتنمية الاقتصادية. وأعلنت عزمها خلال 2026 على تعزيز التنسيق مع الفاعلين العموميين والخواص، لإطلاق مبادرات ملموسة تحول دون فقدان مزيد من المقاولات، وتوفر شروط اشتغال “صحية وملائمة” تسهم في تقوية الاقتصاد الوطني بدل استنزافه
الرئيسية





















































