فن وفكر

حين تتأرجح الأشكال بين النظام والفوضى.. الفن بوصفه طريقة أخرى لرؤية العالم


في المنطقة الفاصلة بين النظام والفوضى، حيث لا تبدو الأشياء مستقرة تماماً ولا غارقة كلياً في العشوائية، تنطلق الفنانة منى عمور في تجربتها الفنية الجديدة، من خلال معرضها «L’Envers des formes»، لتقترح على المتلقي رؤية مختلفة للأشكال والضوء والمساحات، وتدعوه إلى تأمل ما يوجد خلف الصورة الظاهرة.



لا يتعامل المعرض مع الشكل باعتباره عنصراً ثابتاً ومغلقاً، بل يقدمه بوصفه نتيجة لحركة مستمرة بين التوازن والاختلال، وبين الوضوح والغموض. فالأشكال تتجاور وتتقاطع وتتغير دلالاتها بحسب موقعها داخل الفضاء، فيما يصبح الضوء شريكاً أساسياً في بناء التجربة البصرية.

وفي هذا العالم التشكيلي، لا تبدو الفوضى نقيضاً مطلقاً للنظام، كما لا يظهر النظام باعتباره حالة نهائية ومستقرة. بل يلتقي الاثنان داخل العمل الفني، في علاقة توحي بأن التوازن نفسه قد يكون نتيجة توتر خفي بين عناصر متعارضة.

ويحمل عنوان المعرض، «L’Envers des formes»، إحالة لافتة إلى ما يوجد خلف الأشكال أو في وجهها الآخر. فالفنانة لا تكتفي بما يظهر للعين، وإنما تفتح المجال أمام التساؤل حول ما تخفيه الصورة، وما الذي يمكن أن نكتشفه عندما نغير زاوية النظر.

وتكتسب التجربة بعداً خاصاً من خلال حضور الضوء، الذي لا يؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل يساهم في تغيير إدراك الأشكال والمساحات. فالضوء هنا يكشف ويخفي في الوقت نفسه، ويمنح العناصر التشكيلية حضوراً متغيراً، يجعل العين في حالة بحث دائم عن نقطة استقرار.

ومن خلال التجريد، تتحرر الأعمال من ضرورة تمثيل الواقع بصورة مباشرة، لتنتقل إلى مستوى آخر تصبح فيه الخطوط والمساحات والكتل والضوء لغة قائمة بذاتها. إنها لغة لا تقدم معنى جاهزاً، وإنما تترك للمتلقي مساحة لتكوين قراءته الخاصة.

وهنا تحديداً تتجلى إحدى خصائص الفن التجريدي: أنه لا يطلب من العين أن تتعرف على الأشياء بقدر ما يدعوها إلى **الإحساس بها**. فالشكل يمكن أن يصبح إيقاعاً، واللون يمكن أن يتحول إلى حالة، والفراغ يمكن أن يتحول إلى عنصر فاعل داخل اللوحة.

وتبدو تجربة منى عمور وكأنها تنطلق من سؤال بسيط في ظاهره، لكنه مفتوح على تأويلات عديدة: هل يمكن أن يوجد النظام من دون فوضى؟ وهل يمكن للفوضى نفسها أن تحمل نوعاً من النظام الداخلي؟

أسئلة لا يقدم المعرض إجابات مباشرة عنها، بل يتركها معلقة داخل فضائه البصري. وهو ما يمنح الأعمال قدرتها على استدعاء المتلقي، لا باعتباره مشاهداً من الخارج، وإنما باعتباره طرفاً في بناء المعنى.

وفي زمن تهيمن فيه الصور السريعة والمباشرة، تبدو مثل هذه التجارب دعوة إلى استعادة النظر البطيء؛ إلى منح العين وقتاً كافياً لاكتشاف التفاصيل والعلاقات الخفية بين العناصر.

وهكذا، يتحول «L’Envers des formes» إلى أكثر من معرض للتجريد؛ إنه تجربة في إعادة النظر إلى العالم من خلال الأشكال، وفي اكتشاف أن ما يبدو فوضوياً قد يخفي نظاماً، وأن ما يبدو مستقراً قد يحمل في داخله حركة مستمرة.

إنها، في النهاية، دعوة إلى النظر إلى الفن لا باعتباره انعكاساً للعالم فحسب، بل باعتباره طريقة أخرى لرؤيته وفهمه.

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاربعاء 30 سبتمبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ





















Buy cheap website traffic