بقلم الإعلامي والكاتب: عزيز كوكاس
تتداخل الحقيقة والخيال بشكل معقد في فيلم كوينتين تارانتينو، الشخصيات المتخيلة تتعامل مع الأشخاص الذين عاشوا ويعيشون حقا. تتعايش الأفلام المصورة مع البرامج التليفزيونية الأصلية التي أعيد تصويرها بشكل حرفي متقن. وفي كل مرة ينحرف تاريخ الحياة الواقعية إلى عالم بديل خيالي.
يعتبر “ذات مرة في هوليوود”Once Upon a Time in Hollywood فيلما عن سينما هوليوود وهي تنظر إلى نفسها في مرآة الذاكرة. تارانتينو، في عمله التاسع يصنع فيلماً عن تخيّل عام 1969، عن زمنٍ شهد الكثير من الانكسارات، وصناعةٍ تشعر أن مجدها الكلاسيكي يتداعى أمام رياح ثقافة مضادة، عنيفة، فوضوية، لا تعترف بالنجومية ولا بالأساطير.
لحظة انتقال حضاري داخل الثقافة الأميركية
يجسد فيلم “ذات مرة في هوليوود” لحظة انتقال حضاري داخل الثقافة الأميركية. يتناول موضوع موت البراءة ومحاولة أخيرة لإنقاذها بالصورة. إنه فيلم عن السينما وهي تحلم بأن الزمن يمكن أن يُعاد ترتيبه، وأن الحكايات – حين تُروى من جديد – قد تُنقذ ما عجز الواقع عن حمايته.
يتعلق الأمر بريك دالتون (ليوناردو دي كابريو)، الممثل الناجح الذي كان يشاهد نجمه يتضاءل في الساحة، فيجد نفسه مجبرا على القيام بأدوار هامشية مقابل المواهب الجديدة الصاعدة.
وبجانبه أفضل صديق له كليف بوث (براد بيت)، وهو جندي سابق من القبعات الخضر شارك في الحرب العالمية الثانية، تراجعت مسيرته في هوليوود جنبا إلى جنب مع دالتون.
في الجهة الأخرى تبرز شارون تيت (مارجوت روبي)، التي تنتقل مع زوجها رومان بولانسكي للعيش بجوار دالتون في سيلو درايف، مما دفع دالتون إلى أن يطمح أن يكون التواصل مع جيل هوليوود الجديد ممكنا لاستعادة مجد حياته المهنية التي أصبحت متعثرة.
تقود القصة المتعرجة الشخصيات الثلاث بلا هوادة نحو ليلة 8 غشت 1969، عندما حدثت مواجهة عنيفة مع عائلة مانسون.
“حدث ذات مرة في هوليوود” في عام 1969. في العالم الحقيقي، في الفترة التي ميزت النهاية المظلمة للستينيات، جرائم قتل ارتكبت فيها في Tate-LaBiancaخلال ليلتين رهيبتين من لوس أنجلوس.
قُتل كل من شارون تيت وجاي سيبرينغ ووجسيخ فريكوفسكي وأبيجيل فولجر وستيفن بارنت بوحشية على يد تكس واتسون وسوزان أتكينز وليندا كاسابيان وباتريشيا كرينوينكل في منزل في Cielo Drive.
كان القتلة يتصرفون تحت تأثير معلم الثقافة المضادة للزعيم تشارلز مانسون، قام ستة أفراد آخرين من العائلة برفقة مانسون نفسه بذبح لينو لابيانكا وزوجته روزماري في منزلهما في ويفرلي درايف.
إلى جانب ما شهده مهرجان Altamont Free الشهير في دجنبر الموالي، حدث موسيقي فوضوي معاد للثقافة شهد وفيات عديدة.. مثلت هذه الأحداث نقطة نهاية مؤلمة في الستينيات، بطلها مانسون الذي كان يستوحي عقيدته من ألبوم البيتلز الأبيض، كانت العائلة تستعد لسيناريو مروع أطلق عليه مانسون لقب “هيلتر سكيلتر”.
في الواقع، نعرف أن تلك الليلة كانت دموية. لكن في عالم تارانتينو، يمكن للحكاية أن تنحرف. يمكن للسينما أن تمنحنا فردوساً بديلاً لأنها ترفض أن تترك الواقع بلا مقاومة.
الزمن بوصفه بطلا خفيا
يحيلنا تارانتينو منذ العنوان إلى بنية الحكاية الشعبية: “ذات مرة”، “كان يا مكان”، حيث نجد أنفسنا ليس أمام فيلم تاريخي توثيقي بقدر ما نحس أننا أمام حكاية تُروى، حكاية يُعاد تشكيلها. هذه المسافة السردية هي مفتاح القراءة: ما نراه ليس استعادة للواقع، إنه إعادة كتابته. وكأن تارانتينو يمارس حقاً طفولياً في تغيير النهاية التي صدمت مخيلة أميركا في 8 غشت 1969.
يتحرك الفيلم وفق منطق الزمن المتراخي ويدمج المشاهد في قلب بنية تأملية قائمة على اليومي والهامشي: قيادة السيارات في لوس أنجلوس، اللافتات المضيئة، أغاني الراديو، لوحات الإعلانات، استوديوهات مهترئة، مواقع تصوير مسلسلات وسترن تلفزيونية. يبدو تارانتينو وهو يصور المدينة كما لو أنه يلمسها بيده. تنزلق الكاميرا ببطء، تتلصص، تحتفي بالسطح والملمس واللون.
يتحول الزمن في الفيلم إلى إطار للأحداث ومادة درامية بحد ذاته. كل مشهد يبدو كأنه يؤجل الكارثة. نعرف ما سيحدث تاريخياً، لكن الفيلم يرفض أن يندفع نحو تلك النهاية. إنه يماطل. يراوغ. وكأن السينما تحاول تأخير الموت.
ريك دالتون: أفول النجم الكلاسيكي
ريك دالتون استعارة عن هوليوود الكلاسيكية نفسها، مجرد ممثل يعاني من تراجع نجوميته، كان بطلاً في مسلسلات وسترن، نموذجاً للرجولة التلفزيونية المبسطة. لكن الستينيات المتأخرة لم تعد تؤمن بتلك البطولة. يريد الجمهور وجوهاً جديدة، لغة مختلفة، تمرداً على النمط.
أداء ليوناردو دي كابريو في الفيلم قائم على الهشاشة. لحظات الانهيار في الكرفان، خوفه من نسيان الحوار، بكاؤه وهو يسبّ نفسه، تكشف عن قلق وجودي، ريك يخاف من أن يصبح “شريراً” في مسلسلات الآخرين، أي أن يتحول من مركز إلى هامش. وهذا التحول هو لبّ المأساة. كان أداء الثنائي ديكابريو وبراد بيت الذي كان يساعد صديقه في أداء الأدوار الخطرة، جد متميزين، ونجح بيت من خلال فيلم “حدث ذات مرة في هوليوود” أن يخطف جائزة الأوسكار عن أدائه المبهر من يد الكبار آل باتشينو، وجو بيشي، وتوم هانكز وأنطونيو هوبكنز.
منح تارانتينو ريك لحظة خلاص داخل الفيلم في مشهد المواجهة مع الطفلة الممثلة في موقع تصوير الوسترن. هنا تتجلى قدرة السينما على منح معنى جديد لحياة متداعية حيث يصبح الأداء اعترافاً ثم خلاصاً مؤقتاً. كأن تارانتينو يقول إن الفن يمكن أن ينقذنا ولو لحظة.
كليف بوث: جسد العنف المؤجل
إذا كان ريك يمثل أفول الصورة، فإن كليف بوث يمثل بقاء الجسد. جندي سابق، رجل حركات خطرة، يعيش على الهامش في بيت متنقل مع كلبه. براد بيت يمنحه هدوءاً غامضاً، حضوراً جسدياً متماسكاً يخفي تاريخاً ملتبساً (شبهة قتل زوجته).
إن كليف ابن العنف الأميركي، لكنه عنف منضبط، احترافي، لا فوضوي. مشهد زيارته لمزرعة سباهن – مقر جماعة مانسون – هو ذروة التوتر السينمائي. تتحرك الكاميرا ببطء، يثقل الصمت الهواء، تحدق الوجوه الشابة بنظرات فارغة. هنا نلمس صدام عالمين: عالم الصناعة القديمة، بعنفه المقنن، وعالم الثقافة المضادة بعنفه العدمي.
عندما ينفجر العنف في النهاية، يكون كليف هو الأداة. عنف أسطوري، كاريكاتوري أقرب إلى كوميديا سوداء. لا يعيد تارانتينو تمثيل الجريمة بل ينتقم منها. يجعل القتلة ضحايا= ويعيد توزيع الألم.
شارون تيت: براءة مستعادة
أكثر الشخصيات إثارة للجدل في الفيلم هي شارون تيت، رأى البعض أنها مهمشة، قليلة الحضور في قلب الحوار. لكن حضورها أيقوني حيث لا يقدمها تارانتينو كشخصية درامية تقليدية بل كصورة للبراءة. مشهد دخولها إلى قاعة السينما لمشاهدة نفسها على الشاشة هو لحظة ميتاسينمائية بامتياز: ممثلة تشاهد صورتها، تضحك مع الجمهور، تتحقق من وجودها عبر ضحك الآخرين.
هنا تتجسد وظيفة السينما كأرشيف للفرح. يمنح تارانتينو شارون ما لم يمنحها التاريخ: وقتاً إضافياً، ضوءاً، موسيقى، خطوات راقصة. إنه يرفض أن تكون مجرد ضحية فيعيدها إلى الحياة عبر الصورة.
إعادة كتابة التاريخ كفعل أخلاقي
كما فعل في ” أوغاد بلا مجد” Inglourious Basterds، يمارس تارانتينو لعبة التاريخ البديل، لكنه هنا يفعل ذلك بدافع حميمي. كانت جريمة مانسون صدمة ثقافية أنهت وهم البراءة الهيبية. بقتل شارون تيت، قُتلت فكرة أن الحب والسلام يمكن أن ينتصرا على العنف.
يقلب الفيلم المعادلة: القتلة هم من يموتون والضحايا ينجون. لم يكن ذلك مجرد نزوة سردية، بقدر ما جسد فعل مقاومة للذاكرة الجريحة. تصبح السينما أداة لتضميد الماضي، لإعادة توزيع العدالة ولو تخيلياً.
اللغة السينمائية: احتفاء بالملمس والمرجعيات
بصرياً، نجد الفيلم غارقا في النوستالجيا، لكن نوستالجيا واعية بذاتها. استخدام 35 ملم، الديكورات الدقيقة، إعادة بناء لوس أنجلوس الستينيات، الموسيقى المأخوذة من إذاعات حقيقية… كلها عناصر تجعل الفيلم أقرب إلى كبسولة زمنية.
لكن خلف هذا الاحتفاء، يوجد وعي نقدي، نرى صناعة تتغير، نجومية تتآكل، أفلام وسترن تنتقل إلى إيطاليا (السباغيتي وسترن)، تلفزيون يبتلع السينما. لا يكتفي تارانتينو برثاء الماضي والتحسر عليه فحسب بل يرصد تحوله.
بوابة إلى فردوس لم يحدث
يحمل المشهد الأخير، عندما تُفتح بوابة منزل بولانسكي وتيت أمام ريك دالتون، دلالة شبه أسطورية. البوابة ليست مجرد مدخل بيت، إنها مدخل إلى عالم لم يتحقق. صوت المعلّق يقول: “وهكذا..” كأن الحكاية انتهت قبل أن تبدأ.
يعتبر “ذات مرة في هوليوود”Once Upon a Time in Hollywood فيلما عن سينما هوليوود وهي تنظر إلى نفسها في مرآة الذاكرة. تارانتينو، في عمله التاسع يصنع فيلماً عن تخيّل عام 1969، عن زمنٍ شهد الكثير من الانكسارات، وصناعةٍ تشعر أن مجدها الكلاسيكي يتداعى أمام رياح ثقافة مضادة، عنيفة، فوضوية، لا تعترف بالنجومية ولا بالأساطير.
لحظة انتقال حضاري داخل الثقافة الأميركية
يجسد فيلم “ذات مرة في هوليوود” لحظة انتقال حضاري داخل الثقافة الأميركية. يتناول موضوع موت البراءة ومحاولة أخيرة لإنقاذها بالصورة. إنه فيلم عن السينما وهي تحلم بأن الزمن يمكن أن يُعاد ترتيبه، وأن الحكايات – حين تُروى من جديد – قد تُنقذ ما عجز الواقع عن حمايته.
يتعلق الأمر بريك دالتون (ليوناردو دي كابريو)، الممثل الناجح الذي كان يشاهد نجمه يتضاءل في الساحة، فيجد نفسه مجبرا على القيام بأدوار هامشية مقابل المواهب الجديدة الصاعدة.
وبجانبه أفضل صديق له كليف بوث (براد بيت)، وهو جندي سابق من القبعات الخضر شارك في الحرب العالمية الثانية، تراجعت مسيرته في هوليوود جنبا إلى جنب مع دالتون.
في الجهة الأخرى تبرز شارون تيت (مارجوت روبي)، التي تنتقل مع زوجها رومان بولانسكي للعيش بجوار دالتون في سيلو درايف، مما دفع دالتون إلى أن يطمح أن يكون التواصل مع جيل هوليوود الجديد ممكنا لاستعادة مجد حياته المهنية التي أصبحت متعثرة.
تقود القصة المتعرجة الشخصيات الثلاث بلا هوادة نحو ليلة 8 غشت 1969، عندما حدثت مواجهة عنيفة مع عائلة مانسون.
“حدث ذات مرة في هوليوود” في عام 1969. في العالم الحقيقي، في الفترة التي ميزت النهاية المظلمة للستينيات، جرائم قتل ارتكبت فيها في Tate-LaBiancaخلال ليلتين رهيبتين من لوس أنجلوس.
قُتل كل من شارون تيت وجاي سيبرينغ ووجسيخ فريكوفسكي وأبيجيل فولجر وستيفن بارنت بوحشية على يد تكس واتسون وسوزان أتكينز وليندا كاسابيان وباتريشيا كرينوينكل في منزل في Cielo Drive.
كان القتلة يتصرفون تحت تأثير معلم الثقافة المضادة للزعيم تشارلز مانسون، قام ستة أفراد آخرين من العائلة برفقة مانسون نفسه بذبح لينو لابيانكا وزوجته روزماري في منزلهما في ويفرلي درايف.
إلى جانب ما شهده مهرجان Altamont Free الشهير في دجنبر الموالي، حدث موسيقي فوضوي معاد للثقافة شهد وفيات عديدة.. مثلت هذه الأحداث نقطة نهاية مؤلمة في الستينيات، بطلها مانسون الذي كان يستوحي عقيدته من ألبوم البيتلز الأبيض، كانت العائلة تستعد لسيناريو مروع أطلق عليه مانسون لقب “هيلتر سكيلتر”.
في الواقع، نعرف أن تلك الليلة كانت دموية. لكن في عالم تارانتينو، يمكن للحكاية أن تنحرف. يمكن للسينما أن تمنحنا فردوساً بديلاً لأنها ترفض أن تترك الواقع بلا مقاومة.
الزمن بوصفه بطلا خفيا
يحيلنا تارانتينو منذ العنوان إلى بنية الحكاية الشعبية: “ذات مرة”، “كان يا مكان”، حيث نجد أنفسنا ليس أمام فيلم تاريخي توثيقي بقدر ما نحس أننا أمام حكاية تُروى، حكاية يُعاد تشكيلها. هذه المسافة السردية هي مفتاح القراءة: ما نراه ليس استعادة للواقع، إنه إعادة كتابته. وكأن تارانتينو يمارس حقاً طفولياً في تغيير النهاية التي صدمت مخيلة أميركا في 8 غشت 1969.
يتحرك الفيلم وفق منطق الزمن المتراخي ويدمج المشاهد في قلب بنية تأملية قائمة على اليومي والهامشي: قيادة السيارات في لوس أنجلوس، اللافتات المضيئة، أغاني الراديو، لوحات الإعلانات، استوديوهات مهترئة، مواقع تصوير مسلسلات وسترن تلفزيونية. يبدو تارانتينو وهو يصور المدينة كما لو أنه يلمسها بيده. تنزلق الكاميرا ببطء، تتلصص، تحتفي بالسطح والملمس واللون.
يتحول الزمن في الفيلم إلى إطار للأحداث ومادة درامية بحد ذاته. كل مشهد يبدو كأنه يؤجل الكارثة. نعرف ما سيحدث تاريخياً، لكن الفيلم يرفض أن يندفع نحو تلك النهاية. إنه يماطل. يراوغ. وكأن السينما تحاول تأخير الموت.
ريك دالتون: أفول النجم الكلاسيكي
ريك دالتون استعارة عن هوليوود الكلاسيكية نفسها، مجرد ممثل يعاني من تراجع نجوميته، كان بطلاً في مسلسلات وسترن، نموذجاً للرجولة التلفزيونية المبسطة. لكن الستينيات المتأخرة لم تعد تؤمن بتلك البطولة. يريد الجمهور وجوهاً جديدة، لغة مختلفة، تمرداً على النمط.
أداء ليوناردو دي كابريو في الفيلم قائم على الهشاشة. لحظات الانهيار في الكرفان، خوفه من نسيان الحوار، بكاؤه وهو يسبّ نفسه، تكشف عن قلق وجودي، ريك يخاف من أن يصبح “شريراً” في مسلسلات الآخرين، أي أن يتحول من مركز إلى هامش. وهذا التحول هو لبّ المأساة. كان أداء الثنائي ديكابريو وبراد بيت الذي كان يساعد صديقه في أداء الأدوار الخطرة، جد متميزين، ونجح بيت من خلال فيلم “حدث ذات مرة في هوليوود” أن يخطف جائزة الأوسكار عن أدائه المبهر من يد الكبار آل باتشينو، وجو بيشي، وتوم هانكز وأنطونيو هوبكنز.
منح تارانتينو ريك لحظة خلاص داخل الفيلم في مشهد المواجهة مع الطفلة الممثلة في موقع تصوير الوسترن. هنا تتجلى قدرة السينما على منح معنى جديد لحياة متداعية حيث يصبح الأداء اعترافاً ثم خلاصاً مؤقتاً. كأن تارانتينو يقول إن الفن يمكن أن ينقذنا ولو لحظة.
كليف بوث: جسد العنف المؤجل
إذا كان ريك يمثل أفول الصورة، فإن كليف بوث يمثل بقاء الجسد. جندي سابق، رجل حركات خطرة، يعيش على الهامش في بيت متنقل مع كلبه. براد بيت يمنحه هدوءاً غامضاً، حضوراً جسدياً متماسكاً يخفي تاريخاً ملتبساً (شبهة قتل زوجته).
إن كليف ابن العنف الأميركي، لكنه عنف منضبط، احترافي، لا فوضوي. مشهد زيارته لمزرعة سباهن – مقر جماعة مانسون – هو ذروة التوتر السينمائي. تتحرك الكاميرا ببطء، يثقل الصمت الهواء، تحدق الوجوه الشابة بنظرات فارغة. هنا نلمس صدام عالمين: عالم الصناعة القديمة، بعنفه المقنن، وعالم الثقافة المضادة بعنفه العدمي.
عندما ينفجر العنف في النهاية، يكون كليف هو الأداة. عنف أسطوري، كاريكاتوري أقرب إلى كوميديا سوداء. لا يعيد تارانتينو تمثيل الجريمة بل ينتقم منها. يجعل القتلة ضحايا= ويعيد توزيع الألم.
شارون تيت: براءة مستعادة
أكثر الشخصيات إثارة للجدل في الفيلم هي شارون تيت، رأى البعض أنها مهمشة، قليلة الحضور في قلب الحوار. لكن حضورها أيقوني حيث لا يقدمها تارانتينو كشخصية درامية تقليدية بل كصورة للبراءة. مشهد دخولها إلى قاعة السينما لمشاهدة نفسها على الشاشة هو لحظة ميتاسينمائية بامتياز: ممثلة تشاهد صورتها، تضحك مع الجمهور، تتحقق من وجودها عبر ضحك الآخرين.
هنا تتجسد وظيفة السينما كأرشيف للفرح. يمنح تارانتينو شارون ما لم يمنحها التاريخ: وقتاً إضافياً، ضوءاً، موسيقى، خطوات راقصة. إنه يرفض أن تكون مجرد ضحية فيعيدها إلى الحياة عبر الصورة.
إعادة كتابة التاريخ كفعل أخلاقي
كما فعل في ” أوغاد بلا مجد” Inglourious Basterds، يمارس تارانتينو لعبة التاريخ البديل، لكنه هنا يفعل ذلك بدافع حميمي. كانت جريمة مانسون صدمة ثقافية أنهت وهم البراءة الهيبية. بقتل شارون تيت، قُتلت فكرة أن الحب والسلام يمكن أن ينتصرا على العنف.
يقلب الفيلم المعادلة: القتلة هم من يموتون والضحايا ينجون. لم يكن ذلك مجرد نزوة سردية، بقدر ما جسد فعل مقاومة للذاكرة الجريحة. تصبح السينما أداة لتضميد الماضي، لإعادة توزيع العدالة ولو تخيلياً.
اللغة السينمائية: احتفاء بالملمس والمرجعيات
بصرياً، نجد الفيلم غارقا في النوستالجيا، لكن نوستالجيا واعية بذاتها. استخدام 35 ملم، الديكورات الدقيقة، إعادة بناء لوس أنجلوس الستينيات، الموسيقى المأخوذة من إذاعات حقيقية… كلها عناصر تجعل الفيلم أقرب إلى كبسولة زمنية.
لكن خلف هذا الاحتفاء، يوجد وعي نقدي، نرى صناعة تتغير، نجومية تتآكل، أفلام وسترن تنتقل إلى إيطاليا (السباغيتي وسترن)، تلفزيون يبتلع السينما. لا يكتفي تارانتينو برثاء الماضي والتحسر عليه فحسب بل يرصد تحوله.
بوابة إلى فردوس لم يحدث
يحمل المشهد الأخير، عندما تُفتح بوابة منزل بولانسكي وتيت أمام ريك دالتون، دلالة شبه أسطورية. البوابة ليست مجرد مدخل بيت، إنها مدخل إلى عالم لم يتحقق. صوت المعلّق يقول: “وهكذا..” كأن الحكاية انتهت قبل أن تبدأ.
الرئيسية
























































