فن وفكر

الفن البصري المغربي.. حين يصبح النقد جسراً بين العمل والمتلقي


لم يعد الفن البصري المغربي مجرد مساحة للإبداع التشكيلي وعرض التجارب الفنية، بل أصبح، مع تطور ممارساته وتعدد أشكاله، مجالاً واسعاً للأسئلة المتعلقة بالإنسان والمجتمع والذاكرة والجمال. ومع هذا التحول، برزت الحاجة إلى كتابة نقدية قادرة على مواكبة العمل الفني، لا باعتباره صورة تُرى فحسب، وإنما باعتباره خطاباً بصرياً يحمل طبقات متعددة من المعنى.



وفي هذا السياق، يفتح المفكر المغربي محمد نور الدين أفاية نقاشاً حول واقع الكتابة النقدية المواكبة للفنون البصرية المغربية، متوقفاً عند تنوع أشكالها بين المعالجة الصحافية، والتوثيق، والقراءة الجمالية والتأويلية. ويشير إلى أن المشهد النقدي عرف، على امتداد العقود الماضية، بروز كتابات رصينة باللغتين العربية والفرنسية، انخرط فيها أكاديميون ومثقفون سعوا إلى قراءة المنجز التشكيلي من خلال أدوات جمالية ونقدية أكثر عمقاً.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بوجود الكتابة حول الفن، وإنما بطبيعة هذه الكتابة ووظيفتها. فليس كل حديث عن معرض أو فنان نقداً بالضرورة، كما أن الإعجاب بالعمل الفني لا يكفي لبناء قراءة نقدية تستكشف مكوناته الداخلية ودلالاته الجمالية.

 من الخبر إلى التأويل

عرفت الصحافة الثقافية، منذ بدايات الحركة التشكيلية المغربية الحديثة، دوراً مهماً في التعريف بالفنانين وأعمالهم ومواكبة المعارض. وقد شكلت هذه الكتابة إحدى القنوات الأساسية التي أتاحت للفن التشكيلي الوصول إلى جمهور أوسع.

غير أن الكتابة الصحافية، بحكم طبيعتها وسرعة إيقاعها، تظل مختلفة عن النقد الفني المتخصص. فالنقد يحتاج إلى زمن للمشاهدة والتأمل، وإلى معرفة بتاريخ الفن وأدواته ومفاهيمه، حتى يستطيع الانتقال من وصف ما تراه العين إلى مساءلة ما يقوله العمل وكيف يقوله.

وقد عرف المشهد المغربي بالفعل تنوعاً في أشكال الكتابة حول الفن، من المقالات الصحافية إلى الدراسات التاريخية، مروراً بنصوص الشعراء والأدباء الذين أقاموا جسوراً خاصة بينهم وبين التجربة التشكيلية. وقد ساهم هذا التداخل بين الفنون في إثراء طريقة استقبال الفن البصري وإنتاج لغة موازية له.

 حين يصبح العمل الفني سؤالاً

تزداد أهمية النقد كلما أصبح العمل الفني أكثر تعقيداً وتنوعاً. فالفنانون المعاصرون لا يشتغلون دائماً داخل حدود اللوحة التقليدية، بل يستثمرون الصورة والتركيب والمواد المختلفة والفضاء والأداء وغيرها من أشكال التعبير.

ولهذا، فإن قراءة الفن البصري اليوم تتطلب أكثر من البحث عن موضوع اللوحة أو تفسير رموزها المباشرة. إنها تحتاج إلى الانتباه إلى المادة والشكل والفضاء والعلاقة بين العناصر، وإلى الطريقة التي يتفاعل بها العمل مع عين المتلقي وذاكرته وخبرته.

ومن هنا تصبح مهمة الناقد أقرب إلى كشف ما يجعل العمل الفني عملاً فنياً: بنيته، وتوتراته، واختياراته الجمالية، وما يفتحه من إمكانات للتأويل.

وهو ما ينسجم مع المسار الفكري لمحمد نور الدين أفاية، الذي جعل من النقد والجماليات والصورة مجالات أساسية في مشروعه الفكري، واشتغل على العلاقة بين الإبداع والتفكير، وعلى قدرة الصورة على كشف جوانب من التجربة الإنسانية والاجتماعية.

الفن في مواجهة تحولات المجتمع

ولا يعيش الفن البصري خارج زمنه. فحتى حين يبدو العمل شديد التجريد أو بعيداً عن الأحداث اليومية، فإنه قد يحمل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أثراً من الأسئلة التي يعيشها الإنسان.

الفنانون، كما يلاحظ أفاية في مقاله، ينخرط عدد منهم في التعبير عن القلق الوجودي، واللامساواة، والعنف، والسلطة، وقضايا النوع الاجتماعي، وغيرها من التحولات التي يعرفها المجتمع والعالم. وقد لا تأتي هذه القضايا في شكل خطاب مباشر، بل تتجسد في المادة والصورة والحركة واللون والفراغ.

وهنا تبرز أهمية النقد مرة أخرى، لأنه يستطيع أن يربط بين ما نراه وما لا نراه، وبين الشكل الفني والسياق الذي أنتجه، دون أن يحول العمل إلى مجرد وثيقة اجتماعية أو سياسية.

فالفن لا يحتاج إلى أن يشرح الواقع حتى يتفاعل معه، كما أن الناقد لا يحتاج إلى اختزال العمل في رسالة واحدة. المسألة أكثر تعقيداً: كيف يتحول الواقع إلى صورة؟ وكيف تتحول الصورة إلى تجربة جمالية وفكرية؟

 بين الفنان والناقد والجمهور

في نهاية المطاف، لا يكتمل العمل الفني بمجرد إنجازه، بل يدخل في علاقة جديدة مع المتلقي. وبين الفنان والعمل والجمهور، تظهر الكتابة النقدية باعتبارها مساحة للحوار.

فالناقد لا ينبغي أن يكون مجرد وسيط يشرح العمل للجمهور، ولا أن يتحول إلى صاحب سلطة تفرض معنى نهائياً على تجربة مفتوحة. وظيفته، بالأحرى، أن يوسع مجال الرؤية، وأن يمنح المتلقي أدوات تساعده على الاقتراب من العمل واكتشاف طبقاته المختلفة.

وهذا يفرض على النقد الفني أن يظل يقظاً تجاه خطر التحول إلى كتابة ترويجية أو احتفائية، وهي مسألة يثيرها أفاية بوضوح حين يميز بين الكتابة التي تنخرط فعلياً في العمل الفني والكتابة التي تكتفي بالتغني به.

 الحاجة إلى نقد يواكب التحول

في ظل اتساع المشهد البصري المغربي وتعدد تجاربه، تبدو الحاجة اليوم أكبر إلى نقد فني يمتلك أدواته، ويتحرر من الانطباعية السريعة، ويستطيع أن يحاور الأعمال الجديدة بلغتها وأسئلتها.

فالفن المغربي لم يعد يتحرك داخل حدود جمالية واحدة، والنقد بدوره مطالب بأن يتطور معه. وبين الصحافة والتوثيق والدراسة الأكاديمية والقراءة التأويلية، تتشكل مساحة واسعة يمكن أن تتعايش فيها أشكال مختلفة من الكتابة، شريطة أن يعرف كل شكل حدوده ووظيفته.

إن الرهان الحقيقي لا يكمن في الإكثار من الكتابة عن الفن، وإنما في إنتاج كتابة تجعلنا نرى الفن بصورة أعمق.

فحين ينجح النقد في الاقتراب من العمل دون أن يصادر غموضه، وفي تفسيره دون أن يغلق أبواب تأويله، يصبح أكثر من مجرد تعليق على معرض أو فنان؛ يصبح جزءاً من الحياة الثقافية نفسها، وسجلاً لتطور الحس الجمالي، ووسيلة لفهم التحولات التي يعيشها المجتمع من خلال الصورة.

وهكذا، لا يكون النقد الفني مجرد حديث عن الفن، بل يصبح، في جوهره، طريقة أخرى للتفكير في الإنسان والعالم من خلال الفن.

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاربعاء 30 سبتمبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ





















Buy cheap website traffic