اقتصاديات

الشركات الأجنبية تساهم بـ14,7% من الإنتاج المغربي.. والسيارات في الواجهة


أصبحت الشركات التابعة لمجموعات دولية جزءًا وازنًا من الخريطة الإنتاجية بالمغرب، مع توسع حضورها في عدد من القطاعات الصناعية المرتبطة بالتصدير، وعلى رأسها صناعة السيارات والصناعات الكيميائية، في وقت تواصل فيه المملكة تعزيز اندماجها في سلاسل القيمة العالمية.



وتكشف دراسة حديثة لمنظمة العمل الدولية، صادرة في أكتوبر 2026، أن مساهمة الشركات الأجنبية في الإنتاج المغربي بلغت حوالي 14,7 في المائة، اعتمادًا على تقديرات مبنية على معطيات اقتصادية تعود إلى سنة 2019.


ويعكس هذا المستوى المكانة المتزايدة للاستثمار الأجنبي المباشر داخل النسيج الاقتصادي، ليس فقط عبر ضخ رؤوس الأموال، بل أيضًا من خلال ربط وحدات الإنتاج المحلية بشبكات تصنيع وتصدير تمتد إلى أسواق خارجية متعددة.


المغرب في موقع متوسط بين تونس ومصر


جاء المغرب في موقع وسط مقارنة باقتصادين إقليميين شملتهما الدراسة نفسها، فقد بلغت مساهمة الشركات الأجنبية في الإنتاج 20,7 في المائة في تونس، مقابل 11,1 في المائة في مصر، بينما استقرت النسبة في المغرب عند 14,7 في المائة.


وتقدم هذه المقارنة فكرة عن الوزن الذي باتت تمثله المجموعات الدولية داخل اقتصادات المنطقة، لكنها لا تكفي وحدها لتقييم أثر هذه الاستثمارات على الاقتصاد الوطني.


فالقيمة الاقتصادية للاستثمار الأجنبي لا تقاس فقط بنسبة مساهمته في الإنتاج، بل كذلك بطبيعة القطاعات التي يستثمر فيها، وحجم الوظائف التي يوفرها، ومستوى الأجور، وقدرته على نقل المعرفة والتكنولوجيا إلى المقاولات المحلية.


30 مليار دولار من الإنتاج


تشير الدراسة إلى أن القيمة الإجمالية لإنتاج الشركات الأجنبية العاملة في المغرب بلغت نحو 30 مليار دولار خلال سنة 2020.


ويعكس هذا الرقم حجم التوسع الذي راكمته المجموعات الدولية داخل المملكة خلال العقدين الأخيرين، خصوصًا في القطاعات الصناعية التي استفادت من تطوير البنيات التحتية واتفاقيات التجارة وشبكات التصدير.


كما يعكس تزايد قدرة المغرب على استقطاب استثمارات موجهة نحو الإنتاج وليس فقط نحو السوق المحلية.


فعدد من الشركات الدولية أنشأت وحداتها بالمملكة بهدف تزويد أسواق أوروبية وإفريقية ودولية، وهو ما جعل الاستثمار الأجنبي أحد مداخل اندماج الاقتصاد المغربي في سلاسل الإنتاج العابرة للحدود.


السيارات تستحوذ على حصة بارزة


تبرز صناعة السيارات باعتبارها إحدى أبرز واجهات الحضور الأجنبي في الاقتصاد المغربي.


فوفق معطيات الدراسة، تمثل أنشطة السيارات حوالي 16 في المائة من إجمالي إنتاج الشركات الأجنبية بالمملكة.


وترتفع أهمية القطاع أكثر عند الانتقال إلى جانب التصدير، إذ تتجاوز حصته 20 في المائة من صادرات هذه الشركات.


ويعكس ذلك الدور الذي أصبحت تلعبه صناعة السيارات في ربط القاعدة الصناعية المغربية بالأسواق الخارجية.


كما أن تطور القطاع لم يعد مقتصرًا على تجميع السيارات، بل بات يشمل شبكة واسعة من الموردين والمتخصصين في الأسلاك والمكونات والتجهيزات والخدمات المرتبطة بالصناعة.


القطاعات الموجهة للتصدير الأكثر استفادة


لا تقتصر مساهمة الاستثمار الأجنبي على السيارات وحدها، إذ تشير الدراسة أيضًا إلى حضور قوي للمجموعات الدولية في الصناعات الكيميائية وعدد من الأنشطة ذات الطابع التصديري.


ويرتبط هذا التوجه بكون المغرب تحول تدريجيًا إلى قاعدة إنتاجية بالنسبة لعدد من الشركات التي تبحث عن موقع قريب من الأسواق الأوروبية، مع إمكانية الوصول إلى أسواق أخرى عبر شبكات التجارة الدولية.


كما استفادت المملكة من توسع مناطق صناعية ولوجستية وتطوير الموانئ وشبكات النقل، ما ساهم في تقليص كلفة الربط بين المصانع المغربية وسلاسل التوريد الدولية.


الاستثمار الأجنبي لا يقاس فقط بحجم الإنتاج


رغم الوزن الكبير لهذه الشركات، فإن الدراسة تضع مسألة التشغيل في صلب تقييم أثر الاستثمار الأجنبي المباشر.


فالسؤال لا يتعلق فقط بالمليارات التي تنتجها الشركات الدولية أو بحجم صادراتها، وإنما أيضًا بعدد الوظائف التي تنشئها ونوعية هذه الوظائف ومدى استقرارها.


كما يدخل ضمن التقييم مستوى المهارات التي يكتسبها العمال، وفرص التكوين والتطور المهني، ومدى انتقال المعرفة التقنية من الشركات الأجنبية إلى الاقتصاد المحلي.


ومن هنا، يصبح خلق فرص الشغل مؤشرًا أساسيًا، لكنه ليس المؤشر الوحيد للحكم على الفائدة الاقتصادية طويلة المدى للاستثمار الأجنبي.


ماذا تستفيد المقاولات المغربية؟

يبرز تحدٍ آخر يتعلق بمدى استفادة المقاولات المحلية من وجود المجموعات الدولية، فكلما اعتمدت الشركات الأجنبية على موردين مغاربة لشراء المكونات والخدمات والمواد، ارتفعت القيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني.


أما في حال اعتمادها بصورة كبيرة على مكونات مستوردة وإعادة تصدير المنتجات النهائية، فإن الأثر المحلي يكون أقل، حتى لو كانت قيمة الإنتاج والصادرات مرتفعة.


ولهذا يمثل اندماج المقاولات الصغيرة والمتوسطة المغربية داخل شبكات التوريد التابعة للشركات الدولية أحد المفاتيح الأساسية لتعظيم أثر الاستثمار الأجنبي.


نقل التكنولوجيا رهان طويل الأمد


يتجاوز الأمر أيضًا العلاقة التجارية بين الشركات الأجنبية والموردين المحليين إلى مسألة نقل الخبرة والتكنولوجيا.


فوجود شركات دولية متخصصة في قطاعات صناعية متقدمة يمكن أن يسمح بتطوير مهارات اليد العاملة، ورفع معايير الجودة، وتشجيع المقاولات المحلية على اعتماد تقنيات إنتاج وإدارة أكثر تطورًا.


لكن هذه المكاسب ليست تلقائية، إذ تحتاج إلى سياسات للتكوين والبحث والابتكار، وربط أقوى بين الشركات والمراكز الجامعية ومؤسسات التكوين المهني.


وبالتالي، فإن القيمة الحقيقية للاستثمار الأجنبي تظهر عندما يتحول من مجرد وحدات إنتاجية موجهة للتصدير إلى جزء من منظومة صناعية محلية أوسع.


المغرب وسلاسل القيمة العالمية


تؤكد الدراسة أن الاستثمار الأجنبي المباشر لعب دورًا في تعزيز ارتباط المغرب بسلاسل القيمة العالمية.


ويظهر ذلك بوضوح في السيارات والصناعات الكيميائية وغيرها من الأنشطة التي تمر فيها عملية إنتاج السلعة الواحدة عبر أكثر من بلد قبل وصولها إلى المستهلك النهائي.


وتمنح هذه الشبكات الاقتصاد المغربي فرصًا لزيادة الصادرات واستقطاب التكنولوجيا والاستثمارات، لكنها تجعله في الوقت نفسه أكثر ارتباطًا بتقلبات الطلب العالمي واضطرابات سلاسل التوريد.


وهو ما ظهر خلال الأزمات الدولية الأخيرة، حين أثرت اضطرابات النقل ونقص بعض المكونات في عدد من الصناعات عالميًا.


من جذب الاستثمارات إلى تعظيم أثرها


تضع معطيات منظمة العمل الدولية النقاش حول الاستثمار الأجنبي في المغرب في مستوى يتجاوز مسألة استقطاب شركات جديدة.


فبعد سنوات من تعزيز جاذبية المملكة للمجموعات الدولية، يصبح الرهان الأكبر هو رفع القيمة التي يستفيد منها الاقتصاد الوطني من هذه الاستثمارات.


ويشمل ذلك زيادة نسبة المكونات المصنوعة محليًا، ودعم المقاولات المغربية للدخول في سلاسل التوريد، وتطوير الكفاءات، وتحسين جودة فرص الشغل، وتشجيع نقل التكنولوجيا.


وبمساهمة تصل إلى 14,7 في المائة من الإنتاج الوطني، أصبحت الشركات الأجنبية مكونًا مهمًا في الاقتصاد المغربي، غير أن نجاح هذه الدينامية على المدى الطويل سيظل مرتبطًا بقدرة المملكة على تحويل الحضور الدولي إلى قيمة مضافة محلية أكبر، ووظائف أفضل، وقاعدة صناعية أكثر استقلالية وتنافسية.


Aicha Bouskine
عائشة بوسكين صحافية خريجة المعهد العالي للإعلام والاتصال، باحثة في العلوم السياسية وصانعة محتوى في إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الجمعة 23 أكتوبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ





















Buy cheap website traffic