كتاب الرأي

المشاركة المواطنة في المغرب: الفرص والتحديات


نظمت كلية علوم التربية بجامعة محمد الخامس بالرباط ومركز تناظر للدراسات والأبحاث، بشراكة مع مؤسسة هانس زايدل الألمانية، ندوة علمية حول موضوع «المشاركة المواطنة بين النظرية والممارسة»، خلال يومي 21 و22 أكتوبر 2026.



عبدالفتاح الصادقي، ​إعلامي وباحث في القانون العام والعلوم السياسية

وتوزع برنامج هذه الندوة على خمس جلسات علمية بالإضافة إلى الجلسة الافتتاحية، جمعت أساتذة وخبراء وطلبة باحثين من عدد من الجامعات والمؤسسات المغربية، لمناقشة موضوع المشاركة المواطنة من زوايا متعددة تتقاطع فيها الأبعاد القانونية، والتربوية، والمؤسساتية، والرقمية، والمجالية، والجامعية، والتمثلات الثقافية.

ولاشك أن هذا الموضوع يحظى بالأهمية والراهنية باعتبار أن المغرب جعله ضمن أولوياته، حيث أَصَّلهُ دستوريا، وفَعَّله مؤسساتيا، وانخرط فيه تدبيريا، خصوصا بعد عام 2015 . فقد جعل دستور المملكة المشاركة مبدأً صريحًا في التدبير العام. وفتحت المسارات الجديدة للهيئات المنتخبة الباب أمام مساهمات الجمعيات في السياسات العامة، وهيئات التشاور، والعرائض، والمقترحات التشريعية، وآليات الحوار المحلية. وأعطت القوانين التنظيمية والمبادرات والبرامج، التي تلت ذلك، شكلاً مؤسساتيًّا لهذا الطموح. 

ومع ذلك، فالواقع العملي يكشف عن وجود نقائص، ذلك أن المشاركة المواطنة معترف بها ومنظمة أكثر من ذي قبل، لكن تنزيلها لا يزال بطيئا ، ونفوذها على القرارات يبقى محدودا. وبالتالي، فإن التحدي الأساسي لا يكمن فقط في إضافة آليات جديدة، بل في ضمان أن تكون هذه الآليات متاحة للجميع وشاملة للجميع وأن تؤدي إلى نتائج ملموسة يستفيد منها الجميع.

التأصيل الدستوري والقانوني للمشاركة المواطنة 
على مستوى التأصيل الدستوري للمشاركة المواطنة، يجب التذكير أن ديباجة الدستور تضع المشاركة والتعددية والحكامة الرشيدة ضمن أسس دولة القانون والمؤسسات والديمقراطية، كما ينص الفصل 12 على إشراك المجتمع المدني في إعداد وتتبع السياسات العمومية، والفصل 13 على إحداث هيئات للتشاور مع الفاعلين الاجتماعيين، وينص الفصلان 14 و15 على إقرار آليات تقديم العرائض والملتمسات التشريعية، كما ينص الفصل 139 على آليات الحوار والتشاور مع الجماعات الترابية، دون إغفال الفصل 27، الذي يعترف بالحق في الوصول إلى المعلومات العامة.
ويكتسب الجانب المتعلق بالجماعات الترابية التي تهم الجهات، والعمالات، والأقاليم، والجماعات أهمية خاصة، حيث  تعترف الفصول  135 و136 و137 و138  لهده الجماعات الترابية بالإدارة الديمقراطية لشؤونها، وتدرج مشاركة السكان ضمن مبادئ تنظيمها. ويفرض الفصل 139 على هذه المجالس إنشاء آليات للحوار والتشاور لإشراك المواطنين والجمعيات في صياغة برامج التنمية ومتابعتها، كما يتيح لهذه الأطراف تقديم عرائض، الهدف منها مطالبة المجلس المعني بإدراج نقطة تدخل في نطاق اختصاصه ضمن جدول أعماله. 

 التأصيل الإجرائي للمشاركة المواطنة 
 ويتمثل التأصيل الإجرائي والمؤسساتي للمشاركة المواطنة في سعي القوانين التنظيمية لعام 2015 المتعلقة بالجماعات الترابية إلى ترجمة المبادئ المذكورة إلى إجراءات. ويطالب القانون التنظيمي رقم 111-14، المتعلق بالجهات، على وجه الخصوص، بإنشاء آليات للتشاور وهيئات استشارية. وينص القانون التنظيمي رقم 113-14، المتعلق بالجماعات، على آليات للحوار، فضلاً عن هيئة معنية بالإنصاف وتكافؤ الفرص والنهج القائم على النوع الاجتماعي.  

وتحدد القوانين التنظيمية رقم 44-14 ( المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية) ورقم 64-14 ( المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديم الملتمسات في مجال التشريع) الإطار القانوني للملتمسات الموجهة إلى الهيئات المنتخبة والسلطات العمومية والمقترحات التشريعية الموجهة للمؤسسة المعنية. وأخيرًا، يوفر القانون رقم 31-13 المتعلق بالوصول إلى المعلومات أساسًا قانونيًا للوصول إلى الوثائق التي تحتفظ بها الإدارة والمؤسسات المعنية.

وتوفر هذه البنية الحقوقية حقوقًا حقيقية، لكنها لا تمنح المشاركين سلطة عامة في اتخاذ القرار بشكل مشترك. ويمكن أن تؤدي العريضة المقبولة إلى إدراج مسألة ما في جدول الأعمال ودراستها من قبل المجلس المعني؛ لكنها لا تلزمه باعتماد المقترح المتضمن في هذه العريضة. ويساهم المواطنون ويقدمون المقترحات ويتحاورون ويمكنهم متابعة البرامج، في حين يبقى القرار النهائي في أيدي المؤسسات المنتخبة والسلطات المختصة. وبذلك يمكن القول إن هذه المشاركة تُكمل الديمقراطية التمثيلية؛ ولكنها لا تحل محلها.

وتُظهر العتبات الوطنية الخاصة بتقيد العرائض والملتمسات أهمية التعديلات التي طرأت على الإطار. فقد خفضت تعديلات عام 2021 العدد الأدنى لأعضاء لجنة تقديم العرائض في المغرب من 9 أعضاء إلى 5 أعضاء على الأقل، وخفضت عتبة العرائض إلى أربعة آلاف  توقيع، مقابل مقابل خمسة آلاف توقيع سابقًا؛ أما بالنسبة للملتمسات التشريعية، فقد انخفضت العتبة من 25 ألف إلى 20 ألف توقيع. وقد ساهمت هذه التغييرات في تبسيط بعض الإجراءات، دون أن تزيل الصعوبات المتعلقة بالتعبئة وقبول الطلبات.  

 الإطار المؤسساتي لتدبير المشاركة المواطنة
تعتمد المشاركة المواطنة في المقام الأول على المجالس المنتخبة، التي تُعدّ المراكز الرئيسية لاتخاذ القرار على المستوى الإقليمي. كما تعتمد على الإدارات التي تُعدّ السياسات وتوفر الخبرة الفنية، فضلاً عن الهيئات الاستشارية المنصوص عليها في الدستور والقوانين الأساسية. 

فعلى المستوى الجهوي والإقليمي والمحلي، تغطي هذه الهيئات على وجه الخصوص الجوانب المتعلقة بالعدالة، وتكافؤ الفرص، والنهج القائم على النوع الاجتماعي، وشؤون الشباب، والقضايا الاقتصادية.  

أما على الصعيد الوطني، فيُشكل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي  منتدىً للاستشارة والخبرة. ويمكن أن يُحال إليه موضوع ما أو أن يبادر بنفسه بالنظر فيه، كما ينشر آراءً بشأن السياسات العامة. كما يسهم المجلس الوطني لحقوق الإنسان  ولجانه الإقليمية ولجنة الحق في الوصول إلى المعلومات وغيرها من هيئات الحكامة في تهيئة بيئة مواتية للمشاركة: فهي تعزز الوصول إلى المعلومات وحماية الحقوق وصياغة التوصيات والرقابة غير القضائية. ومع ذلك، فإن هذه المؤسسات لا تحل محل البرلمان ولا الحكومة ولا المجالس الإقليمية في قراراتها.

وقد أضافت برامج الحكومة المنفتحة بُعداً عمليا  للمشاركة المواطنة. فقد انضم المغرب إلى "شراكة الحكومة المنفتحة" (OGP) في عام 2018. وتتيح منصة eParticipation.ma متابعة الإجراءات المتعلقة بالملتمسات والمقترحات أو الشروع فيها. وعلى المستوى المحلي، دعم "برنامج دعم الجماعات الترابية المنفتحة" (PACTO)، الذي أطلقته المديرية العامة للجماعات الترابية في عام 2022، إنشاء "الشبكة المغربية للجماعات الترابية المنفتحة" (REMACTO). ، وتجمع الشبكة بين الجماعات الترابية المتطوعة، وتشكل إطارًا للتبادل والبناء المشترك ومتابعة برامج الانفتاح .وإذا كان تعدد الجهات الفاعلة يشكل فرصة، فإنه في الوقت نفسه يمثل مصدرا للتشرذم  والتجزئة، حيث يصعب التنسيق  والتواصل بين الفاعلين ومن يهمهم تقديم العرائض والملتمسات، وبالتالي يتأخر اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب. 

وفي هذا الإطار تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن السياسات والآليات المتعلقة بالشفافية العامة قد تطورت دون أن يتم دائمًا توحيدها في إطار متماسك. وتتوزع المسؤوليات بين الإدارات المركزية، والهيئات المنتخبة محليا وإقليميا وجهويا، والهيئات الاستشارية، وشركاء المجتمع المدني. وفي غياب تنسيق واضح، يصعب على المواطن معرفة المؤسسة التي يجب عليه الرجوع إليها، والآلية التي يجب عليه استخدامها، والجهة التي يجب عليه مطالبتها بتقديم تقرير عن الإجراءات المتخذة.

 مظاهر ضعف أداء المشاركة الوطنية 
على الرغم من تكريس الديمقراطية التشاركية في الدستور المغربي، ولا سيما من خلال آليات تقديم الالتماسات والمقترحات التشريعية، فإن تنفيذها لا يزال محدودا، وهي تعاني من  الضعف على أكثر من صعيد. و تبرز حصيلة  التجربة، حتى الآن، أن المظاهر الرئيسية لهذا الضعف تتمثل في محدودية اللجوء إلى الآليات المؤسساتية، وتعقيد الإجراءات، وعدم الإلمام بالآليات القانونية، وقلة الدعم المقدم للمواطنين. في هذا السياق تشير المعطيات المتوفرة إلى أن الفترة ما بين عامي 2019 و2022، سجلت تقديم 694 عريضة إلى الجماعات الترابية؛ منها 81 في المائة قدمتها جمعيات، مقابل 19 في المائة قدمها مواطنون أفراد. وفي عام 2019، اعتُبرت 49 في المائة فقط مقبولة، من أصل 212 عريضة مسجلة ، ويرجع ذلك أساسًا إلى عدم مطابقتها للمتطلبات القانونية.

ويضاف إلى هذه العقبات عدم كفاية متابعة المقترحات التي تم قبولها، وعدم اليقين بشأن آثارها الفعلية على القرارات العامة، والقدرات المالية المحدودة أحيانًا للجماعات الترابية، مع الإشارة إلى أن الصلة بين العرائض ودورة صياغة السياسات العامة لا تزال غير منظمة بشكل كافٍ. 

 وكخلاصة عامة يمكن  القول إن ضعف النتائج لا ينجم فقط عن نقص في التزام المواطنين، بل أيضًا عن عقبات إجرائية ومؤسساتية وإعلامية. لذا، فإن التحدي يكمن في تحويل الحقوق المعترف بها رسميًا إلى وسائل متاحة وشاملة وذات تأثير حقيقي على القرار العام، من أجل تعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات.

 




الجمعة 23 أكتوبر 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.













تحميل مجلة لويكاند





Buy cheap website traffic