بين السطور

الامتيازات الجبائية : 32 مليار درهم تفلت سنويًا من ميزانية الدولة


يشهد النقاش حول المالية العمومية في المغرب تكرار سؤال محوري : كيف يمكن للدولة زيادة مداخيلها دون إثقال كاهل الأسر والمقاولات بمزيد من الضرائب؟



بقلم : عدنان بنشقرون

في تقريره السنوي لسنة 2025، يسلط بنك المغرب الضوء على ملف نادرًا ما يحظى باهتمام واسع، يتعلق بـالامتيازات الجبائية، أو ما يعرف بـ"النفقات الضريبية". ويُقدَّر كلفتها بأكثر من 32 مليار درهم خلال سنة 2025، وهو مبلغ يرى البنك المركزي أنه يستوجب تقييمًا أكثر صرامة ودقة.


ويشمل هذا المصطلح التقني مجموعة من الإعفاءات الضريبية، والتخفيضات، والأسعار التفضيلية، والاقتطاعات الممنوحة لبعض القطاعات الاقتصادية أو لفئات معينة من دافعي الضرائب أو لأنشطة تعتبرها الدولة ذات أولوية. وتهدف هذه الآليات عادة إلى تشجيع الاستثمار، ودعم القطاعات الاستراتيجية، وتعزيز فرص الشغل، وتقوية جاذبية البلاد للاستثمارات.


ولا تكمن الإشكالية، بحسب التقرير، في وجود هذه الامتيازات في حد ذاتها، إذ تعتمد جميع الاقتصادات الحديثة على السياسة الجبائية كوسيلة لتوجيه السياسات العمومية. غير أن ما يثير انتباه بنك المغرب هو أن بعض هذه الامتيازات يبدو أنها تستمر لسنوات دون تقييم حقيقي لفعاليتها الاقتصادية أو مراقبة دورية لنتائجها. وبمعنى آخر، تتخلى الدولة عن مليارات الدراهم من الإيرادات المحتملة دون التأكد دائمًا من أن العائد الاقتصادي يبرر هذه الكلفة.


ويأتي هذا التنبيه في وقت تواجه فيه المالية العمومية ضغوطًا متزايدة. صحيح أن المغرب تمكن خلال سنة 2025 من تحسين توازناته المالية، بعدما انخفض عجز الميزانية إلى 3.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، بالتزامن مع تحقيق نمو ملحوظ في المداخيل الجبائية، إلا أن هذه النتائج لا تحجب حجم التحديات المقبلة، وفي مقدمتها تعميم الحماية الاجتماعية، وارتفاع كتلة الأجور، والاستثمارات الكبرى في البنية التحتية، والتكيف مع التغيرات المناخية، إضافة إلى تمويل المشاريع الوطنية الكبرى.


ويعقد بنك المغرب مقارنة لافتة بين هذه الامتيازات الجبائية وسياسة المقاصة، مذكرًا بأن الدولة خصصت حوالي 18 مليار درهم خلال سنة 2025 لدعم شامل استفادت منه بدرجة كبيرة الأسر الأكثر يسراً، قبل أن يشير إلى أن الامتيازات الجبائية تكلف أكثر من 32 مليار درهم. وفي الحالتين، يطرح التقرير السؤال نفسه: هل تُوجَّه الموارد العمومية بالشكل الأمثل؟ وهل تحقق بالفعل الأهداف المرجوة منها؟


ويكتسي هذا الملف حساسية خاصة لأنه يتعلق بتحقيق التوازن بين القدرة التنافسية للاقتصاد والعدالة الجبائية. فمن المرجح أن تكون بعض الإعفاءات قد لعبت دورًا حاسمًا في بروز قطاعات أصبحت اليوم من ركائز الاقتصاد المغربي، مثل صناعة السيارات، والطيران، والطاقات المتجددة. لذلك فإن إلغاء هذه الامتيازات بشكل مفاجئ قد يضعف الاستثمارات ويؤثر في جاذبية المملكة وسط منافسة دولية متزايدة.


في المقابل، فإن الإبقاء إلى أجل غير محدد على امتيازات أصبحت متجاوزة أو ضعيفة الجدوى يمثل تكلفة كبيرة على المالية العمومية. فكل درهم لا يدخل إلى خزينة الدولة هو درهم لا يمكن توجيهه لتمويل التعليم، والصحة، والبنيات التحتية، أو السياسات الاجتماعية. وفي ظل محدودية الهوامش المالية، تصبح جودة الإنفاق العمومي لا تقل أهمية عن حجمه.


ويتبنى بنك المغرب، في هذا السياق، موقفًا متوازنًا، إذ لا يدعو إلى إلغاء شامل للامتيازات الجبائية، وإنما يدعو إلى اعتماد مقاربة تقوم على الحكامة والتقييم. فكل امتياز ضريبي ينبغي أن يخضع لتحليل موضوعي يجيب عن أسئلة أساسية، من بينها :

كم عدد مناصب الشغل التي ساهم في إحداثها؟

ما حجم الاستثمارات التي نجح في استقطابها؟

هل لا تزال الأهداف التي أُحدث من أجلها قائمة وهل لا يزال المستفيدون منه في حاجة فعلية إليه؟


وتنسجم هذه المقاربة مع أفضل الممارسات المعتمدة في عدد من الاقتصادات المتقدمة، حيث تخضع النفقات الجبائية لمراجعات دورية. فالامتيازات التي تثبت فعاليتها يتم تمديد العمل بها، بينما تُراجع أو تُقيد أو تُلغى تلك التي تتجاوز كلفتها المنافع المنتظرة منها.


في النهاية، يتجاوز النقاش مجرد الجانب الضريبي، ليطرح سؤالًا أعمق يتعلق بكيفية تدبير المغرب لموارده العمومية في مرحلة جديدة من مسار التنمية، فبين ضرورة الحفاظ على تنافسية الاقتصاد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وصون التوازنات المالية، تبرز الامتيازات الجبائية باعتبارها إحدى أهم أدوات السياسة الاقتصادية. أما 32 مليار درهم التي تحدث عنها بنك المغرب، فلا تمثل مجرد رقم في تقرير، بل تفتح ورشًا واسعًا للتفكير في مدى نجاعة الإنفاق العمومي وقدرة الدولة على توظيف كل درهم لخدمة النمو والمصلحة العامة






الاربعاء 22 يوليو 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic