بقلم : عدنان بنشقرون
فعلى بعد أسابيع قليلة من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر، يتيح نشر برنامج الاتحاد الاشتراكي أخيرًا بدء مقارنة المشاريع بدلًا من الأشخاص أو التزكيات أو تغيير الانتماءات الحزبية.
والمفاجأة الأولى تتمثل في حجم التقارب بين البرنامجين
في تشخيص المشاكل، يبدو أن الجميع أصبح متفقًا تقريبًا
تحتل القدرة الشرائية، والطبقة الوسطى، وتشغيل الشباب، وتحسين المدرسة والمستشفى العموميين، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتقليص الفوارق المجالية، ومحاربة الفساد، والماء، والطاقة، والتصنيع، والسيادة الاقتصادية، مكانة مهمة في كلا البرنامجين.
فعلى سبيل المثال، يسعى الاتحاد الاشتراكي إلى خفض معدل البطالة إلى أقل من 8%، وإحداث 250 ألف منصب شغل صناعي، وإدماج 200 ألف شاب سنويًا، ورفع صافي دخل الأجراء بنسبة 15%، وتخصيص 30% من الصفقات العمومية للمقاولات الصغرى والمتوسطة.
كما يستهدف تقليص الفوارق المجالية بنسبة 30%، وحصر عدد التلاميذ في 30 تلميذًا كحد أقصى لكل قسم، ورفع حصة الطاقات المتجددة إلى 60% من إنتاج الكهرباء، وزيادة الحد الأدنى للمعاشات بنسبة 25%.
المنهج واضح : تحديد النتيجة المرجوة وربطها برقم محدد.
أما حزب الاستقلال، فيبني برنامجه بطريقة مختلفة، فهو لا يعلن بالقدر نفسه عن النتائج النهائية في شكل نسب لافتة، لكنه في المقابل ينزل، في كثير من مقترحاته الـ99، إلى مستوى الآليات والأدوات التي يفترض أن تقود إلى تلك النتائج.
ففي مجال القدرة الشرائية، يقترح مثلًا إحداث شركات جهوية لشراء وتخزين وتوزيع المنتجات الفلاحية والغذائية، إلى جانب آلية وطنية لتتبع هوامش الربح، وفي مجال السكن، يقترح آلية لتسهيل تمويل اقتناء السكن الأول، وتعبئة العقار العمومي، وإطلاق عرض جديد موجه إلى الطبقة الوسطى.
أما في ما يتعلق بتشغيل الشباب، فتظهر مجموعة من البرامج المسماة، من بينها برنامج التجربة المهنية الأولى، وبرنامج «آفاق»، وبرنامج «بداية»، ومبادرة «100 ألف موهبة رقمية».
الاتحاد الاشتراكي يحدد بشكل أكبر الوجهة التي يريد الوصول إليها، بينما يشرح حزب الاستقلال بشكل أكبر المسارات التي يقترح سلوكها للوصول إليها.
الفساد : التشخيص نفسه، لكن الإجابات مختلفة تمامًا
تزداد المقارنة إثارة للاهتمام عند الانتقال إلى موضوع الفساد، فالاتحاد الاشتراكي يحدد مؤشرين واضحين وقابلين للقياس : تحسين ترتيب المغرب بـ30 مرتبة في مؤشرات الحكامة، والوصول إلى المرتبة الخمسين عالميًا في مؤشر مدركات الفساد، وهو هدف سياسي مجرد، والأهم أنه لن يكون قابلًا للتحقق إلا في نهاية الولاية تقريبًا.
أما حزب الاستقلال، فيختار التركيز على الترسانة المؤسساتية : قانون لتضارب المصالح، والتصريح بالمصالح، وتعزيز التصريح بالممتلكات، ومكافحة الإثراء غير المشروع، وحماية المبلغين عن المخالفات، ورقمنة المساطر، وتقليص السلطة التقديرية للإدارة، بل يذهب أبعد من ذلك على المستوى الاقتصادي، من خلال اقتراح رفع الضريبة على الشركات إلى 40% في حالات الاحتكار.
وهنا يظهر أحد الفوارق المهمة بين البرنامجين :
الاتحاد الاشتراكي يعلن عن مستوى الأداء الذي يسعى إلى تحقيقه.
أما حزب الاستقلال فيصف بدرجة أكبر الآليات المؤسساتية التي يفترض أن تنتج ذلك الأداء.
الطبقة الوسطى: طريقان نحو الهدف نفسه
يتعهد الاتحاد الاشتراكي برفع متوسط الأجور بنسبة 20%، وزيادة صافي دخل الأجراء بنسبة 15%، وخفض الضغط الضريبي المفروض عليهم بنسبة 10%.
أما حزب الاستقلال فيتبنى مقاربة أكثر تشتتًا وتعددًا للأدوات : رفع الحد الأدنى للأجور والمعاشات بشكل تدريجي، وإحداث آلية لتتبع هوامش الربح، وتوفير سكن بأسعار ميسرة، واعتماد نظام ضريبي يراعي الأسرة، ودعم ريادة الأعمال النسائية، ووضع خطة وطنية لتعزيز الطبقة الوسطى.
وهنا تحديدًا يبدأ الاختلاف الحقيقي بين الفلسفتين في الظهور.
فالاتحاد الاشتراكي يبدو وكأنه يبني عرضه السياسي حول المواطن الاقتصادي: الأجير، والشاب، والمتقاعد، والفلاح، والمقاول، بينما يضيف حزب الاستقلال وحدة سياسية أخرى إلى هذه المعادلة : الأسرة.
فمنحة قد تصل إلى 5 آلاف درهم للشباب الراغبين في الزواج، وإجازة مرنة ومدفوعة الأجر لرعاية الأطفال، وخصم ضريبي مرتبط ببعض النفقات المدرسية، وحضانات اجتماعية، ودعم الأشخاص الذين يتولون رعاية أفراد أسرهم، فضلًا عن الصحة النفسية ومكافحة الإدمان؛ كلها عناصر تمنح السياسة الأسرية مكانة أكثر حضورًا وهيكلة في برنامج الاستقلال.
وربما يكون هذا أحد أبرز الفوارق الأيديولوجية بين العرضين السياسيين.
لكن الاختلاف الأكبر يظهر خصوصًا في مسألة السيادة
يتحدث الاتحاد الاشتراكي بدوره عن السيادة الصناعية والطاقة والمائية، لكن حزب الاستقلال يجعل السيادة أحد محاوره الخمسة، ويدفع بهذا التصور إلى مدى أبعد بكثير.
فهو يقترح بوصلة وطنية للسيادة، وتخزينًا استراتيجيًا للمنتجات الحيوية، والحد من المديونية الخارجية، وفرض محتوى محلي بنسبة 50% في المشاريع الطاقية، واعتماد معيار القيمة المنتجة في المغرب ضمن الصفقات العمومية، وإحداث منظومة صناعية للدفاع، وسلسلة وطنية للذكاء الاصطناعي، وتعزيز الأمن السيبراني، وتطوير إنتاج المواد الفعالة الصيدلانية واللقاحات والبذور، وإحداث أسطول تجاري وطني...
لم يعد الأمر يتعلق بالسياسة الاقتصادية وحدها، بل أصبح أقرب إلى عقيدة تهدف إلى تقليص أوجه الاعتماد على الخارج، وعلى هذا المستوى، يبدو حزب الاستقلال أكثر وضوحًا ومنهجية في طرحه.
لكن هناك خانة لا تزال غائبة عن الجدول : كم ستكلف كل هذه الوعود؟
يصطدم البرنامجان في نهاية المطاف بالاختبار نفسه : التمويل.
وربما يكون هذا هو الوقت الذي ينبغي أن تبدأ فيه المرحلة الثانية من هذه الحملة الانتخابية.
ليس فقط : «ماذا تعدون؟»، بل أيضا : «كم سيكلف ذلك؟ ومن سيدفع؟ ومتى ستبدأون؟ وما المؤشر الذي سيمكن المغاربة، في سنة 2031، من التحقق من أنكم أوفيتم بوعودكم؟»
هذا هو النقاش الانتخابي الذي يستحق مساحة أكبر بكثير من الحديث عن الانتقال السياسي المقبل لمرشح من حزب إلى آخر
الرئيسية















