حياتنا

الإجهاض في المغرب.. بعد أحد عشر عاماً، هل يعود النقاش إلى الواجهة؟


بعد أكثر من عقد على فتح المغرب نقاشاً وطنياً واسعاً حول مسألة الإجهاض، يعود الموضوع إلى الواجهة مجدداً، في ظل استمرار النقاش حول حدوده القانونية والطبية والاجتماعية، وما تطرحه الممارسات السرية من مخاطر، خصوصاً بالنسبة إلى النساء والفتيات الأكثر هشاشة.



وكان سنة 2015 قد شكلت محطة بارزة في هذا النقاش، بعدما أُطلقت مشاورات موسعة شارك فيها فاعلون من مجالات متعددة، قبل أن تُرفع خلاصاتها إلى الملك محمد السادس في ماي من السنة نفسها. وقد أظهرت تلك المشاورات اتجاهاً نحو الإبقاء على تجريم الإجهاض غير القانوني، مع بحث استثناء بعض الحالات ذات الطبيعة الاستثنائية.

 مشاورات 2015.. إطار مقترح لم يكتمل

في ماي 2015، خلصت المشاورات التي أشرف عليها كل من وزارة العدل والحريات ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى اقتراح استثناء حالات محددة من التجريم، من بينها الحالات التي يشكل فيها الحمل خطراً على حياة الأم أو صحتها، والحمل الناتج عن الاغتصاب أو زنا المحارم، إضافة إلى حالات التشوهات الخلقية الخطيرة أو الأمراض التي قد تصيب الجنين.

وكان الهدف آنذاك هو بلورة مقتضيات قانونية جديدة وإدراجها ضمن القانون الجنائي، مع إشراك الأطباء المختصين ومراعاة المرجعية الدينية والقيم المجتمعية المغربية. غير أن هذه الخلاصات لم تتحول، في الصيغة التي أُعلن عنها آنذاك، إلى إصلاح تشريعي شامل يضع إطاراً جديداً لهذه الحالات.

ماذا يقول القانون المغربي اليوم؟

لا يزال الإجهاض منظماً ضمن مقتضيات القانون الجنائي المغربي. وتنص المواد المتعلقة به على تجريم الإجهاض في الأصل، مع وجود أحكام خاصة بالحالات العلاجية التي يكون فيها استمرار الحمل خطراً على صحة المرأة أو حياتها، وفق شروط وإجراءات محددة. كما ينص القانون على عقوبات بالنسبة إلى المرأة التي تتعمد إجهاض نفسها أو توافق على استعمال وسائل لهذا الغرض.

وبذلك، فإن النقاش الحالي لا يتعلق فقط بمبدأ التجريم، وإنما أيضاً بحدود الاستثناءات وشروط الاستفادة منها، وبمدى قدرة الإطار القانوني على التعامل مع الحالات الطبية والاجتماعية المعقدة التي يطرحها الواقع.

 بين القانون والواقع الاجتماعي

يطرح الإجهاض السري جانباً آخر من الإشكالية، يتعلق بالصحة العامة وبمدى توفر النساء على رعاية طبية آمنة ومؤطرة.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نسبة مهمة من عمليات الإجهاض على المستوى العالمي تتم في ظروف غير آمنة، مع ما قد يترتب عن ذلك من مضاعفات صحية خطيرة. وفي الحالة المغربية، تظل الأرقام المتداولة حول حجم الإجهاض السري محل حذر، في ظل غياب إحصاءات رسمية حديثة وشاملة يمكن اعتمادها لتحديد الحجم الفعلي للظاهرة.

لكن المخاطر الصحية المرتبطة بالممارسات غير المؤطرة تجعل النقاش يتجاوز البعد القانوني البحت، ليشمل أيضاً قضايا الصحة العمومية والوقاية والتوعية والولوج إلى الرعاية الطبية.

 حالات إنسانية واجتماعية معقدة

وتتداخل مع الموضوع مجموعة من القضايا الاجتماعية الحساسة، من بينها حالات الحمل الناتج عن الاغتصاب، وحمل القاصرات، والحمل خارج إطار الزواج، فضلاً عن أوضاع النساء اللواتي يواجهن هشاشة اقتصادية أو اجتماعية.

ولهذا السبب، فإن أي نقاش حول الإصلاح القانوني لا يمكن فصله عن قضايا أخرى، مثل التربية الجنسية والصحية، والوقاية من الحمل غير المرغوب فيه، وحماية القاصرات، ودعم النساء في وضعيات اجتماعية صعبة، إضافة إلى توفير المعلومة الطبية والقانونية الموثوقة.

وقد أكد بلاغ سنة 2015 أن القانون وحده لا يكفي لمعالجة الظاهرة، مشدداً كذلك على أهمية الوقاية والتوعية ونشر المعرفة العلمية والأخلاقية المرتبطة بالموضوع.

 نقاش متعدد الأبعاد

ويبقى ملف الإجهاض في المغرب من القضايا التي تتقاطع فيها اعتبارات قانونية وطبية ودينية واجتماعية وحقوقية، وهو ما يجعل الوصول إلى صيغة تشريعية توافقية مسألة تحتاج إلى نقاش مؤسساتي ومجتمعي واسع.

وقد سبق للمجلس الوطني لحقوق الإنسان أن اعتمد في 2015 مقاربة تشاورية واسعة، شملت عشرات المنظمات والجمعيات والخبراء، إلى جانب جلسات استماع جهوية شارك فيها عدد كبير من الفاعلين.

وبعد مرور أحد عشر عاماً على تلك المحطة، يعود السؤال مجدداً حول مستقبل هذا الملف ومدى الحاجة إلى إعادة فتح النقاش بشأنه، ليس فقط من زاوية القانون، وإنما أيضاً من منظور الصحة العامة والحماية الاجتماعية والوقاية.

فبين النص القانوني والواقع الاجتماعي، يظل التحدي الأساسي هو كيفية بناء نقاش هادئ ومسؤول، يستمع إلى مختلف الأطراف، ويضع سلامة النساء وحماية الأسرة والصحة العامة والمرجعيات القانونية والمجتمعية ضمن عناصر النقاش، بعيداً عن الاختزال والاستقطاب.

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الثلاثاء 29 سبتمبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ





















Buy cheap website traffic