كتاب الرأي

31.5 مليون دولار من مكافآت مونديال 2026.. فما نصيب المغاربة؟


لم يكن وصول المنتخب المغربي إلى ربع نهائي كأس العالم 2026 مجرد إنجاز رياضي بارز، بل حمل معه أيضًا مكافأة مالية مهمة. فقد حصلت كرة القدم المغربية على أكثر من 31.5 مليون دولار من مكافآت الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، أي ما يعادل نحو 300 مليون درهم، وهو مبلغ استثنائي يعكس قيمة هذا الإنجاز



بقلم : عدنان بنشقرون

300 مليون درهم : مبلغ كبير... وصغير في الوقت نفسه


يمثل هذا المبلغ مكافأة مهمة على النتائج التي حققها المنتخب الوطني، لكنه يطرح أيضًا سؤالًا مشروعًا : بعيدًا عن اللاعبين والطاقم التقني والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والأندية، ما الحصة التي ستعود فعليًا إلى المواطنين المغاربة من هذه الثروة الرياضية؟


في البداية، ينبغي تجنب أي سوء فهم. فمكافآت الاتحاد الدولي لكرة القدم لا تُحول إلى الميزانية العامة للدولة، وبالتالي فهي ليست مخصصة لتمويل المدارس أو المستشفيات أو البرامج الاجتماعية بشكل مباشر. بل تُمنح أساسًا للجامعة الوطنية لكرة القدم، التي تتولى توزيعها وفق أنظمتها الداخلية والتزاماتها التعاقدية والآليات المعتمدة من قبل الهيئات الكروية.


وقد يُخصص جزء من هذه المكافآت لمنح اللاعبين وأعضاء الطاقم التقني، بينما يُستخدم جزء آخر لتغطية النفقات المرتبطة بالتحضير للمنافسة، والسفر، والإقامة، والخدمات اللوجستية، فضلًا عن التأطير الطبي والرياضي.


كما يمكن للأندية ومراكز التكوين التي ساهمت في إعداد اللاعبين الدوليين الاستفادة من آليات التعويض أو إعادة التوزيع. ويبدو هذا المنطق مفهومًا، لأن النتائج التي تحققها المنتخبات الوطنية هي أيضًا ثمرة سنوات من التكوين والكشف عن المواهب والاستثمار فيها.


غير أنه، بعد صرف المكافآت الفردية، وتغطية التكاليف، وتسوية التعويضات، يظل السؤال الجوهري مطروحًا : إلى أين تذهب باقي  الأموال؟

هل يستفيد المواطن من هذه المكافآت؟


على مستوى المالية العمومية المغربية، لا تمثل 300 مليون درهم مبلغًا قادرًا، بمفرده، على إحداث تحول جذري في السياسة الاجتماعية أو الرياضية للبلاد. فالقيمة، رغم أهميتها، تظل محدودة مقارنة بالميزانيات اللازمة لإنجاز مشاريع بنيوية كبرى أو إعادة تأهيل جميع ملاعب القرب على الصعيد الوطني.


لكن، في المقابل، يمكن لهذا المبلغ أن يُحدث أثرًا ملموسًا في مجال الرياضة القاعدية، إذ قد يساهم في تمويل عشرات ملاعب الأحياء، وتحديث مراكز التكوين الجهوية، وتجهيز الأندية الهاوية، وتكوين المدربين، ومواكبة آلاف الشباب المنحدرين من الأوساط الهشة.


ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي لا يكمن في ما إذا كانت 31.5 مليون دولار قادرة على حل جميع مشاكل الرياضة المغربية، بل في الكيفية التي ستُستثمر بها : هل ستُستهلك في التسيير الاعتيادي لكرة القدم الاحترافية، أم ستتحول إلى استثمار مستدام يخدم الأجيال المقبلة؟


وتزداد مشروعية هذا النقاش بالنظر إلى أن النجاحات الرياضية الوطنية لا تنفصل عن المجهود العمومي. فالملاعب، والأكاديميات، وبرامج اكتشاف المواهب، وتأمين المباريات، والبنيات التحتية التي تستفيد منها المنتخبات الوطنية، كلها تقوم، بشكل مباشر أو غير مباشر، على تمويلات عمومية.


كما يساهم المواطن بدوره في اقتصاد كرة القدم؛ فهو يقتني القمصان، ويتابع المباريات، ويملأ المدرجات، ويدفع اشتراكات البث، ويستهلك منتجات الرعاة، وهو ما يعزز القيمة التجارية للمنتخب الوطني. ومن هذا المنطلق، يبدو منطقيًا أن يُعاد توجيه جزء من العائدات الاستثنائية التي تحققها الإنجازات الدولية نحو مشاريع يستفيد منها عموم المواطنين.


إحداث "صندوق إرث مونديال 2026"


يمكن أن يتمثل أحد الحلول في تخصيص جزء واضح ومحدد من مكافآت الاتحاد الدولي لكرة القدم لإنشاء صندوق يُعنى بتطوير كرة القدم الشعبية وتشجيع الممارسة الرياضية لدى الشباب.


وقد يحمل هذا الصندوق اسم "إرث مونديال 2026"، على أن يتولى تمويل مشاريع عملية وملموسة، من قبيل إعادة تأهيل ملاعب الأحياء في المناطق الهشة، وإحداث مدارس لكرة القدم مجانية أو بأسعار مناسبة، وتوفير التجهيزات للجمعيات المحلية، وتكوين المدربين المتطوعين.


كما يمكن تخصيص اهتمام خاص لكرة القدم النسوية، والرياضة المدرسية، والمناطق القروية، والمدن الصغيرة التي تظل أقل استفادة من البنيات التحتية والأكاديميات الرياضية.


ولا يتمثل الهدف في توزيع الأموال مباشرة على المواطنين، بل في تحويل الإنجاز الرياضي إلى منفعة جماعية مستدامة. فأفضل طريقة لجعل السكان يستفيدون من مكافآت كأس العالم ليست توزيع بضعة دراهم على ملايين الأشخاص، وإنما الاستثمار في مرافق وبرامج وفرص تترك أثرًا لسنوات طويلة

 

الشفافية الكاملة ضرورة لا غنى عنها


ولتفادي أي لبس أو جدل، سيكون من المفيد أن تقوم الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بنشر حصيلة دقيقة ومفصلة لكيفية صرف المنح التي توصلت بها من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) : 


كم بلغت قيمة المكافآت التي حصل عليها اللاعبون؟ وكم خُصص لأفراد الطاقم التقني؟

وما حجم المبالغ التي غطت مصاريف الإعداد والمشاركة في البطولة؟ وكم استفادت منه الأندية؟

وما القيمة التي ستوجه إلى التكوين، والبنيات التحتية، وكرة القدم للهواة؟


لا يتعلق الأمر بالتشكيك في أحقية اللاعبين في هذه المكافآت، فالأداء الذي قدموه والانضباط الذي أظهروه والتزامهم الكامل يستحقون عنه تعويضًا ماليًا. كما أن الطاقم التقني والطبي والإداري شريك أساسي في هذا الإنجاز ويستحق بدوره نصيبًا من هذا النجاح.


غير أن الشفافية من شأنها أن تميز بوضوح بين ما يدخل في إطار مكافأة صناع الإنجاز، وما يمثل استثمارًا في مستقبل كرة القدم المغربية. كما أنها ستمنح المواطنين الثقة بأن هذه الموارد الاستثنائية لن تختفي داخل الحسابات المالية لكرة القدم دون أن تترك أثرًا ملموسًا ودائمًا.


ملايين الدولارات جنتها مجموعة تشكلت خارج المغرب


كما يسلط مشوار المنتخب المغربي الضوء على حقيقة أكثر تعقيدًا، تتمثل في أن نسبة كبيرة من اللاعبين الدوليين تلقوا تكوينهم داخل أندية أوروبية، ورغم التطور الملحوظ الذي شهدته الأكاديميات المغربية خلال السنوات الأخيرة، فإن المملكة لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على لاعبين تكونوا داخل منظومات التكوين في فرنسا وإسبانيا وهولندا وبلجيكا وبريطانيا.


ولا ينتقص هذا الواقع من قيمة الإنجاز الذي حققه المنتخب الوطني، لكنه يؤكد في المقابل أن المغرب ما زال بحاجة إلى تعزيز منظومة التكوين المحلية، ومن هنا، يمكن أن تشكل منح كأس العالم فرصة لتسريع هذا التحول، عبر إنشاء المزيد من مراكز التكوين الجهوية، وتحسين آليات اكتشاف المواهب في سن مبكرة، وتوفير ظروف تدريب تضاهي المعايير الدولية.


فاللاعب المغربي الكبير في المستقبل، لا ينبغي أن يضطر إلى مغادرة بلده في سن مبكرة حتى يحظى بتأطير رياضي عالي المستوى.


كرة القدم لا ينبغي أن تتحول إلى اقتصاد مغلق


يكمن الخطر في أن تبقى العائدات المالية لكرة القدم محصورة داخل دائرة ضيقة تضم الجامعات والوكلاء والأندية الاحترافية واللاعبين والرعاة، فكرة القدم الحديثة أصبحت صناعة تدر مليارات الدولارات، لكنها تبقى قبل كل شيء قائمة على شغف الجماهير، فعندما يفوز المنتخب الوطني، يفرح الجميع، وعندما تُرصد الاستثمارات العمومية لتطوير البنيات الرياضية، فإن المجتمع بأسره يساهم فيها.


ومن ثم، سيكون من المتناقض أن تظل المكاسب المالية حكرًا على المؤسسات أو المستفيدين المباشرين فقط، فالمواطن لا يطالب بالضرورة بالحصول على نصيب مالي مباشر، وإنما يطمح إلى نصيب يتمثل في الولوج إلى الملاعب، وتجهيزات القرب، ودعم الجمعيات الرياضية، وفتح فرص أفضل أمام أبنائه لممارسة الرياضة.


وهنا يكمن المعنى الحقيقي لإعادة توزيع ثمار النجاح.


تحويل الإنجاز الرياضي إلى سياسة رياضية


ينبغي النظر إلى بلوغ المغرب ربع نهائي كأس العالم 2026 ليس فقط باعتباره إنجازًا رياضيًا، بل أيضًا باعتباره فرصة لبناء استراتيجية طويلة الأمد، فالنتائج الاستثنائية قد تتحول سريعًا إلى مجرد ذكرى، بينما يمكن لبنية تحتية جديدة، أو أكاديمية، أو برنامج تكوين أن يواصل إنتاج ثماره لعشر سنوات أو عشرين سنة.


واليوم، يملك المغرب فرصة لإثبات أنه لا يكتفي بالاحتفاء بانتصاراته، بل يعرف أيضًا كيف يحولها إلى سياسات تنموية مستدامة، لذلك، لن يُقاس أثر مبلغ 31.5 مليون دولار فقط بحجم المكافآت التي حصل عليها اللاعبون، بل أيضًا بما سيتركه من إرث للأجيال المقبلة : 


كم شابًا سيتمكن من الولوج إلى ملعب لكرة القدم؟ كم مدربًا سيستفيد من التكوين؟

كم ناديًا هاويًا سيحصل على الدعم؟ كم فتاة ستتمكن من ممارسة كرة القدم في ظروف أفضل؟

وكم جهة ستستفيد من تجهيزات رياضية جديدة؟


من خلال الإجابة عن هذه الأسئلة، سيتمكن المواطنون من معرفة نصيبهم الحقيقي من هذا الإنجاز.


فنجاح المشاركة في كأس العالم لا يُقاس فقط بالتأهل أو بالأهداف المسجلة أو بحجم العائدات المالية، بل أيضًا بالإرث الذي يتركه وراءه لأولئك الذين ساندوا المنتخب، وأسهموا في تمويل المنظومة الرياضية، واحتفلوا بكل انتصار.


إن مبلغ 31.5 مليون دولار يمثل مكافأة مستحقة، لكن الطريقة التي سيُستثمر بها هي التي ستحدد ما إذا كان سيتحول أيضًا إلى استثمار وطني يخدم مستقبل كرة القدم المغربية



تمت الاستعانة بالذكاء الاصطناعي للمساعدة في الترجمة الأولية، فيما خضع النص للمراجعة والتدقيق والتصحيح والتحرير من طرف عائشة بوسكين لضمان الدقة وسلامة الأسلوب
 




الاثنين 20 يوليو 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic