بقلم : عدنان بنشقرون
وبطبيعة الحال، فإن الآراء الواردة هنا تلزمني وحدي.
الأرقام تبعث على الاطمئنان. فهي تمنح البرنامج مظهرا أكثر جدية، وتحول النية السياسية إلى التزام يمكن قياسه، كما تمنح المواطن، نظريا، شيئا يمكنه أن يعود إليه بعد خمس سنوات ويسأل: ماذا تحقق منه؟
في المقابل، فإن البرنامج الذي لا يتضمن أرقاما كثيرة يجد نفسه سريعا أمام تهمة الغموض: نوايا جميلة، نعم، لكن أين الإمكانات والموارد؟وبذلك تبدو المعضلة بسيطة في ظاهرها: من يقدم أرقاما يبدو أكثر جدية، ومن يتحفظ في ذلك يبدو أكثر حذرا.
لكنني أعتقد أن واقع 2026 أكثر تعقيدا بكثير من هذه المعادلة.
اختارت بعض الأحزاب أن تسند معظم التزاماتها إلى أرقام دقيقة، بينما فضلت أحزاب أخرى قدرا أكبر من التحفظ. وسيكون من السهل جدا، ومن غير المنصف فكريا، أن نستنتج أن الفئة الأولى أكثر صرامة بالضرورة، وأن الثانية أقل استعدادا.
فالتحفظ قد يكون بدوره شكلا من أشكال الصراحة. وهذا ما أريد توضيحه.
حاولنا القيام بما يفترض أن يقوم به كل برنامج
خلال هذا الصيف، حاولنا إنجاز تمرين كان سيكون أكثر صعوبة بكثير قبل بضع سنوات فقط: بناء نموذج للاقتصاد المغربي باعتباره نقطة الانطلاق للولاية الحكومية المقبلة، ربما لم يسبق للمغرب أن توفر على هذا الكم من المعطيات الاقتصادية والاجتماعية والمالية المتاحة والقابلة للاستغلال.
فالمندوبية السامية للتخطيط، وبنك المغرب، ووزارة الاقتصاد والمالية، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، إلى جانب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، تنتج اليوم كما هائلا من الإحصائيات والتوقعات والدراسات القطاعية والسلاسل التاريخية.
حتى قانون المالية لسنة 2026 نفسه يقوم على فرضيات دقيقة: نمو في حدود 4.6 في المائة، وتضخم بنسبة 2 في المائة، وعجز في الميزانية يناهز 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام. كما أن الخطوط الكبرى لمشروع قانون مالية 2027 أصبحت معروفة. وكان صندوق النقد الدولي يتوقع في الربيع نموا حقيقيا في حدود 4.4 في المائة سنة 2026، ثم حوالي 4 في المائة على المدى المتوسط، مع التشديد على المخاطر المرتبطة بالظرفية الدولية وأسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية.
أما البنك الدولي، فكان لا يزال في يوليوز يصف الاقتصاد المغربي بأنه يستفيد من دينامية قوية للاستثمار العمومي وانتعاش في القطاع الفلاحي، مع التأكيد في الوقت نفسه على تحديات الإنتاجية والتحول الرقمي.
بمعنى أننا كنا نملك المادة اللازمة، ولأول مرة، كانت لدينا أيضا أدوات شديدة القوة لمعالجتها: قدرات حسابية متقدمة، ونماذج اقتصادية قياسية، والمحاكاة، والذكاء الاصطناعي، وتحليل الحساسية، وإنتاج السيناريوهات ومقارنتها بسرعة.
بنينا مسارا متوقعا، ثم ارتكبنا ما قد يكون مجازفة، أو ربما نوعا من الحذر، عندما قررنا اختباره ومحاولة كسره.
أخضعنا المغرب لاختبار صدمات
أدخلنا في النموذج أبرز عوامل عدم اليقين القادرة على تغيير ملامح الولاية المقبلة بشكل عميق
بدأنا بالحروب، الحرب بين أوكرانيا وروسيا، والتوتر بين أوروبا وروسيا، والتوترات بين إيران والولايات المتحدة وفي الشرق الأوسط؛ فكل أزمة من هذه الأزمات قادرة على تغيير أسعار المحروقات بشكل مفاجئ، وإرباك سلاسل الإمداد، ورفع تكاليف الشحن، والتأثير في أسعار الفائدة وأسواق التصدير والتدفقات السياحية.
ثم أضفنا حالة التشظي التي يعرفها الاقتصاد العالمي، فالعولمة التي عرفناها على مدى ثلاثين سنة أصبحت أكثر ارتباطا بالسياسة، وأكثر إقليمية، وأحيانا أكثر حمائية. والقرارات الصناعية لم تعد تتحدد فقط بالتكلفة، بل أيضا بأمن الإمدادات والتحالفات والسيادة.
ثم أدخلنا العامل المناخي، فسنة فلاحية جيدة أو موسم جفاف قاس قد يغير عدة نقاط من النمو، ويؤثر في التشغيل بالعالم القروي، ويرفع الحاجيات المالية للدولة، ويغير القدرة الشرائية.
كما أضفنا التحولات التي تعرفها الأسرة المغربية، والشيخوخة، والتطور الديمغرافي، والسكن، وتشغيل الشباب والنساء.
ثم التكنولوجيا، وخاصة الذكاء الاصطناعي، لأن أحدا لا يستطيع اليوم أن يجزم بشكل جدي بما سيكون عليه تأثير الذكاء الاصطناعي، بين 2026 و2031، على قطاع ترحيل الخدمات في المغرب، ومراكز النداء، والبنوك، والتأمين، والتجارة، والإدارة، والإعلام، والصناعة، والمهن الفكرية.
والنتيجة أننا توصلنا إلى أكثر من 200 مستقبل محتمل. وليس 200 توقع، بل 200 سيناريو يمكن تصوره بشكل معقول.
حاولنا بطبيعة الحال تجميعها. استبعدنا السيناريوهات شديدة التطرف، وقربنا السيناريوهات المتشابهة من بعضها، ووضعنا فرضيات مركزية، ثم أجرينا سلسلة من الاختيارات والمفاضلات.
ومع ذلك، بقي أمامنا أكثر من خمسين مسارا بدرجة كافية من المعقولية حتى نتعامل معها بجدية، وهنا تغيرت طبيعة المشكلة المرتبطة بالبرنامج الانتخابي.
إذا كانت هناك خمسون إمكانية مختلفة للمستقبل، وكلها تظل قابلة للتصديق، فما معنى أن يعد برنامج سياسي اليوم بأن سياسة معينة ستكلف بالضبط 42 مليار درهم سنة 2029؟
هل الرقم خاطئ؟ ليس بالضرورة. فقد يكون دقيقا تماما داخل السيناريو الذي تم اختياره.
عندما يعلن حزب أنه سيخلق مليون منصب شغل، أو سيرفع تعويضا معينا، أو سيخصص مبلغ «X» من المليارات لإصلاح ما، فإن النقاش العمومي يتركز عادة على الرقم نفسه.
لكن السؤال الحقيقي يفترض أن يكون: في أي عالم تم احتساب هذا الرقم؟بأي معدل نمو؟وبأي سعر للنفط؟وبأي مستوى من التساقطات؟وبأي أسعار للفائدة؟وبأي مردودية ضريبية؟وبأي تطور ديمغرافي؟وبأي تكلفة للدين؟وبأي مستوى لنمو الاقتصاد الأوروبي؟وبأي سعر صرف؟وبأي مستوى للاستثمار الخاص؟وبأي إنتاجية؟وبأي تأثير للذكاء الاصطناعي؟
لهذا، فإن عددا كبيرا من الأرقام الانتخابية ليست في حقيقتها وعودا مطلقة، بل نتائج مشروطة يتم تقديمها في صورة يقين، وهذا لا يعني بالضرورة وجود سوء نية. فقد يكون الأمر ببساطة نتيجة للطريقة التقليدية التي اعتدنا أن نبني بها البرامج السياسية.
لكن العالم من حولنا تغير بسرعة أكبر بكثير من تغير هذه الطريقة، وهذا لا يعني إطلاقا أنه ينبغي التخلي عن الأرقام. فهذا سيكون انتقالا إلى التطرف المعاكس.
القول إن «العالم غير مؤكد، وبالتالي لا حاجة إلى أي أرقام» سيكون مريحا للغاية، لأن جميع الوعود ستصبح عندها غير قابلة للتحقق، الديمقراطية تحتاج إلى الأرقام، تحتاج إلى معرفة تكلفة كل إجراء، وتحتاج إلى معرفة الموارد المخصصة لتمويله، كما تحتاج إلى القدرة على قياس نتائج الحكومة بعد خمس سنوات، لذلك يبقى التقدير المالي ضروريا، لكن الرقم الواحد ربما لم يعد كافيا.
من البرنامج المرقم إلى البرنامج القائم على السيناريوهات
ربما يكون هذا هو التغيير الذي نحتاج إليه، فبدل أن يقول البرنامج: «سنخصص 50 مليار درهم لهذه السياسة»، يمكن لبرنامج حديث أن يقول: في السيناريو المركزي، سيكون التمويل 50 مليار درهم.
في سيناريو نمو قوي : 60 مليارا.
وفي سيناريو تباطؤ اقتصادي : 40 مليارا.
وإذا حدثت صدمة كبرى في الطاقة أو الجغرافيا السياسية، فهذه هي النفقات التي سنحميها، وهذه هي النفقات التي سنؤجلها، وهذه هي الموارد الجديدة التي سنعمل على تعبئتها.
مثل هذا الأسلوب سيغير طبيعة العقد الانتخابي بالكامل. فالمواطن لن يصوت فقط على لائحة من النفقات، بل أيضا على ترتيب واضح للأولويات، وهذا في جوهره أكثر سياسية.
لأن الحكم لا يعني فقط الإعلان عما سنفعله عندما تسير الأمور كما خططنا لها، الحكم يعني أيضا أن نعرف ما الذي سنحافظ عليه عندما لا تسير الأمور وفق الخطة.
وربما لم يعد الاختبار الحقيقي لأي برنامج هو حجم الأرقام التي يحتوي عليها، بل قدرته على التكيف.
لنتخيل برنامجين : الأول يتكون من 300 صفحة، ويتضمن 1200 إجراء وآلاف الأرقام الدقيقة للغاية، لكنه مبني على مسار اقتصادي واحد فقط.
أما الثاني فهو أقل إثارة من حيث الشكل: أهداف كبرى قليلة، وتقديرات تقريبية للميزانيات، وثلاثة سيناريوهات للاقتصاد الكلي، وقواعد واضحة للمفاضلة عند وقوع صدمة.
أي البرنامجين أكثر جدية فعلا؟
لم تعد الإجابة بالوضوح الذي كانت عليه في الماضي. والأهم أنها لا يمكن أن تحسم بمجرد عدّ الأرقام المطبوعة في كل برنامج.
ينبغي التمييز بين ثلاث فئات
في نظري، تتمثل الخطوة الديمقراطية المقبلة في التمييز بوضوح داخل البرامج بين ثلاثة أنواع من الالتزامات، أولا، هناك الالتزامات الثابتة.وهي القرارات التي يعتبرها الحزب ذات أولوية كافية حتى يحافظ عليها تقريبا مهما تغيرت الظروف الاقتصادية.
ثم هناك الأهداف المشروطة، وهي أهداف تعتمد على تحقيق مستوى معين من النمو أو الإيرادات الضريبية أو على سياق دولي محدد، وأخيرا، هناك الطموحات، وهي اتجاهات سياسية مرغوبة، لكن لا أحد يستطيع اليوم أن يضمن بدقة حجم ما يمكن تحقيقه منها بحلول سنة 2031.
هذا التمييز سيكون أكثر صدقا بكثير من تكديس أرقام يعرف الجميع أن جزءا منها سيصبح متجاوزا بعد بضعة أشهر فقط من الانتخابات.
علينا أيضا أن نقيس هامش عدم اليقين
لطالما سألنا الأحزاب: «كم سيكلف ذلك؟»ـ ربما علينا من الآن فصاعدا أن نسألها أيضا: «إلى أي حد يمكن أن تخطئ تقديراتكم؟»
الاقتصادي يتحدث عن هامش الثقة، والمهندس يتحدث عن هامش الأمان، والمستثمر المالي يتحدث عن السيناريو السلبي.
فلماذا تبقى السياسة المجال الوحيد الذي نصر فيه على تقديم مستقبل يمتد لخمس سنوات بدقة تصل إلى رقمين بعد الفاصلة؟
النضج الاقتصادي الحقيقي لا يعني القضاء على عدم اليقين، بل يعني إدخاله في عملية اتخاذ القرار.
البرنامج الانتخابي يمكن أن يتحول إلى عقد قابل للتكيف
وهنا نصل إلى فكرة تبدو لي أهم من النقاش حول الأرقام في حد ذاته، فبرنامج القرن الحادي والعشرين ربما لا ينبغي أن يُصمم باعتباره صورة ثابتة التقطت في شتنبر 2026 وتظل صالحة حتى سنة 2031.
بل ينبغي أن يصبح عقدا سياسيا قابلا للتكيف،أهداف، أولويات،مؤشرات، وسائل،لكن أيضا بنود للمراجعة.
في كل سنة، يمكن للحكومة أن تعود إلى البرلمان لتقول: هذا هو السيناريو الذي اعتمدناه، وهذا ما حدث فعليا، وهذا هو السبب الذي يجعلنا نحتاج إلى تسريع بعض الإجراءات، أو إبطائها، أو التخلي عنها، أو استبدالها.
وهذه هي مساراتنا الجديدة في الميزانية، لن يكون ذلك خيانة للبرنامج، بل سيكون تفسيرا لكيفية تكييفه مع الواقع.
فديمقراطية القرن الحادي والعشرين لن تستطيع على الأرجح أن تطلب من الحكومات التنبؤ بالمستقبل بشكل مثالي.
لكنها تستطيع أن تطلب منها تبرير تغيير مسارها.
نعم للأرقام، لا للتظاهر بمعرفة المستقبل
على بعد يومين من الانتخابات التشريعية المغربية المقررة في 23 شتنبر 2026، يبدو من الطبيعي أن تكون هناك رغبة قوية في مقارنة البرامج من خلال جمع وعودها وأرقامها. فالاقتراع محدد رسميا في هذا التاريخ، والحملة مستمرة إلى غاية 22 شتنبر.
لكن السؤال الذي أطرحه على نفسي اليوم أصبح مختلفا.
ربما يكون في تقديم الأرقام نوع من الشجاعة السياسية. لكن قد تكون هناك أيضا شجاعة في الاعتراف بعدم اليقين.
بشرط، بطبيعة الحال، ألا يتحول هذا الحذر إلى ذريعة للغموض، لذلك ينبغي لأي حزب جدي أن يكون قادرا على أن يقول في الوقت نفسه: هذا ما نريد القيام به، وهذا ما نعتقد أنه سيكلفه، وهذه هي الفرضيات التي تجعل هذا الرقم ممكنا، وهذا ما سنفعله إذا ثبت أن هذه الفرضيات لم تعد صحيحة.
ربما يكون هذا هو البرنامج المرقم الحقيقي للمستقبل، ليس لائحة من اليقينيات الوهمية، بل منظومة قرارات قادرة على الصمود أمام أكثر من مستقبل واحد.
وبعد أن قضيت جزءا من هذا الصيف في بناء نماذجنا ثم محاولة كسرها، أصبحت خلاصة رأيي بسيطة إلى حد كبير :
يمكن تقدير تكلفة سياسة ما. ويمكن حساب سيناريو ما. لكن الادعاء بأننا قادرون على تحديد السنوات الخمس المقبلة من العالم بدقة أصبح أكثر صعوبة يوما بعد يوم.
السياسي لا ينبغي أن يتخلى عن الأرقام، لكنه يحتاج إلى أن يضيف إليها شيئا ظل غائبا عنها طويلا : قدرا من التواضع
الرئيسية
















