بقلم : إدريس قريش
غير أن قراءة هذا التطور ينبغي ألا تتم بمنطق الانفعال أو برد فعل متسرع، وإنما بمنطق الدولة الواثقة من نفسها، التي تعرف ثوابتها ومصالحها، وتدرك في الوقت نفسه قيمة علاقاتها الاستراتيجية مع جيرانها وشركائها.
من الناحية السياسية يمكن القول ان قرار البرلمان الأوروبي يشكل دعما للموقف الاسباني بشأن سبتة ومليلية، لكن من المهم التمييز بين الدعم السياسي وبين الحسم القانوني الدولي لمسألة السيادة. القرار أكد ان سبتة ومليلية تعاملان أوروبيا كجزء من اسبانيا ومن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
وهنا تكمن النقطة السياسية الحساسة . فالبرلمان لم يكتف بمعالجة ملف الهجرة بل ربط القضية صراحة بالامن والسلام لعضو في الإتحاد الأوروبي واعتبر التشكيك في السيادة الاسبانية على سبتة ومليلية غير منسجم مع الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي . وهذا يمثل ، سياسيا، انحيازا واضحا الى الرواية الاسبانية ، ودعما صريحا للاحتلال والاستعمار .
والأخطر ان مثل هذا التوجه يأتي في لحظة تشهد فيها أوروبا تحولات عميقة وتراجعا ملحوظا في مركزيتها داخل النظام الدولي، بفعل تداعيات حرب أوكرانيا والتحولات الجيوسياسية نتيجة حرب ايران وازمة مضيق هرمز ، وصعود التيارات اليمينية المتطرفة داخل عدد من دولها .
صحيح أن القرار سياسي غير ملزم ولا يملك حق الحسم القانوني في السيادة. كما انه كان محل انقسام كبير داخل البرلمان الأوروبي.
في تقديري، ينبغي أن يكون ردنا واضحاً في مضمونه، هادئاً في لغته، وقوياً في أدواته الدبلوماسية. فالمغرب لا يحتاج إلى الدخول في مواجهة مع البرلمان الأوروبي، ولا إلى تحويل هذا التطور إلى أزمة مفتوحة مع الاتحاد الأوروبي، لكنه في المقابل لا ينبغي أن يسمح بأن تتحول أزمة هجرة ظرفية إلى مدخل لفرض قراءة سياسية أحادية لقضية سبتة أو إلى تكريس أمر واقع يتجاوز طبيعة الخلاف المغربي الإسباني.
وهنا تبرز ضرورة الفصل بين مستويين مختلفين: مستوى الهجرة وإدارة الحدود، ومستوى قضية سبتة باعتبارها قضية وطنية ذات أبعاد سيادية بالنسبة إلينا .
فالمغرب شريك أساسي للاتحاد الأوروبي وإسبانيا في مكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر وحماية الأرواح ومواجهة الشبكات الإجرامية. وهذا التعاون ليس جديداً، كما أنه ليس من مصلحة أي طرف إضعافه. بل إن القرار الأوروبي نفسه يدعو إلى تعزيز التعاون مع المغرب في هذا المجال.
لكن التعاون في مجال الهجرة ينبغي أن يظل تعاوناً قائماً على المسؤولية المشتركة والاحترام المتبادل، لا أن يتحول إلى أداة ضغط سياسي وابتزاز في ملفات أخرى. فالمغرب ليس مجرد فضاء عازل للهجرة أو حارس للحدود الأوروبية، وإنما شريك له مصالحه الوطنية ورؤيته ومكانته الإقليمية والدولية.
ومن هنا فإن الرسالة المغربية التي ينبغي أن تصل إلى بروكسيل ومدريد هي أن التعاون لا يعني التبعية، والشراكة لا تعني التنازل، والانفتاح لا يعني التخلي عن الثوابت.
أما قضية سبتة، فلا ينبغي اختزالها في كونها مجرد نقطة حدود بل قضية وحدة ترابية للمملكة .
ومن هنا تأتي أهمية ان ندافع عن موقفنا بالوسائل الدبلوماسية والقانونية ، لا بمنطق التصعيد . فالقضايا من هذا المستوى لا تعالج بالانفعال . فالقضايا السيادية لا تحسمها الحملات الاعلامية وإنما تحتاج الى النفس الطويل وإلى تراكم سياسي ودبلوماسي وإلى بناء موازين من الثقة والمصالح تجعل الحوار اكثر فعالية .
والاهم من ذلك ألا نسمح بأن تتحول سبتة إلى عنوان لمواجهة شاملة مع اسبانيا ، فالعلاقات المغربية الاسبانية اليوم أكبر وأعمق من أن تختزل في أزمة عابرة أو في تصريحات سياسية متشنجة . إنها علاقات تقوم تقوم على الجغرافية والتاريخ والاقتصاد والأمن والطاقة والتحارة والاستثمار ومكافحة الإرهاب والهجرة والاستقرار في غرب المتوسط .
ولهذا فإن الحوار المغربي الاسباني المباشر ينبغي أن يبقى في صدارة التحرك المغربي .
وهنا تبرز نقطة بالغة الأهمية . عدم السماح للتيارات التصعيدية بأن تفرض اجندتها على العلاقات بين البلدين ، والحد من استعمالها ورقة انتخابية باستعمال الصراخ المفرط في وجه المغرب كأن خزان الكراهية قد انفجر ليغطي العقل السياسي الاسباني . فهناك من قد يرى في أزمة سبتة فرصة لتوسيع دائرة المواجهة بينما المصلحة الاستراتيجية للبلدين تقتضي احتواء الأزمة، وتفكيك اسبابها ومنعها من التحول إلى أزمة ثقة طويلة المدى .
والمثير للاهتمام ان رئيس الحكومة الاسبانية بيدرو سانشيز نفسه برأ المغرب أمام البرلمان من تدبير وتنفيذ عملية التدفق الجماعي ، كما أشار إلى أن السلطات المغربية تعاونت في احتواء التدفقات .
وهذا المعطى مهم جدا في أي نقاش مسؤول لأنه يفرض التمييز بين المواقف السياسية والوقائع المثبتة وعدم تحويل الشبهات إلى حقائق.
كما أن ما حدث يطرح التضليل الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي. فقد أثار رئيس الحكومة الإسبانية إلى أن التفسير الخاطئ لحكم المكمة العليا دفع إلى الإعتقاد بأن الوصول سباحة إلى سبتة سيحول دون إعادتهم.
ومن هنا فإنني أرى ان الرد المغربي الأمثل على قرار البرلمان الأوروبي يجب أن يقوم على معادلة واضحة: لا تصعيد ولكن لا تنازل، لا قطيعة ولكن لا ابتزاز، لا مواجهة مع أوروبا ولكن لا قبول بقراءة أحادية للموقف المغربي.
إن المغرب لايريد ازمة مع أي طرف ، بل إن مصلحته تقتضي الحفاظ على الشراكة القائمة وتطويرها ، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يقبل بأن تتحول أزمة ظرفية إلى قاعدة دائمة او ان تستخدم الهجرة لتكريس مواقف سياسية في قضايا أخرى.
واعتقد ان الدبلوماسية الناجحة من مثل هذه الظروف ليست في رفع الصوت والصراخ وإنما في القدرة على الجمع بين الحزم والهدوء والثبات والانفتاح والدفاع عن المصالح الوطنية والحفاظ على جسور التواصل .
المغرب يريد شراكة لا تبعية ، وتعاونا لا ابتزازا ، وحوارا لا إملاءات، يريد ان يبني الجسور مع أوروبا لكنه لا يتخلى عن ثوابته، فالهدوء في الدبلوماسية ليس ضعفا وان الحوار ليس تنازلا وان الثبات على الثوابت يمكن أن يسير جنبا إلى جنب مع الانفتاح على المستقبل.
وأؤكد ان قوة المغرب لا تكمن في التصعيد وإنما في الثبات والوضوح والقدرة على إدارة الخلاف بالحكمة والعقلانية والمسؤولية، فالحوار لا يعني التنازل عن الثوابت كما ان الدفاع عن الثوابت لا يعني إغلاق أبواب الحوار
من الناحية السياسية يمكن القول ان قرار البرلمان الأوروبي يشكل دعما للموقف الاسباني بشأن سبتة ومليلية، لكن من المهم التمييز بين الدعم السياسي وبين الحسم القانوني الدولي لمسألة السيادة. القرار أكد ان سبتة ومليلية تعاملان أوروبيا كجزء من اسبانيا ومن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
وهنا تكمن النقطة السياسية الحساسة . فالبرلمان لم يكتف بمعالجة ملف الهجرة بل ربط القضية صراحة بالامن والسلام لعضو في الإتحاد الأوروبي واعتبر التشكيك في السيادة الاسبانية على سبتة ومليلية غير منسجم مع الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي . وهذا يمثل ، سياسيا، انحيازا واضحا الى الرواية الاسبانية ، ودعما صريحا للاحتلال والاستعمار .
والأخطر ان مثل هذا التوجه يأتي في لحظة تشهد فيها أوروبا تحولات عميقة وتراجعا ملحوظا في مركزيتها داخل النظام الدولي، بفعل تداعيات حرب أوكرانيا والتحولات الجيوسياسية نتيجة حرب ايران وازمة مضيق هرمز ، وصعود التيارات اليمينية المتطرفة داخل عدد من دولها .
صحيح أن القرار سياسي غير ملزم ولا يملك حق الحسم القانوني في السيادة. كما انه كان محل انقسام كبير داخل البرلمان الأوروبي.
في تقديري، ينبغي أن يكون ردنا واضحاً في مضمونه، هادئاً في لغته، وقوياً في أدواته الدبلوماسية. فالمغرب لا يحتاج إلى الدخول في مواجهة مع البرلمان الأوروبي، ولا إلى تحويل هذا التطور إلى أزمة مفتوحة مع الاتحاد الأوروبي، لكنه في المقابل لا ينبغي أن يسمح بأن تتحول أزمة هجرة ظرفية إلى مدخل لفرض قراءة سياسية أحادية لقضية سبتة أو إلى تكريس أمر واقع يتجاوز طبيعة الخلاف المغربي الإسباني.
وهنا تبرز ضرورة الفصل بين مستويين مختلفين: مستوى الهجرة وإدارة الحدود، ومستوى قضية سبتة باعتبارها قضية وطنية ذات أبعاد سيادية بالنسبة إلينا .
فالمغرب شريك أساسي للاتحاد الأوروبي وإسبانيا في مكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر وحماية الأرواح ومواجهة الشبكات الإجرامية. وهذا التعاون ليس جديداً، كما أنه ليس من مصلحة أي طرف إضعافه. بل إن القرار الأوروبي نفسه يدعو إلى تعزيز التعاون مع المغرب في هذا المجال.
لكن التعاون في مجال الهجرة ينبغي أن يظل تعاوناً قائماً على المسؤولية المشتركة والاحترام المتبادل، لا أن يتحول إلى أداة ضغط سياسي وابتزاز في ملفات أخرى. فالمغرب ليس مجرد فضاء عازل للهجرة أو حارس للحدود الأوروبية، وإنما شريك له مصالحه الوطنية ورؤيته ومكانته الإقليمية والدولية.
ومن هنا فإن الرسالة المغربية التي ينبغي أن تصل إلى بروكسيل ومدريد هي أن التعاون لا يعني التبعية، والشراكة لا تعني التنازل، والانفتاح لا يعني التخلي عن الثوابت.
أما قضية سبتة، فلا ينبغي اختزالها في كونها مجرد نقطة حدود بل قضية وحدة ترابية للمملكة .
ومن هنا تأتي أهمية ان ندافع عن موقفنا بالوسائل الدبلوماسية والقانونية ، لا بمنطق التصعيد . فالقضايا من هذا المستوى لا تعالج بالانفعال . فالقضايا السيادية لا تحسمها الحملات الاعلامية وإنما تحتاج الى النفس الطويل وإلى تراكم سياسي ودبلوماسي وإلى بناء موازين من الثقة والمصالح تجعل الحوار اكثر فعالية .
والاهم من ذلك ألا نسمح بأن تتحول سبتة إلى عنوان لمواجهة شاملة مع اسبانيا ، فالعلاقات المغربية الاسبانية اليوم أكبر وأعمق من أن تختزل في أزمة عابرة أو في تصريحات سياسية متشنجة . إنها علاقات تقوم تقوم على الجغرافية والتاريخ والاقتصاد والأمن والطاقة والتحارة والاستثمار ومكافحة الإرهاب والهجرة والاستقرار في غرب المتوسط .
ولهذا فإن الحوار المغربي الاسباني المباشر ينبغي أن يبقى في صدارة التحرك المغربي .
وهنا تبرز نقطة بالغة الأهمية . عدم السماح للتيارات التصعيدية بأن تفرض اجندتها على العلاقات بين البلدين ، والحد من استعمالها ورقة انتخابية باستعمال الصراخ المفرط في وجه المغرب كأن خزان الكراهية قد انفجر ليغطي العقل السياسي الاسباني . فهناك من قد يرى في أزمة سبتة فرصة لتوسيع دائرة المواجهة بينما المصلحة الاستراتيجية للبلدين تقتضي احتواء الأزمة، وتفكيك اسبابها ومنعها من التحول إلى أزمة ثقة طويلة المدى .
والمثير للاهتمام ان رئيس الحكومة الاسبانية بيدرو سانشيز نفسه برأ المغرب أمام البرلمان من تدبير وتنفيذ عملية التدفق الجماعي ، كما أشار إلى أن السلطات المغربية تعاونت في احتواء التدفقات .
وهذا المعطى مهم جدا في أي نقاش مسؤول لأنه يفرض التمييز بين المواقف السياسية والوقائع المثبتة وعدم تحويل الشبهات إلى حقائق.
كما أن ما حدث يطرح التضليل الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي. فقد أثار رئيس الحكومة الإسبانية إلى أن التفسير الخاطئ لحكم المكمة العليا دفع إلى الإعتقاد بأن الوصول سباحة إلى سبتة سيحول دون إعادتهم.
ومن هنا فإنني أرى ان الرد المغربي الأمثل على قرار البرلمان الأوروبي يجب أن يقوم على معادلة واضحة: لا تصعيد ولكن لا تنازل، لا قطيعة ولكن لا ابتزاز، لا مواجهة مع أوروبا ولكن لا قبول بقراءة أحادية للموقف المغربي.
إن المغرب لايريد ازمة مع أي طرف ، بل إن مصلحته تقتضي الحفاظ على الشراكة القائمة وتطويرها ، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يقبل بأن تتحول أزمة ظرفية إلى قاعدة دائمة او ان تستخدم الهجرة لتكريس مواقف سياسية في قضايا أخرى.
واعتقد ان الدبلوماسية الناجحة من مثل هذه الظروف ليست في رفع الصوت والصراخ وإنما في القدرة على الجمع بين الحزم والهدوء والثبات والانفتاح والدفاع عن المصالح الوطنية والحفاظ على جسور التواصل .
المغرب يريد شراكة لا تبعية ، وتعاونا لا ابتزازا ، وحوارا لا إملاءات، يريد ان يبني الجسور مع أوروبا لكنه لا يتخلى عن ثوابته، فالهدوء في الدبلوماسية ليس ضعفا وان الحوار ليس تنازلا وان الثبات على الثوابت يمكن أن يسير جنبا إلى جنب مع الانفتاح على المستقبل.
وأؤكد ان قوة المغرب لا تكمن في التصعيد وإنما في الثبات والوضوح والقدرة على إدارة الخلاف بالحكمة والعقلانية والمسؤولية، فالحوار لا يعني التنازل عن الثوابت كما ان الدفاع عن الثوابت لا يعني إغلاق أبواب الحوار
الرئيسية
















