عمان : د. خالد فتحي
فارق زمني صغير على ساعة العالم، لكنه كان كافياً لأن يجعلني أعيش حالة لم أجرّبها من قبل: أن أكون في عمّان بجسدي، وفي المغرب بوجداني وكامل شعوري .
دعوني أبدأ لكم من البداية:
كنت قد قدمت إلى عمّان قبل المباراة بيوم واحد للإشراف، ضمن لجنة عربية من الأطباء، على امتحانات البورد العربي في أمراض النساء والتوليد. وكانت اللجنة موسعة هذه المرة، كانت عالما عربيا مصغرا .إذ كنا نجري امتحانات لعدد كبير من الأطباء القادمين من الأردن والعراق وسوريا واليمن وفلسطين وبلدان عربية أخرى، بعد أن أدت ظروف المنطقة وما رافق الحرب بين إيران والولايات المتحدة من اضطراب في حركة السفر إلى تأخير بعض المواعيد.
لكن، وعلى هامش الامتحانات وما يرافقها من تركيز وجدية، كان للمنتخب المغربي حضور آخر في كل حواراتنا الودية. لم يكن زملائي الأطباء العرب يرونني هذه المرة إلا محاطاً بأسماء بونو، وحكيمي، والعيناوي، ووهبي، ومزراوي. حتى إني شعرت كأن المنتخب قد سافر معي، بل وإني صرت أتقاسمه معهم. كلهم يعتبرون أنه لم يعد ملكاً للمغاربة وحدهم، بل أصبح حلماً عربياً مشتركاً.
الجميع تقريبا يرى هذا المنتخب أيقونة الأمل العربي الأولى في هذه الكأس، إلى جانب المنتخب المصري الذي بدأ بداية واعدة. وبعضهم كان يذهب بعيداً في التفاؤل حتى إنه كان يجزم لي بأن المغرب قادر تكرار تجربته بقطر وانه المؤهل لاعتلاء عرش العالم. حقيقةً، بعد الأداء الكبير أمام البرازيل، بلغت توقعات أشقائنا بالمنتخب عنان السماء. الكل يردد هنا ان المستحيل ليس مغربيا .
قال لي أحد الزملاء:
«إن هذا المنتخب لم يحيِ فينا فقط معاني البطولة والثقة بالنفس والكرامة، بل أعاد إلينا الإيمان بأننا قادرون على النجاح، وأننا نستطيع تجاوز حالة العجز المزمنة التي ابتلينا بها ، و بالتالي النجاح في كل المجالات بالضبط كما نجح منتخبكم بفضل الرؤية السديدة والتخطيط وحب الوطن».
عندها أدركت أن الأمر تجاوز كرة القدم. لم يعد الحديث عن أهداف وانتصارات فقط، بل عن حاجة أمة إلى نموذج يذكرها بأنها ما تزال قادرة على الحلم وتحقيق أمانيها في الرفعة والنماء.
على مائدة الغداء، اقترب مني صديقي الليبي الدكتور إسماعيل وقال إنه يتوق إلى مرافقتي في مشاهدة المباراة، لكنه يملك قناعة طريفة: كل منتخب يشجعه تكون النتيجة في غير صالحه. قد يظن البعض أنه يمزح أو أنه وجد طريقة مهذبة للاعتذار، لكنني لم أشك لحظة في صدقه؛ فالرجل لا يخفي عشقه للمغرب، ولم يكن ليصارحني بذلك إلا لأنه يخشى على منتخب أصبح يعتبره جزءاً من فرحه الشخصي.
بعد انتهاء أعمال اللجنة في اليوم الأول، قررنا تخليد هذه الفعالية الأكاديمية الوحدوية بصورة جماعية. كنت ما أزال داخل قاعة الامتحان حين ناداني الزملاء. هرولت نحوهم، وما إن وصلت حتى علت الابتسامات والتعليقات:
«أنتم المغاربة أصبحتم جميعاً رياضيين!».
ضحكنا جميعاً، لكن العبارة جعلتني أتوقف قليلاً. لقد أصبحت صورة المغرب في مخيلة كثير من العرب مرتبطة بالنجاح والتألق والقدرة على تحقيق المعجزات . صورة مشرقة، نعم، لكنها تحملنا مسؤولية أكبر: أن نحافظ على هذا الألق، وأن نثبت أن النجاح ليس لحظة عابرة، بل ثقافة يمكن أن تمتد إلى العلم والاقتصاد والفكر والتنمية.
وأنا أتهيأ لالتقاط الصورة، اقترب مني زميل مصري وهمس ضاحكاً:
«سنعفيك من الحضور غداً، فلا بد أنك ستسهر إلى الرابعة صباحاً!».
ابتسمت، فقد نسي صديقي أن الانتصارات الحقيقية لا تستنزف الطاقة، بل تمنحها وتجددها . النجاح يولد نجاحاً آخر، والفرح الحقيقي المستحق يتحول إلى قوة تدفع الإنسان إلى مزيد من العمل.
زميلة من البحرين حدثتني عن أيام كأس العالم في قطر، حين كانت في المدرجات ترتدي القميص الأحمر وتشجع المنتخب المغربي لأنها شعرت، في تلك اللحظة، أنه يمثلها أيضاً.
أما زميلة أخرى من مسقط فقد حدثتني بشغف عن مراكش وفاس، وأرتني صوراً التقطتها في أزقتهما العتيقة، مدن ربما زارت بعض تفاصيلها أكثر مما فعلت أنا الذي عشت في فاس وما زلت أعود إلى مراكش بين الحين والآخر. قالت إنها شعرت برغبة عارمة في زيارة المغرب، وأن مصدر هذه الرغبة لم يكن السياحة وحدها، بل ذلك الشعور الذي صنعه المنتخب، والذي جعل المغرب أقرب إلى قلوب كثير من العرب.
لم يكن الأمر مجرد إعجاب بمنتخب يحقق النتائج، بل كان شيئاً أعمق من ذلك بكثير.
في كل هاته الايام التي قضيتها ، في عمّان وبعدها بالقاهرة ، وسط أطباء جاؤوا من العراق وسوريا واليمن وفلسطين وليبيا والبحرين وسلطنة عمان، شعرت أن كرة القدم فعلت ما لا تفعله المؤتمرات ولا الخطابات: لقد صنعت لغة عربية مشتركة، ولو لليلة واحدة.
كان كل واحد يرى في هذا المنتخب شيئاً من بلده، أو شيئاً مما يتمنى أن يراه في منتخب بلاده. وكأن المغرب، دون أن يقصد ويقيني انه يقصد أصبح مرآة مفتوحة لأحلام الآخرين أيضاً: في التنظيم، وفي الجرأة، وفي الثقة، وفي القدرة على تحويل الموهبة إلى مشروع.
لم يعد الأمر مجرد تشجيع، بل نوعاً من التماهي الجماعي مع فكرة النجاح نفسها.
يوميات عمّانية (2/4)
عند الغروب، سألت إن كانت القنوات التي ستنقل مباراة المغرب واسكتلندا ستكون متاحة في الواحدة ليلاً، فعلمت أن المقهى الموجود في الطابق الثالث من الفندق الذي تبث فيه المقابلات سيغلق أبوابه عند منتصف الليل. بدأت أبحث في محيط الفندق عن مقهى يواصل السهر إلى ساعة متأخرة، كأن العثور عليه أصبح جزءاً من طقوس انتظار المباراة سواء كنت في المغرب او خارجه . فعلت ذلك حتى لا أترك شيئاً للصدفة. كنت أريد أن أؤمن مقعدي أمام التلفاز.
دلوني على مقهى «أهوة فضة». وما إن دلفت إليه حتى استبشرت به. كان مقهى بهيا ، تغمره الأضواء والألوان، ويقصده جمهور يرتدي أجمل الحلل، وكأنه يستعد هو الآخر لاحتفال خاص.
يقع هذا المقهى في الطابق الأول من مركب تجاري ، ويصل إليه الزائر عبر درج ليس كغيره. على كل درجة عبارة، وكل عبارة جزء من رسالة طويلة تنبض بالتفاؤل:
«انتظر، لا تستعجل، هناك شيء يستحق الصعود. كل لحظة تقربك أكثر من إحساس مختلف .لا يشبه المعتاد. لا يشبه أي مكان. واصل الصعود نحو التميز. فالقادم أجمل مما توقعت، أهدأ مما عرفت، أفخم مما اعتدت. اللقاء ينتظرك عندنا. هذا مكانك. أهلاً بك في أهوة فضة».
توقفت عند كلمة «اللقاء». قلت في نفسي: هل تراهم يعلمون بما في نفسي .ليكن كذلك .سأعتبر هذا اللقاء هو لقاء المغرب واسكتلندا.
وتوقفت عند «التميز» و«القادم أجمل مما توقعت»، فرأيت فيهما بشارة شخصية لا تقبل إلا تأويلاً واحداً: الفوز. إذ كيف يمكن لكل هذه العلامات، ولكل هذه البشارات، أن تجتمع ثم أعود من هذا المكان بخفي حنين؟
هكذا وجدتني أؤمن بالنصر القادم قبل أن تبدأ المباراة.
عدت الى الفندق ثم خرجت منه قبل صافرة البداية بنصف ساعة. تركت النزلاء غارقين في نومهم، والأبواب موصدة، والممرات صامتة. وجدت عمّان خارجه قد بدأت تستسلم لهدوء الليل، وإن ظلت شوارعها تنبض بحركة السيارات.
انعطفت يمين الفندق، ثم دخلت شارع المدينة المنورة. كانت المحلات لا تزال مفتوحة، والناس لازالوا يمضون في بعض شؤونهم، لكنني كنت غائباً عن كل ذلك. كنت أسير بجسدي في عمّان، بينما خيالي يسبقني إلى ملعب المباراة، وإلى الرباط والدار البيضاء وفاس ومراكش، حيث كانت القلوب المغربية تستعد للموعد نفسه.
مررت بفندق ألف ليلة وليلة، ثم بمدارس عمر المختار، حتى بلغت دوار الواحة حيث انعطفت شمالاً. وهنا انتبهت إلى مفردة أردنية جميلة: «الدوار». كلمة بسيطة تختصر المكان والحركة معاً، وكأن اللغة نفسها تتشكل على مقاس المدينة. الدوار يعني في عمّان، كما في كل بلاد المشرق، مفترق الطرق. إنه لفظ مختزل، وأراه الأنسب.
كنت وحيداً في الطريق، وبدا لي المسير أطول مما هو عليه من شدة اللهفة. سألت عاملاً في محطة للوقود إن كنت أسير في الاتجاه الصحيح. نظر إليّ متفحصاً ثم سألني:
– هل أنت جزائري؟
أجبته مبتسماً:
– لا، أنا مغربي.
فانفرجت أساريره، وأكد لي أنني في الطريق الصحيح، ثم لم يلبث أن تمنى للمنتخب المغربي الفوز.
كان ذلك المشهد البسيط كافياً لأدرك مرة أخرى أن كرة القدم، حين تلامس الوجدان، تستطيع أن تصنع جسوراً بين الشعوب لا تصنعها الخطب الطويلة.
الأردنيون يحبون المغرب حباً .ولا احد يشك في ذلك ، وشائجنا قوية جداً، وأمزجتنا تتشابه، وكلانا مملكتان، والأسرتان الحاكمتان كلتاهما من آل البيت. والآن تزداد الأواصر رسوخاً بفضل نبوغ وجهاد المدربين المغاربة في الأردن. من قبل كان الحسين عموتة، والآن جمال السلامي هو من يشرف على المنتخب الأردني. قلوب المغاربة ستكون معهم . نحن نحبهم ايضا . وانا اعرفهم جيدا .انهم الأشقاء العرب الوحيدون الذين يتمنون لو كانت لهم حدود معنا .
واصلت طريقي وأنا أعقد هذه المقارنات الجميلة، فإذا بي أستعيد احاديث الأردنيين التي كنت طرفا فيها عن مباراتهم المنتظرة أمام الجزائر في هذا النزر اليسير من الوقت الذي قضيته بين ظهرانيهم . لم يكونوا ابدا مستائين ولا حتى منشغلين كثيراً بالنتيجة السابقة ضد النمسا ، بل راضين ومبتهجين، لأنهم، كما يصرحون بكل فخر، رأوا في منتخبهم شخصية وهوية كروية جديدة. وذاك هو الأهم في عيونهم.
كانوا معتزين جداً به، متمسكين بالأمل، يرددون أغاني المنتخب الرسمية في المونديال: حيوا حيوا النشامى.الاردن وفى بكلامه . شعب يحقق احلامه ،النشامي حيو . احنا احنا النشامى. همتنا مابتلين .اهل عز وشهامة. اولادك ياابو حسين وراك يامنتخبنا وين ماتمشي رايحين. ان شاء الله النصرلنا غاية ..خلي العالم يغني انا اردني ....اليوم نلعب بالقمة .واشهد ياتاريخ ...الخ .الاغنية حماسيةجدا ومعبرة لبغاية تدل على رقي شعب وعلى ان النهضة حين تتحقق تنسحب على الرياضة والفن والثقافة وكل المجالات الاخرى . حين تسستمع اليها تسري فيك قشعريرة حمية ومشاعر تفيض بقيمة الوفاء والتضحية . انظروا معي كم هي الكرة بدورها مدرسة للوطنية .
وجدت الاردنيين كذلك يرفضون أن تنال منهم أصوات التنمر التي تأتي من بعض الإعلام الجزائري. معنوياتهم مرتفعة، لا تفتّ فيها ترهات ولا تثبيطات. ويعتبرون أنهم قد حصلوا سلفاً على المبتغى بالمشاركة لأول مرة في كأس العالم. لكنهم أيضاً واثقون أنهم سينتصرون على الجزائر.
الحقيقة أن ما شدني لم يكن الصخب الذي تثيره هذه المباراة بقدر ما شدتني طريقة الأردنيين في الخوض فيها. كان في مواقفهم ميل واضح إلى تهدئة اللغة، وإلى إعادة الأمور إلى حجمها الطبيعي: إنها مباراة كرة قدم، كما قال لي طبيب أردني، لا أكثر ولا أقل، مهما حاول البعض أن يرفعها إلى مستويات من التوتر لا تشبه روح اللعبة.
لم يكن الأردنيون معنيين بالاندفاع الإعلامي إذن ولا بالمبالغات التي تُضخ أحياناً عبر منصات التواصل، حيث يصوغ البعض المباريات وكأنها معارك مصيرية. كانوا يواجهون ذلك بنوع من الابتسامة الصامتة، لكأنهم يرفضون أن تفسد مباراة الجزائر فرحتهم بتأهل منتخبهم، أو أن تُختطف كرة القدم من معناها البسيط: تنافس، وشغف، وفرح ممكن للجميع.
ومع ذلك، في مجالسهم العفوية، كان يظهر قدر من التندر الهادئ على هذا التضخيم. لقد قرروا ان يلوذوا بالتندر في مواجهة التنمر. وكأنهم يعيدون كل شيء إلى حجمه الإنساني.
كانوا يسخرون من ادعاء بعض الإعلام بأن الفريق الجزائري سيقلع عن اللعب نهائياً إذا خسر أمام الأردن، فيقولون لي: لا أحد «يقلع» عن الكرة، ولا ييحسم أحد مستقبله الرياضي كله في مباراة واحدة، فالحياة الكروية أطول وأوسع من لحظة توتر عابرة.
ثم كانوا يضيفون أن الجزائر أخطأت التصويب في ثأرها، فثأرها عند ميسي وليس عند الأردن... أسد على الأردن ونعامة أمام الأرجنتين!
كان هذا الموقف الأردني، في عمقه، انعكاساً لروح أوسع لمستها لدى الأردنيين: ثقة هادئة بالذات، واعتداد بالمنتخب دون الوقوع في فخ المبالغة أو التشنج، وإيمان بأن كرة القدم، مهما اشتدت، تبقى في النهاية مساحة للعب والاحتمال، لا ساحة للقطيعة أو التصعيد.
يوميات عمّانية (3/4)
واصلت السير وأنا أتأمل في كل هذه المصادفات. قبل أيام قليلة كان العالم الإسلامي يحتفل بذكرى الهجرة النبوية، وها أنا أمشي في شارع يحمل اسم المدينة المنورة، و أطلب منتخبنا يضم أبناء الجيل الثالث من الهجرة المغربية في أوروبا، شباباً حملوا أسماء مغربية واحتفظوا بخيط متين يربطهم بوطن الآباء والأجداد.
وفوق هذا وذاك، العبارات المضيئة على درج المقهى تعدني بإنجاز جميل. إنها كل إشارات السعد قد اجتمعت. فآمنت بكسب المباراة قبل أن يحل الفوز على قدم إسماعيل وعرق رفاقه.
عندما وصلت إلى «أهوة فضة»، لم يكد صاحب المقهى يسمع لهجتي ويرى ملامحي حتى اكتشف أنني مغربي، فأصر، بكرم أردني أصيل، على أن أكون ضيفه.
ابتسمت في داخلي وقلت: ما أعجب بركات هذا المنتخب! لقد سبقتني محبته إلى عمّان.
جلست أنتظر صافرة البداية، لا كمن ينتظر تسعين دقيقة من كرة القدم، بل كمن ينتظر فصلاً جديداً من حكاية أصبحت أكبر من الرياضة نفسها.
لقد تحول هذا المنتخب إلى رمز لما يمكن أن تصنعه الإرادة، وما يمكن أن يحققه علو الهمة وحب الوطن.
ومع صافرة البداية، لم أحتج إلى وقت طويل حتى تتوجه إ الأنظار إلي منذ اللحظة الأولى. كنت ممثلاً للمغرب في ذلك الحيز الصغير من العالم.
دقيقة واحدة فقط كانت كافية ليعلن صيباري عن نفسه بهدف مبكر. بدا وكأنه يختصر كل ما سيأتي بعده. لم يكن هدفاً عادياً، بل كان إعلاناً بأن أشبال وهبي يدخلون المباريات كباراً، لا يتهيبون فريقاً. يسبقهم صيتهم، فيلعبون بلا تردد، وبإيقاع خاص بهم يفرضونه على الفريق المنافس.
في تلك اللحظة، شعرت وأنا في عمّان أن شيئاً ما يقع يتجاوز حدود المباراة. كان في المقهى الأردني تماهٍ عجيب مع هذا المنتخب. الأردنيون الذين كانوا بجانبي كانوا يتابعون المنتخب المغربي كحالة قريبة منهم، كأنه همّهم الشخصي. كانوا كمن يعيدون اكتشاف أنفسهم في مرآته. كانوا يفرحون لكل افتكاك، ولكل تمريرة، ولكل ضغط على حامل الكرة من الاسكتلنديين.
على أرض الملعب، كان اللاعبون ينافحون عن كل كرة كما لو أنها الأخيرة. سرقة الكرة من الخصم لم تكن مجرد مجهود بدني، بل فعل إرادة. ضغط، وافتكاك، وعودة سريعة، وبناء للهجمة من الخلف... كل تلك الحركات كان يطرب لها الأردنيون.
قال أحد رواد المقهى:
«إنهم سحرة».
إنهم لا يلعبون فقط بأقدامهم، بل بأعصابهم ووعيهم الكامل بالمباراة.
أما أنا فشعرت وكأنهم كتبوا المباراة ذهنياً قبل أن تُلعب فعلاً، وكأن كل حركة محسوبة في مكان ما قبل أن تُنفذ على أرض الواقع.
صحيح أن الحظ لم يكن دائماً في صفهم، فقد ضاعت فرص محققة كانت كفيلة بحسم اللقاء مبكراً، لكن ذلك لم ينقص من تألقهم. كانوا أصحاب سيطرة معنوية وفنية واضحة. كان المغرب يلعب وهو يعرف ما يريد، حتى عندما لا يُترجم ذلك إلى أهداف إضافية.
انتبهت من سكرة الفرح فإذا بي أسمع اسم المغرب يتردد على ألسنة من حولي في عمّان وكأنه أصبح أكثر من منتخب.
في المقهى، كان الأردنيون ينادون اللاعبين بأسمائهم الأولى، وكأنهم يعرفونهم شخصياً:
ياسين... أشرف... إسماعيل... نائل...
لم تكن متابعة باردة، بل مشاركة وجدانية حقيقية، جعلتني أرى كيف يمكن لكرة القدم أن تلحم الشعوب الشقيقة بعضها ببعض.
كان هناك حماس خاص حين يمسك نائل العيناوي بالكرة أو يفتكها بوعدي، وثقة تسري في الجمهور حين يرون العملاق اللاعب الخارق الحاج مزراوي يلعب باعتداد من يعرف مكانته جيداً.
تفاصيل صغيرة ألفيت الأردنيين يلاحظونها بالضبط كما يلاحظها المغاربة. هذا المنتخب لم يعد مجرد أسماء فوق العشب، بل صورة كاملة لهوية كروية بدأت تُقرأ عالمياً.
ومع كل هجمة، كان اسم المغرب يسطع أكثر، لا كفريق فحسب، بل كقصة تُروى وكسردية ..
خرجت من أهوة فضة مع انتهاء المباراة قافلا الى الفندق ، كانت الثالثة صباحا والجو بارد ،ولكني لم اكن أشعر بالطريق. .هي نفسها تلك التي قطعتها قبل ساعات بغير قليل من القلق واللهفة. المسافة ذاتها، لكن قدميَّ هذه المرة لم تكونا تمسان الأرض إلا قليلاً. كنت أمشي سريعاً كأن للنصر جناحين يحملاني، وكأن شوارع عمّان التي عبرتها وحيداً في طريق الذهاب قررت أن تطوي نفسها طيا وترافقني في طريق العودة.
السنا الابطال .والابطال تتذلل امامهم العقبات
كانت الساعة تمضي نحو عمق الليل، و كانت المدينة تزداد هدوءاً، والسيارات أقل عدداً، والأضواء أكثر حميمية. كنت وحيداً في الشارع، لكني لم أشعر بالوحدة أبداً. كان معي اصوات رواد المقهى وهم ينادون: ياسين، أشرف، إسماعيل، نائل، وكان معي ذلك التصفيق العربي الصادق الذي سمعته من الأردنيين قبل المغاربة. كنت أعود مزهواً لا بانتصار في مباراة فحسب، بل بإحساس عميق بأن بلداً كاملاً قد لمع اسمه في تلك الليلة على شاشات العالم، وأن راية المغرب ارتفعت عاليا في سماء القلوب قبل أن ترتفع في جداول النتائج.
مررت بالأماكن نفسها: دوار الواحة، شارع المدينة المنورة، واجهات المحلات التي بدأت تغفو شيئاً فشيئاً، لكن كل شيء كان يبدو مختلفاً. في الذهاب كنت أبحث عن المقهى، أما في العودة فقد كنت أبحث عن لحظة أحفظها في ذاكرتي. لحظة مشيت فيها وحيداً في شوارع عمّان، لكن خلفي كان وطن كامل يحتفل.
وفي تلك اللحظات، وأنا أخطو وحيداً ومعي خيالاتي في شوارع عمّان الهادئة، كان جزء مني قد غادر الأردن وطار إلى المغرب. تمنيت لو أن لي قدرة على اختصار المسافات، وأن أجد نفسي فجأة في قلب الرباط، عند محطة القطار، وسط أمواج الجماهير المغربية وهي تغني وتهتف وتلوح بالأعلام الحمراء التي ولاشك انها قد غطت الساحات والشوارع.
تمنيت لو أكون هناك بين الوجوه المضيئة بالفرح، أردد معهم الأهازيج التي لا تحتاج إلى معرفة سابقة ولا إلى تقديم. ففي مثل هذه الليالي يسقط الحاجز بين الناس، ويتمثل المغربي كيف أنه أخ لكل مغربي، وتصبح المدن المغربية كلها بيتاً واحداً.
لكنني سرعان ما أدركت أن للفرح أشكالاً أخرى. فقد كنت في عمّان، بين إخوة لن يكونوا أقل سعادة مني. المسافة بين الرباط وعمّان لم تعد تقاس لدي بالكيلومترات، بل بمقدار المحبة التي تستطيع كرة القدم أن تزرعها بين القلوب.
وبهذا المعيار اصبحت اتمثل عمان كما لو أنها الرباط .
وهكذا قبل أن أصل إلى باب الفندق، شعرت أنني عشت احتفالين في ليلة واحدة: احتفالاً لم أره في شوارع الرباط، واحتفالاً عشته فعلاً في قلب عمّان في مقهى من مقاهيها ..
فجأة لم أستطع أن أمنع نفسي من سؤال راودني بإلحاح: ترى هل يعيد التاريخ نفسه؟ هل نعيش بعد أيام أو أسابيع تلك اللحظة الاستثنائية ذاتها، فنخرج إلى شوارع الرباط وسائر مدن المغرب لنستقبل أبناءنا الأبطال استقبال الفاتحين، كما فعلنا من قبل مع منتخب الشباب الذي أعاد إلينا نشوة التتويج وجمال الحلم؟
هل نرى المدرب وهبي يعتلي منصة التتويج حاملاً كأساً عالمية جديدة تضاف إلى سجل كرة القدم المغربية، ويعود اللاعبون الذين سهرت معهم من عمّان إلى أقصى بقاع العالم، ليجدوا شعباً كاملاً في انتظارهم؟
لا أحد يملك جواباً. فالساحرة المستديرة لا تعترف بالوعود، وقد تمنحك في يوم ما تبخل به في يوم آخر. لكن ما أنا متأكد منه أن هذا الجيل قد ربح شيئاً لا تستطيع أي كأس أن تمنحه أو تنزعه: لقد ربح محبة شعبه، واحترام العالم، وجعل اسم المغرب يتردد في الملاعب والبيوت من الشرق إلى الغرب. وإذا كان الكأس حلماً ننتظره، فإن الحلم نفسه أصبح ممكناً، وذلك ربما أعظم انتصار حققه هذا الجيل.
في تلك الليلة العمانية التي ستبقى محفورة في ذاكرتي و في اليوين الذين سيعقبانها ، تبينت كيف أن أثر هذا المنتخب يتجاوز الملعب: صورة بلد تُشاهد، وتُحترم، وتُعاد قراءتها من جديد، و معنى أن ما يحدث على المستطيل الأخضر ينعكس بهدوء على شيء أكبر: قوة ناعمة تتشكل، وسردية بلد يربح تعاطف الآخرين قبل نتائج المباريات.
قد لا يسمح فارق التوقيت بين المدن، من بوسطن إلى عمّان، بأن تتحول هذه المباريات دائماً إلى احتفالات في الشوارع والساحات، لكن ما لمسته في الأردن كان أبلغ من كل مظاهر الاحتفال.
وجدته في كلمات الأطباء العرب، وفي دعاء عامل محطة الوقود، وفي حماس زميلة بحرينية ارتدت القميص الأحمر في قطر، وفي شوق زميلة عُمانية إلى العودة إلى المغرب ما استطاعت اليه سبيلا .
في تلك الليلة، لم أكن وحيداً في «أهوة فضة». كان معي شيء من الرباط، وشيء من فاس ومراكش، وشيء من قلوب عربية كثيرة رأت في هذا المنتخب صورتها الممكنة وحلمها المؤجل.
يوميات عمّانية (4/4)
لكن و في صباح يوم الأحد، وبينما كانت أصداء ليلة المغرب واسكتلندا ما تزال تتردد في آذاننا جميعاً، استفقنا على وقع صدمة جديدة.غالبا مانتجاذب الحديث في طريقنا للنستشفى عن اخبار المنتخبات العربية .
تونس، ذلك المنتخب العربي العريق، الذي كان يطمح إلى تدارك بدايته الكارثية بعد الهزيمة الثقيلة أمام السويد بخمسة أهداف مقابل هدف واحد، لم ينجح امام اليابان، رغم الاستعانة بالمدرب الفرنسي الكبير هيرفي رونار ، الداهية الذي لربما قد صار عربيا من كثرة اشرافه على منتخبات وفرق عربية و الذي جيء به على عجل لإنقاذ الموقف، بل تلقى هزيمة أخرى قاسية بأربعة أهداف مقابل هدف واحد.
وكأن كرة القدم أرادت أن تقدم درساً قاسياً للتونسيين : لا أسماء المدربين الكبيرة تكفي وحدها، ولا القرارات المتسرعة قادرة على تغيير واقع تشكل عبر سنوات.
أسفنا لخسارة تونس لكننا سؤالا ممضا تردد بيننا : ترى ماذا تراها ستفعل تونس أمام هولندا؟.لاشك ان التونسيون لن ينتظروا انجازا من هذا المنتخب .لاشك انهم غاضبون .وان مسؤولي الكرة سيقدمون الحساب في ربيع رياضي قادم اليهم من أمريكا
----'
تونس هذه نكأت جرح قطر، التي عشنا معها بدورها ليلة من أصعب ليالي تاريخها الكروي.ليلة وصولي الى عمان ، الثامن عشر من يونيو 2026، في فانكوفر الكندية، سقط المنتخب القطري أمام أصحاب الأرض بسداسية ، في مباراة لم تكن مجرد خسارة ثقيلة، بل انهياراً كاملاً لفريق وجد نفسه عاجزاً أمام إيقاع كندي سريع وحماس جماهير تحتفل بأول انتصار في تاريخ كندا في كأس العالم. تألق جوناثان ديفيد بثلاثية، وسجل سايل لارين وناثان ساليبا، بينما اكتملت المأساة بهدف عكسي، وانتهت قطر بتسعة لاعبين بعد طردين زادا المشهد قتامة.
ندمت اني سعيت في الصباح لمشاهدة ملخص المباراة على اليوتيوب .كان استيائي كبيرالأن قطر ليست منتخباً عادياً في القارة الآسيوية؛ فهي بطلة آسيا مرتين ومتوجة بإمكانات وبنيات تحتية استثنائية، وقد استثمرت لعقود لتصبح رقماً في كرة القدم العالمية. لكن تلك الليلة في فانكوفر أعادت تذكير الجميع بالحقيقة نفسها التي سوف نستخلصها فيما بعد من هزائم تونس والسعودية: المال وحده لا يصنع منتخباً، والأسماء الكبيرة لا تختصر الزمن، والمنشآت مهما بلغت عظمتها لا تعوض تراكم الثقافة الكروية والتكوين اليومي وصناعة الأجيال.
ولذلك، كلما ازددت تأملاً في ما يفعله المغرب اليوم، ازددت اقتناعاً بأن الفرق الحقيقي ليس في مباراة تُربح هنا أو تُخسر هناك، بل في طريق طويل من العمل الصامت، يبدأ من مراكز التكوين، ومن اكتشاف الطفل الموهوب، ومن الإيمان بأن المعجزة الوحيدة في كرة القدم هي سنوات من الجهد لا يراها أحد.
في مساء الاحد ، جاءت صدمة أخرى مع مقابلة السعودية أمام إسبانيا، علمنا بالخبر من نادل المطعم على مائدة العشاء لتكتمل صورة يوم كروي عربي حزين، بعد ليلة بهيجة كنا نعيش فيها نشوة الانتصار المغربي. كنا نتناول طعامنا ،وننتشي بحلوى لذيذة جدا اسمها زلابية لم اذق مثلها في حياتي جلبها معه من الضفة الغربية زميل من الضفة الغربية بفلسطين واهداها لنا على العشاء .
استغرقنا في ذكر شمائل هذه الحلوى. كنا جمعا من خمسة انفار .هم من لازالوا بالفندق نتوزع على اربع دول المغرب واليمن وليبيا وفلسطين، كأنها انقذتنا من تلك الخيبة المريرة.و كأننا لانريد ان نرى او نحلل تلك المتوالية من الهزائم العربية وكل ذاك الاخفاق الكروي العربي. ثم لم نلبث ان انتبهنا على شاشة الهاتف لسجدة يامين جمال .كانت صورة خاطفة،لكني قلت لأصدقائي انها ستثير جدلا بأسبانيا واوروبا كاملة.
.لم تكن صورة حركة عفوية للاعب بعد لحظة انفعال،بل صورة تختزل اشياء كثيرة : شاب ولد بعيدا عن ارض تجداده،وبلغ اعلى مستويات كرة القدم العالمية،لكنه رغم امتناعه عن الالتحاق بالمنتخب المغربي لم ينس ما يحمله في وجدانه العميق من قيم وهوية في زمن اصبحت فيه كرة القدم صناعة عالمية ضخمة. قلت في نفسي ان مثل هذه اللحظات الانسانية تذكرنا بأن وراء القمصان والأرقام والنجومية قلوبا تخفق،وذكريات عائلية،وثقافات تنتقل من جيل لآخر.ولربما لعذا السبب بالذات ،لايكتفي الناس بالإعجاب باللاعب الكبير،بل يحبون الانسان الذي يظعر وراء اللاعب .اعتقد انها سجدة تعبرعن الشكر والايمان والارتباط بجذور ثقافية ودينية.لربما قرأها البعض من زوايا اخرى .غير ان اللافت ان سجدة لثوان ستثير كل هذاالحديث .مثل هذه الصور هي التي تمنح كرة القدم روحها وتحولها ايضا الى نوع من الادب يمكن ان نطلق عليه اسم الادب الرياضي .
لكن أكثر ما كان يثير التأمل في هذه الأيام الاربعة التي قضيتها بعمان ، لم يكن فقط اختلاف النتائج بين منتخب عربي وآخر، بل اختلاف المسارات والرؤى. فقد عشنا في أيام قليلة مشهداً كروياً عربياً متناقضاً: منتخبات عريقة تعثرت، بعضها خسر بخماسية ورباعية، وبعضها سقط في اختبار كان ينتظر منه الكثير، بينما كان المغرب يشق طريقه بثبات وثقة في أعلى مستويات كرة القدم العالمية.ليس الأمر شماتة في أحد، فكل هزيمة عربية تؤلمنا جميعاً، انها لحظة صراحة ضرورية مع أنفسنا.
لقد أظهر المغرب أن الوصول إلى القمة لم يعد حلماً مستحيلاً لشعوبنا، لكنه أيضاً ليس هدية تأتي من السماء. فبين انتظار المعجزة وبناء المشروع مسافة شاسعة. لا يمكن لكرة القدم الحديثة أن تُدار بالعواطف وحدها، ولا أن تُعالج أزماتها بالتمني ،فقد قال الشاعر وغنت ام كلثوم : ومانيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا .وهي ايضا لبست بتغيير مدرب أو استدعاء نجم في آخر لحظة. هناك عمل طويل يبدأ من الطفل الذي يركل الكرة في مدرسة صغيرة، ويمر عبر مراكز التكوين، والعلم، والإدارة، والاحتراف، إلى أن يصل اللاعب إلى أكبر ملاعب العالم.
وربما كان هذا هو أعظم انتصار حققه المغرب قبل أي كأس محتملة: أنه غيّر سقف أحلام العرب والأفارقة. لم يعد السؤال: هل يمكن لمنتخب عربي أو إفريقي أن ينافس الكبار؟ بل أصبح السؤال: كيف نبني النموذج الذي يجعل ذلك ممكناً؟ لقد جعل المغرب اسمه يتردد في العالم لا كضيف شرف في حفلة الكبار، بل كواحد من المدعوين إلى الطاولة نفسها، يفرض احترامه بأدائه، وتنظيمه، وثقته في نفسه.
إن الفرق واضح لنا الان بين منتخبات تبني نفسها داخل منظومات كروية راسخة، وبين من يحاول أن يختصر الطريق في لحظة استعجال وارتجال.
كرة القدم الحديثة لا تعترف بعصا موسى. لا يمكن أن نستدعي مدرباً كبيراً في آخر لحظة، أو نعتمد على ظهور موهبة خارقة، ثم ننتظر أن تتحول الهزائم إلى انتصارات بين عشية وضحاها.
حتى ليونيل ميسى ورولاندو كريستيانو ، وحتى بوعدي الصاعد وأشرف حكيمي ولامين جمال وغيرهم من النجوم، لم يكونوا معجزات نزلت من السماء، بل كانوا ثمرة مدارس تكوين، ومؤسسات رياضية، ورؤية بعيدة المدى تعرف كيف تكتشف الموهبة وتصقلها وتضعها داخل مشروع جماعي.
ولعل هذا هو سر ما يثير الإعجاب في التجربة المغربية. فالأمر لم يكن ضربة حظ ولا لحظة إلهام عابرة، بل ثمرة سنوات من الاستثمار في التكوين والبنيات التحتية والاحتراف.
لذلك، حين يلمع اسم المغرب اليوم في ملاعب العالم، فليس لأن جيلاً موهوباً ظهر بالمصادفة، بل لأن وراء ذلك جيلاً من العمل الصامت الذي سبق لحظة التصفيق.
وهنا بدا لي أن ما عشناه في عمّان لم يكن مجرد سهرة كروية ناجحة أو مباراة فاز فيها منتخب على آخر. لقد كان درساً آخر في معنى النجاح نفسه. فالانتصارات الكبرى لا تُصنع في المدرجات، ولا تولد فجأة ليلة المباراة، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة في مراكز التكوين، وفي المدارس، وفي حسن التدبير، وفي وضوح الرؤية.
هكذا اكتشفت أن الرحلات لا تُقاس بعدد الكيلومترات التي نقطعها، بل بعدد المعاني التي نعثر عليها في الطريق.
وكانت رحلتي القصيرة إلى عمّان رحلة إلى مدينة كريمة، وإلى إخوة يفرحون لفرحنا، وإلى يقين جديد بأن أجمل الانتصارات هي تلك التي لا تبقى ملكاً لأصحابها، بل تتحول إلى فرح مشترك يتقاسمه الجميع.
كتبت هذه الخاتمة ليلة الاحد ،وخلدت الى النوم بعد ان ودعت الاصدقاء ،فانا مقلع نحو المغرب صباح يوم الاثين عبر القاهرة ،نمت وفي قلبي شيء من عدم امكانية متابعتي للمباراة التي ستجريها مصر ضد نيوزلندا فجر الاثنين .التوقيت غير ملائم بالمرة ،اعتقد ان تنظيم كأس العالم بامريكا يعذب بقية العالم .ولكنها الساحرة تفعل بنا ماتشاء .نمت وكلي امل في انتصار مصر ،فانا اريد لكل بلد عربي او افريقي ان يتأهل . انتمائي و وجيناتي لاتترك اي خيارا غير هذا الموقف.
استسلمت اذن للنوم بعد يوم طويل من الكتابة و النقاشات والوداعات والاستعداد للسفر إلى القاهرة صباح الاثنين، لكنه نوم متقلب ،كنت لا أغفو ال لأفيق بين الفينة والاخرى لافتح شاشة الهاتف بحثا عن نتيجة مصر .ثم اني اريد من اعماق قلبي ان يفرح زملائي من مصر في البورد العربي وتفرح كل مصر .واريد فوق ذلك ان ادخلها في ضحى يوم الاثنين وهي منتصرة غير مكلومة . اعتقدت أنني سأستيقظ على خبر يبعث شيئاً من الطمأنينة في المزاج الكروي العربي بعد سلسلة الصدمات التي بدأت بقطر و تونس ثم السعودية . مصر منتخب يحمل تاريخاً ثقيلاً وذاكرة قارية استثنائية. وترتيبها العالمي افضل من نيو زيلاندة .لكني كنت أعرف أن مواجهة هذه الاخيرة لن تكون مجرد نزهة عابرة، بل امتحانا جديدا لحسام حسن، هذا المدرب الذي لا احبه ولا اكرهه .ولجيل يقوده العبقري محمد صلاح، الاسم الذي أصبح رمزاً لكرة القدم المصرية في العالم.
استيقظت في عمق الليل قبل ساعات من الرحلة، وامتدت يدي تلقائياً إلى الهاتف. لم أبحث أولاً عن رسائل السفر ولا عن تفاصيل الوصول إلى القاهرة، بل عن نتيجة مصر. لا أخفي أنني كنت أتمنى أن أجد خبراً سعيداً فأنا أعرف جيداً مقدار العشق الذي يكنه المصريون لكرة القدم، وكيف تتحول نتائج منتخبهم إلى حديث الشارع والمقاهي ووسائل النقل وأحاديث الصباح.
اطلعت على النتيجة، فإذا بالصدمة تنتظرني من جديد: مصر متأخرة بهدف لصفر منذ الدقيقة الخامسة عشرة. بقيت أحدق في الشاشة لثوانٍ غير مصدق. وكأن هذا المونديال قرر أن يوزع اختبارات قاسية على الكرة العربية واحدة بعد الأخرى. كان الفوز المغربي ليلة فرحة استثنائية، لكن صباحات العرب التالية كانت تحمل أسئلة مؤلمة عن الفارق بين من يخطط للمستقبل، ومن لا يزال يبحث عن حلول سريعة في لحظات الأزمات. في تلك اللحظة، قررت ان لا انام مجددا وان أتهيأ لحزم حقيبتي نحو القاهرة منتظرا النتيجة النهائية.كنت ارتب امتعتي بينما سؤال واحد يخطر ببالي : كيف سيكون مزاج مدينة النيل التي أعرف ولع أهلها بكرة القدم اذا استمرت النتيجة هكذا ؟ كيف سأجد القاهرة وهي تستقبل هزيمة الفراعنة؟ فمصر حين تنتصر تحتفل أمة كاملة، وحين تخسر يشعر الملايين أن شيئاً من يومهم قد خبا.
بعد ساعة قدرت ان المباراة قد حسمت،فتحت الهاتف على مهل وكأني استعد لخبر لامفر منه . بحثت في غوغل فاذا بمصر قد عادت الى المبارة بل وهزمت نيوزلندا بثلاثة لواحد.لحظة واحدة كانت كافية لآعادة ترتيب كل شيء.القلق يتراجع واحساس يحتاحني بان كرة القدم قادرة ان تغيظك وان تفرحك في نفس المباراة .
اغلقت الهاتف ،وانا ابتسم وقلت في نفسي : هذه هي مصر حين تستيقظ في الوقت المناسب .هي لاتقاس بالبدايات بل بقدرتها على تصحيح هذه اليدايات.شعرت ان دخولي للقاهرة دخول فأل خير لا دخولا لمدينة انهكتها نتيجة غير مرضية.دخولا الى مدينة استعادت مزاجها الرائق في الساعة التي كاد ان يسحب منها.
مع فوز مصر ، يبدو ان الأمل قد قرر ان لا بخذلنا نهائيا . فبهذا المعنى ،المغرب ومصر، لا يقدمان مجرد نتائج جامدة ، بل يفتحان نافذة على احتمال أكبر: أن يكون النجاح قابلاً للتكرار كما في حالة المغرب ، وأن يتحول الفرح من لحظة إلى عادة كما في حالة مصر ، و في كل الاحوال ان لاينحصر الاتقان في مباراة بل في مسار. في كل انتصار هناك رسالة خفية بأن الطريق ما زال ممتداً، وأن ما تحقق ليس سقفاً بل بداية جديدة. الأمل هنا ليس شعوراً عاطفياً فقط، بل قوة تدفع إلى الاستمرار، إلى البناء، إلى تصحيح الأخطاء بهدوء، وإلى الإيمان بأن القادم يمكن أن يكون أجمل مما مضى. وفي كرة القدم كما في الحياة، تبقى الحقيقة الأجمل هي أن الغد لا يُكتب مسبقاً، بل يُصنع بالإرادة، وبقليل من الحلم الذي يرفض أن ينطفئ.
كتبت هذه السطور الاخيرة ،ثم ارسلت رسالة تهنئة لأصدقائي بمصر.وسحبت حقيبتي، ونزلت الى بهو الفندق .انها السادسة صباحا .وقد حان وقت التوجه الى المطار .
دعوني أبدأ لكم من البداية:
كنت قد قدمت إلى عمّان قبل المباراة بيوم واحد للإشراف، ضمن لجنة عربية من الأطباء، على امتحانات البورد العربي في أمراض النساء والتوليد. وكانت اللجنة موسعة هذه المرة، كانت عالما عربيا مصغرا .إذ كنا نجري امتحانات لعدد كبير من الأطباء القادمين من الأردن والعراق وسوريا واليمن وفلسطين وبلدان عربية أخرى، بعد أن أدت ظروف المنطقة وما رافق الحرب بين إيران والولايات المتحدة من اضطراب في حركة السفر إلى تأخير بعض المواعيد.
لكن، وعلى هامش الامتحانات وما يرافقها من تركيز وجدية، كان للمنتخب المغربي حضور آخر في كل حواراتنا الودية. لم يكن زملائي الأطباء العرب يرونني هذه المرة إلا محاطاً بأسماء بونو، وحكيمي، والعيناوي، ووهبي، ومزراوي. حتى إني شعرت كأن المنتخب قد سافر معي، بل وإني صرت أتقاسمه معهم. كلهم يعتبرون أنه لم يعد ملكاً للمغاربة وحدهم، بل أصبح حلماً عربياً مشتركاً.
الجميع تقريبا يرى هذا المنتخب أيقونة الأمل العربي الأولى في هذه الكأس، إلى جانب المنتخب المصري الذي بدأ بداية واعدة. وبعضهم كان يذهب بعيداً في التفاؤل حتى إنه كان يجزم لي بأن المغرب قادر تكرار تجربته بقطر وانه المؤهل لاعتلاء عرش العالم. حقيقةً، بعد الأداء الكبير أمام البرازيل، بلغت توقعات أشقائنا بالمنتخب عنان السماء. الكل يردد هنا ان المستحيل ليس مغربيا .
قال لي أحد الزملاء:
«إن هذا المنتخب لم يحيِ فينا فقط معاني البطولة والثقة بالنفس والكرامة، بل أعاد إلينا الإيمان بأننا قادرون على النجاح، وأننا نستطيع تجاوز حالة العجز المزمنة التي ابتلينا بها ، و بالتالي النجاح في كل المجالات بالضبط كما نجح منتخبكم بفضل الرؤية السديدة والتخطيط وحب الوطن».
عندها أدركت أن الأمر تجاوز كرة القدم. لم يعد الحديث عن أهداف وانتصارات فقط، بل عن حاجة أمة إلى نموذج يذكرها بأنها ما تزال قادرة على الحلم وتحقيق أمانيها في الرفعة والنماء.
على مائدة الغداء، اقترب مني صديقي الليبي الدكتور إسماعيل وقال إنه يتوق إلى مرافقتي في مشاهدة المباراة، لكنه يملك قناعة طريفة: كل منتخب يشجعه تكون النتيجة في غير صالحه. قد يظن البعض أنه يمزح أو أنه وجد طريقة مهذبة للاعتذار، لكنني لم أشك لحظة في صدقه؛ فالرجل لا يخفي عشقه للمغرب، ولم يكن ليصارحني بذلك إلا لأنه يخشى على منتخب أصبح يعتبره جزءاً من فرحه الشخصي.
بعد انتهاء أعمال اللجنة في اليوم الأول، قررنا تخليد هذه الفعالية الأكاديمية الوحدوية بصورة جماعية. كنت ما أزال داخل قاعة الامتحان حين ناداني الزملاء. هرولت نحوهم، وما إن وصلت حتى علت الابتسامات والتعليقات:
«أنتم المغاربة أصبحتم جميعاً رياضيين!».
ضحكنا جميعاً، لكن العبارة جعلتني أتوقف قليلاً. لقد أصبحت صورة المغرب في مخيلة كثير من العرب مرتبطة بالنجاح والتألق والقدرة على تحقيق المعجزات . صورة مشرقة، نعم، لكنها تحملنا مسؤولية أكبر: أن نحافظ على هذا الألق، وأن نثبت أن النجاح ليس لحظة عابرة، بل ثقافة يمكن أن تمتد إلى العلم والاقتصاد والفكر والتنمية.
وأنا أتهيأ لالتقاط الصورة، اقترب مني زميل مصري وهمس ضاحكاً:
«سنعفيك من الحضور غداً، فلا بد أنك ستسهر إلى الرابعة صباحاً!».
ابتسمت، فقد نسي صديقي أن الانتصارات الحقيقية لا تستنزف الطاقة، بل تمنحها وتجددها . النجاح يولد نجاحاً آخر، والفرح الحقيقي المستحق يتحول إلى قوة تدفع الإنسان إلى مزيد من العمل.
زميلة من البحرين حدثتني عن أيام كأس العالم في قطر، حين كانت في المدرجات ترتدي القميص الأحمر وتشجع المنتخب المغربي لأنها شعرت، في تلك اللحظة، أنه يمثلها أيضاً.
أما زميلة أخرى من مسقط فقد حدثتني بشغف عن مراكش وفاس، وأرتني صوراً التقطتها في أزقتهما العتيقة، مدن ربما زارت بعض تفاصيلها أكثر مما فعلت أنا الذي عشت في فاس وما زلت أعود إلى مراكش بين الحين والآخر. قالت إنها شعرت برغبة عارمة في زيارة المغرب، وأن مصدر هذه الرغبة لم يكن السياحة وحدها، بل ذلك الشعور الذي صنعه المنتخب، والذي جعل المغرب أقرب إلى قلوب كثير من العرب.
لم يكن الأمر مجرد إعجاب بمنتخب يحقق النتائج، بل كان شيئاً أعمق من ذلك بكثير.
في كل هاته الايام التي قضيتها ، في عمّان وبعدها بالقاهرة ، وسط أطباء جاؤوا من العراق وسوريا واليمن وفلسطين وليبيا والبحرين وسلطنة عمان، شعرت أن كرة القدم فعلت ما لا تفعله المؤتمرات ولا الخطابات: لقد صنعت لغة عربية مشتركة، ولو لليلة واحدة.
كان كل واحد يرى في هذا المنتخب شيئاً من بلده، أو شيئاً مما يتمنى أن يراه في منتخب بلاده. وكأن المغرب، دون أن يقصد ويقيني انه يقصد أصبح مرآة مفتوحة لأحلام الآخرين أيضاً: في التنظيم، وفي الجرأة، وفي الثقة، وفي القدرة على تحويل الموهبة إلى مشروع.
لم يعد الأمر مجرد تشجيع، بل نوعاً من التماهي الجماعي مع فكرة النجاح نفسها.
يوميات عمّانية (2/4)
عند الغروب، سألت إن كانت القنوات التي ستنقل مباراة المغرب واسكتلندا ستكون متاحة في الواحدة ليلاً، فعلمت أن المقهى الموجود في الطابق الثالث من الفندق الذي تبث فيه المقابلات سيغلق أبوابه عند منتصف الليل. بدأت أبحث في محيط الفندق عن مقهى يواصل السهر إلى ساعة متأخرة، كأن العثور عليه أصبح جزءاً من طقوس انتظار المباراة سواء كنت في المغرب او خارجه . فعلت ذلك حتى لا أترك شيئاً للصدفة. كنت أريد أن أؤمن مقعدي أمام التلفاز.
دلوني على مقهى «أهوة فضة». وما إن دلفت إليه حتى استبشرت به. كان مقهى بهيا ، تغمره الأضواء والألوان، ويقصده جمهور يرتدي أجمل الحلل، وكأنه يستعد هو الآخر لاحتفال خاص.
يقع هذا المقهى في الطابق الأول من مركب تجاري ، ويصل إليه الزائر عبر درج ليس كغيره. على كل درجة عبارة، وكل عبارة جزء من رسالة طويلة تنبض بالتفاؤل:
«انتظر، لا تستعجل، هناك شيء يستحق الصعود. كل لحظة تقربك أكثر من إحساس مختلف .لا يشبه المعتاد. لا يشبه أي مكان. واصل الصعود نحو التميز. فالقادم أجمل مما توقعت، أهدأ مما عرفت، أفخم مما اعتدت. اللقاء ينتظرك عندنا. هذا مكانك. أهلاً بك في أهوة فضة».
توقفت عند كلمة «اللقاء». قلت في نفسي: هل تراهم يعلمون بما في نفسي .ليكن كذلك .سأعتبر هذا اللقاء هو لقاء المغرب واسكتلندا.
وتوقفت عند «التميز» و«القادم أجمل مما توقعت»، فرأيت فيهما بشارة شخصية لا تقبل إلا تأويلاً واحداً: الفوز. إذ كيف يمكن لكل هذه العلامات، ولكل هذه البشارات، أن تجتمع ثم أعود من هذا المكان بخفي حنين؟
هكذا وجدتني أؤمن بالنصر القادم قبل أن تبدأ المباراة.
عدت الى الفندق ثم خرجت منه قبل صافرة البداية بنصف ساعة. تركت النزلاء غارقين في نومهم، والأبواب موصدة، والممرات صامتة. وجدت عمّان خارجه قد بدأت تستسلم لهدوء الليل، وإن ظلت شوارعها تنبض بحركة السيارات.
انعطفت يمين الفندق، ثم دخلت شارع المدينة المنورة. كانت المحلات لا تزال مفتوحة، والناس لازالوا يمضون في بعض شؤونهم، لكنني كنت غائباً عن كل ذلك. كنت أسير بجسدي في عمّان، بينما خيالي يسبقني إلى ملعب المباراة، وإلى الرباط والدار البيضاء وفاس ومراكش، حيث كانت القلوب المغربية تستعد للموعد نفسه.
مررت بفندق ألف ليلة وليلة، ثم بمدارس عمر المختار، حتى بلغت دوار الواحة حيث انعطفت شمالاً. وهنا انتبهت إلى مفردة أردنية جميلة: «الدوار». كلمة بسيطة تختصر المكان والحركة معاً، وكأن اللغة نفسها تتشكل على مقاس المدينة. الدوار يعني في عمّان، كما في كل بلاد المشرق، مفترق الطرق. إنه لفظ مختزل، وأراه الأنسب.
كنت وحيداً في الطريق، وبدا لي المسير أطول مما هو عليه من شدة اللهفة. سألت عاملاً في محطة للوقود إن كنت أسير في الاتجاه الصحيح. نظر إليّ متفحصاً ثم سألني:
– هل أنت جزائري؟
أجبته مبتسماً:
– لا، أنا مغربي.
فانفرجت أساريره، وأكد لي أنني في الطريق الصحيح، ثم لم يلبث أن تمنى للمنتخب المغربي الفوز.
كان ذلك المشهد البسيط كافياً لأدرك مرة أخرى أن كرة القدم، حين تلامس الوجدان، تستطيع أن تصنع جسوراً بين الشعوب لا تصنعها الخطب الطويلة.
الأردنيون يحبون المغرب حباً .ولا احد يشك في ذلك ، وشائجنا قوية جداً، وأمزجتنا تتشابه، وكلانا مملكتان، والأسرتان الحاكمتان كلتاهما من آل البيت. والآن تزداد الأواصر رسوخاً بفضل نبوغ وجهاد المدربين المغاربة في الأردن. من قبل كان الحسين عموتة، والآن جمال السلامي هو من يشرف على المنتخب الأردني. قلوب المغاربة ستكون معهم . نحن نحبهم ايضا . وانا اعرفهم جيدا .انهم الأشقاء العرب الوحيدون الذين يتمنون لو كانت لهم حدود معنا .
واصلت طريقي وأنا أعقد هذه المقارنات الجميلة، فإذا بي أستعيد احاديث الأردنيين التي كنت طرفا فيها عن مباراتهم المنتظرة أمام الجزائر في هذا النزر اليسير من الوقت الذي قضيته بين ظهرانيهم . لم يكونوا ابدا مستائين ولا حتى منشغلين كثيراً بالنتيجة السابقة ضد النمسا ، بل راضين ومبتهجين، لأنهم، كما يصرحون بكل فخر، رأوا في منتخبهم شخصية وهوية كروية جديدة. وذاك هو الأهم في عيونهم.
كانوا معتزين جداً به، متمسكين بالأمل، يرددون أغاني المنتخب الرسمية في المونديال: حيوا حيوا النشامى.الاردن وفى بكلامه . شعب يحقق احلامه ،النشامي حيو . احنا احنا النشامى. همتنا مابتلين .اهل عز وشهامة. اولادك ياابو حسين وراك يامنتخبنا وين ماتمشي رايحين. ان شاء الله النصرلنا غاية ..خلي العالم يغني انا اردني ....اليوم نلعب بالقمة .واشهد ياتاريخ ...الخ .الاغنية حماسيةجدا ومعبرة لبغاية تدل على رقي شعب وعلى ان النهضة حين تتحقق تنسحب على الرياضة والفن والثقافة وكل المجالات الاخرى . حين تسستمع اليها تسري فيك قشعريرة حمية ومشاعر تفيض بقيمة الوفاء والتضحية . انظروا معي كم هي الكرة بدورها مدرسة للوطنية .
وجدت الاردنيين كذلك يرفضون أن تنال منهم أصوات التنمر التي تأتي من بعض الإعلام الجزائري. معنوياتهم مرتفعة، لا تفتّ فيها ترهات ولا تثبيطات. ويعتبرون أنهم قد حصلوا سلفاً على المبتغى بالمشاركة لأول مرة في كأس العالم. لكنهم أيضاً واثقون أنهم سينتصرون على الجزائر.
الحقيقة أن ما شدني لم يكن الصخب الذي تثيره هذه المباراة بقدر ما شدتني طريقة الأردنيين في الخوض فيها. كان في مواقفهم ميل واضح إلى تهدئة اللغة، وإلى إعادة الأمور إلى حجمها الطبيعي: إنها مباراة كرة قدم، كما قال لي طبيب أردني، لا أكثر ولا أقل، مهما حاول البعض أن يرفعها إلى مستويات من التوتر لا تشبه روح اللعبة.
لم يكن الأردنيون معنيين بالاندفاع الإعلامي إذن ولا بالمبالغات التي تُضخ أحياناً عبر منصات التواصل، حيث يصوغ البعض المباريات وكأنها معارك مصيرية. كانوا يواجهون ذلك بنوع من الابتسامة الصامتة، لكأنهم يرفضون أن تفسد مباراة الجزائر فرحتهم بتأهل منتخبهم، أو أن تُختطف كرة القدم من معناها البسيط: تنافس، وشغف، وفرح ممكن للجميع.
ومع ذلك، في مجالسهم العفوية، كان يظهر قدر من التندر الهادئ على هذا التضخيم. لقد قرروا ان يلوذوا بالتندر في مواجهة التنمر. وكأنهم يعيدون كل شيء إلى حجمه الإنساني.
كانوا يسخرون من ادعاء بعض الإعلام بأن الفريق الجزائري سيقلع عن اللعب نهائياً إذا خسر أمام الأردن، فيقولون لي: لا أحد «يقلع» عن الكرة، ولا ييحسم أحد مستقبله الرياضي كله في مباراة واحدة، فالحياة الكروية أطول وأوسع من لحظة توتر عابرة.
ثم كانوا يضيفون أن الجزائر أخطأت التصويب في ثأرها، فثأرها عند ميسي وليس عند الأردن... أسد على الأردن ونعامة أمام الأرجنتين!
كان هذا الموقف الأردني، في عمقه، انعكاساً لروح أوسع لمستها لدى الأردنيين: ثقة هادئة بالذات، واعتداد بالمنتخب دون الوقوع في فخ المبالغة أو التشنج، وإيمان بأن كرة القدم، مهما اشتدت، تبقى في النهاية مساحة للعب والاحتمال، لا ساحة للقطيعة أو التصعيد.
يوميات عمّانية (3/4)
واصلت السير وأنا أتأمل في كل هذه المصادفات. قبل أيام قليلة كان العالم الإسلامي يحتفل بذكرى الهجرة النبوية، وها أنا أمشي في شارع يحمل اسم المدينة المنورة، و أطلب منتخبنا يضم أبناء الجيل الثالث من الهجرة المغربية في أوروبا، شباباً حملوا أسماء مغربية واحتفظوا بخيط متين يربطهم بوطن الآباء والأجداد.
وفوق هذا وذاك، العبارات المضيئة على درج المقهى تعدني بإنجاز جميل. إنها كل إشارات السعد قد اجتمعت. فآمنت بكسب المباراة قبل أن يحل الفوز على قدم إسماعيل وعرق رفاقه.
عندما وصلت إلى «أهوة فضة»، لم يكد صاحب المقهى يسمع لهجتي ويرى ملامحي حتى اكتشف أنني مغربي، فأصر، بكرم أردني أصيل، على أن أكون ضيفه.
ابتسمت في داخلي وقلت: ما أعجب بركات هذا المنتخب! لقد سبقتني محبته إلى عمّان.
جلست أنتظر صافرة البداية، لا كمن ينتظر تسعين دقيقة من كرة القدم، بل كمن ينتظر فصلاً جديداً من حكاية أصبحت أكبر من الرياضة نفسها.
لقد تحول هذا المنتخب إلى رمز لما يمكن أن تصنعه الإرادة، وما يمكن أن يحققه علو الهمة وحب الوطن.
ومع صافرة البداية، لم أحتج إلى وقت طويل حتى تتوجه إ الأنظار إلي منذ اللحظة الأولى. كنت ممثلاً للمغرب في ذلك الحيز الصغير من العالم.
دقيقة واحدة فقط كانت كافية ليعلن صيباري عن نفسه بهدف مبكر. بدا وكأنه يختصر كل ما سيأتي بعده. لم يكن هدفاً عادياً، بل كان إعلاناً بأن أشبال وهبي يدخلون المباريات كباراً، لا يتهيبون فريقاً. يسبقهم صيتهم، فيلعبون بلا تردد، وبإيقاع خاص بهم يفرضونه على الفريق المنافس.
في تلك اللحظة، شعرت وأنا في عمّان أن شيئاً ما يقع يتجاوز حدود المباراة. كان في المقهى الأردني تماهٍ عجيب مع هذا المنتخب. الأردنيون الذين كانوا بجانبي كانوا يتابعون المنتخب المغربي كحالة قريبة منهم، كأنه همّهم الشخصي. كانوا كمن يعيدون اكتشاف أنفسهم في مرآته. كانوا يفرحون لكل افتكاك، ولكل تمريرة، ولكل ضغط على حامل الكرة من الاسكتلنديين.
على أرض الملعب، كان اللاعبون ينافحون عن كل كرة كما لو أنها الأخيرة. سرقة الكرة من الخصم لم تكن مجرد مجهود بدني، بل فعل إرادة. ضغط، وافتكاك، وعودة سريعة، وبناء للهجمة من الخلف... كل تلك الحركات كان يطرب لها الأردنيون.
قال أحد رواد المقهى:
«إنهم سحرة».
إنهم لا يلعبون فقط بأقدامهم، بل بأعصابهم ووعيهم الكامل بالمباراة.
أما أنا فشعرت وكأنهم كتبوا المباراة ذهنياً قبل أن تُلعب فعلاً، وكأن كل حركة محسوبة في مكان ما قبل أن تُنفذ على أرض الواقع.
صحيح أن الحظ لم يكن دائماً في صفهم، فقد ضاعت فرص محققة كانت كفيلة بحسم اللقاء مبكراً، لكن ذلك لم ينقص من تألقهم. كانوا أصحاب سيطرة معنوية وفنية واضحة. كان المغرب يلعب وهو يعرف ما يريد، حتى عندما لا يُترجم ذلك إلى أهداف إضافية.
انتبهت من سكرة الفرح فإذا بي أسمع اسم المغرب يتردد على ألسنة من حولي في عمّان وكأنه أصبح أكثر من منتخب.
في المقهى، كان الأردنيون ينادون اللاعبين بأسمائهم الأولى، وكأنهم يعرفونهم شخصياً:
ياسين... أشرف... إسماعيل... نائل...
لم تكن متابعة باردة، بل مشاركة وجدانية حقيقية، جعلتني أرى كيف يمكن لكرة القدم أن تلحم الشعوب الشقيقة بعضها ببعض.
كان هناك حماس خاص حين يمسك نائل العيناوي بالكرة أو يفتكها بوعدي، وثقة تسري في الجمهور حين يرون العملاق اللاعب الخارق الحاج مزراوي يلعب باعتداد من يعرف مكانته جيداً.
تفاصيل صغيرة ألفيت الأردنيين يلاحظونها بالضبط كما يلاحظها المغاربة. هذا المنتخب لم يعد مجرد أسماء فوق العشب، بل صورة كاملة لهوية كروية بدأت تُقرأ عالمياً.
ومع كل هجمة، كان اسم المغرب يسطع أكثر، لا كفريق فحسب، بل كقصة تُروى وكسردية ..
خرجت من أهوة فضة مع انتهاء المباراة قافلا الى الفندق ، كانت الثالثة صباحا والجو بارد ،ولكني لم اكن أشعر بالطريق. .هي نفسها تلك التي قطعتها قبل ساعات بغير قليل من القلق واللهفة. المسافة ذاتها، لكن قدميَّ هذه المرة لم تكونا تمسان الأرض إلا قليلاً. كنت أمشي سريعاً كأن للنصر جناحين يحملاني، وكأن شوارع عمّان التي عبرتها وحيداً في طريق الذهاب قررت أن تطوي نفسها طيا وترافقني في طريق العودة.
السنا الابطال .والابطال تتذلل امامهم العقبات
كانت الساعة تمضي نحو عمق الليل، و كانت المدينة تزداد هدوءاً، والسيارات أقل عدداً، والأضواء أكثر حميمية. كنت وحيداً في الشارع، لكني لم أشعر بالوحدة أبداً. كان معي اصوات رواد المقهى وهم ينادون: ياسين، أشرف، إسماعيل، نائل، وكان معي ذلك التصفيق العربي الصادق الذي سمعته من الأردنيين قبل المغاربة. كنت أعود مزهواً لا بانتصار في مباراة فحسب، بل بإحساس عميق بأن بلداً كاملاً قد لمع اسمه في تلك الليلة على شاشات العالم، وأن راية المغرب ارتفعت عاليا في سماء القلوب قبل أن ترتفع في جداول النتائج.
مررت بالأماكن نفسها: دوار الواحة، شارع المدينة المنورة، واجهات المحلات التي بدأت تغفو شيئاً فشيئاً، لكن كل شيء كان يبدو مختلفاً. في الذهاب كنت أبحث عن المقهى، أما في العودة فقد كنت أبحث عن لحظة أحفظها في ذاكرتي. لحظة مشيت فيها وحيداً في شوارع عمّان، لكن خلفي كان وطن كامل يحتفل.
وفي تلك اللحظات، وأنا أخطو وحيداً ومعي خيالاتي في شوارع عمّان الهادئة، كان جزء مني قد غادر الأردن وطار إلى المغرب. تمنيت لو أن لي قدرة على اختصار المسافات، وأن أجد نفسي فجأة في قلب الرباط، عند محطة القطار، وسط أمواج الجماهير المغربية وهي تغني وتهتف وتلوح بالأعلام الحمراء التي ولاشك انها قد غطت الساحات والشوارع.
تمنيت لو أكون هناك بين الوجوه المضيئة بالفرح، أردد معهم الأهازيج التي لا تحتاج إلى معرفة سابقة ولا إلى تقديم. ففي مثل هذه الليالي يسقط الحاجز بين الناس، ويتمثل المغربي كيف أنه أخ لكل مغربي، وتصبح المدن المغربية كلها بيتاً واحداً.
لكنني سرعان ما أدركت أن للفرح أشكالاً أخرى. فقد كنت في عمّان، بين إخوة لن يكونوا أقل سعادة مني. المسافة بين الرباط وعمّان لم تعد تقاس لدي بالكيلومترات، بل بمقدار المحبة التي تستطيع كرة القدم أن تزرعها بين القلوب.
وبهذا المعيار اصبحت اتمثل عمان كما لو أنها الرباط .
وهكذا قبل أن أصل إلى باب الفندق، شعرت أنني عشت احتفالين في ليلة واحدة: احتفالاً لم أره في شوارع الرباط، واحتفالاً عشته فعلاً في قلب عمّان في مقهى من مقاهيها ..
فجأة لم أستطع أن أمنع نفسي من سؤال راودني بإلحاح: ترى هل يعيد التاريخ نفسه؟ هل نعيش بعد أيام أو أسابيع تلك اللحظة الاستثنائية ذاتها، فنخرج إلى شوارع الرباط وسائر مدن المغرب لنستقبل أبناءنا الأبطال استقبال الفاتحين، كما فعلنا من قبل مع منتخب الشباب الذي أعاد إلينا نشوة التتويج وجمال الحلم؟
هل نرى المدرب وهبي يعتلي منصة التتويج حاملاً كأساً عالمية جديدة تضاف إلى سجل كرة القدم المغربية، ويعود اللاعبون الذين سهرت معهم من عمّان إلى أقصى بقاع العالم، ليجدوا شعباً كاملاً في انتظارهم؟
لا أحد يملك جواباً. فالساحرة المستديرة لا تعترف بالوعود، وقد تمنحك في يوم ما تبخل به في يوم آخر. لكن ما أنا متأكد منه أن هذا الجيل قد ربح شيئاً لا تستطيع أي كأس أن تمنحه أو تنزعه: لقد ربح محبة شعبه، واحترام العالم، وجعل اسم المغرب يتردد في الملاعب والبيوت من الشرق إلى الغرب. وإذا كان الكأس حلماً ننتظره، فإن الحلم نفسه أصبح ممكناً، وذلك ربما أعظم انتصار حققه هذا الجيل.
في تلك الليلة العمانية التي ستبقى محفورة في ذاكرتي و في اليوين الذين سيعقبانها ، تبينت كيف أن أثر هذا المنتخب يتجاوز الملعب: صورة بلد تُشاهد، وتُحترم، وتُعاد قراءتها من جديد، و معنى أن ما يحدث على المستطيل الأخضر ينعكس بهدوء على شيء أكبر: قوة ناعمة تتشكل، وسردية بلد يربح تعاطف الآخرين قبل نتائج المباريات.
قد لا يسمح فارق التوقيت بين المدن، من بوسطن إلى عمّان، بأن تتحول هذه المباريات دائماً إلى احتفالات في الشوارع والساحات، لكن ما لمسته في الأردن كان أبلغ من كل مظاهر الاحتفال.
وجدته في كلمات الأطباء العرب، وفي دعاء عامل محطة الوقود، وفي حماس زميلة بحرينية ارتدت القميص الأحمر في قطر، وفي شوق زميلة عُمانية إلى العودة إلى المغرب ما استطاعت اليه سبيلا .
في تلك الليلة، لم أكن وحيداً في «أهوة فضة». كان معي شيء من الرباط، وشيء من فاس ومراكش، وشيء من قلوب عربية كثيرة رأت في هذا المنتخب صورتها الممكنة وحلمها المؤجل.
يوميات عمّانية (4/4)
لكن و في صباح يوم الأحد، وبينما كانت أصداء ليلة المغرب واسكتلندا ما تزال تتردد في آذاننا جميعاً، استفقنا على وقع صدمة جديدة.غالبا مانتجاذب الحديث في طريقنا للنستشفى عن اخبار المنتخبات العربية .
تونس، ذلك المنتخب العربي العريق، الذي كان يطمح إلى تدارك بدايته الكارثية بعد الهزيمة الثقيلة أمام السويد بخمسة أهداف مقابل هدف واحد، لم ينجح امام اليابان، رغم الاستعانة بالمدرب الفرنسي الكبير هيرفي رونار ، الداهية الذي لربما قد صار عربيا من كثرة اشرافه على منتخبات وفرق عربية و الذي جيء به على عجل لإنقاذ الموقف، بل تلقى هزيمة أخرى قاسية بأربعة أهداف مقابل هدف واحد.
وكأن كرة القدم أرادت أن تقدم درساً قاسياً للتونسيين : لا أسماء المدربين الكبيرة تكفي وحدها، ولا القرارات المتسرعة قادرة على تغيير واقع تشكل عبر سنوات.
أسفنا لخسارة تونس لكننا سؤالا ممضا تردد بيننا : ترى ماذا تراها ستفعل تونس أمام هولندا؟.لاشك ان التونسيون لن ينتظروا انجازا من هذا المنتخب .لاشك انهم غاضبون .وان مسؤولي الكرة سيقدمون الحساب في ربيع رياضي قادم اليهم من أمريكا
----'
تونس هذه نكأت جرح قطر، التي عشنا معها بدورها ليلة من أصعب ليالي تاريخها الكروي.ليلة وصولي الى عمان ، الثامن عشر من يونيو 2026، في فانكوفر الكندية، سقط المنتخب القطري أمام أصحاب الأرض بسداسية ، في مباراة لم تكن مجرد خسارة ثقيلة، بل انهياراً كاملاً لفريق وجد نفسه عاجزاً أمام إيقاع كندي سريع وحماس جماهير تحتفل بأول انتصار في تاريخ كندا في كأس العالم. تألق جوناثان ديفيد بثلاثية، وسجل سايل لارين وناثان ساليبا، بينما اكتملت المأساة بهدف عكسي، وانتهت قطر بتسعة لاعبين بعد طردين زادا المشهد قتامة.
ندمت اني سعيت في الصباح لمشاهدة ملخص المباراة على اليوتيوب .كان استيائي كبيرالأن قطر ليست منتخباً عادياً في القارة الآسيوية؛ فهي بطلة آسيا مرتين ومتوجة بإمكانات وبنيات تحتية استثنائية، وقد استثمرت لعقود لتصبح رقماً في كرة القدم العالمية. لكن تلك الليلة في فانكوفر أعادت تذكير الجميع بالحقيقة نفسها التي سوف نستخلصها فيما بعد من هزائم تونس والسعودية: المال وحده لا يصنع منتخباً، والأسماء الكبيرة لا تختصر الزمن، والمنشآت مهما بلغت عظمتها لا تعوض تراكم الثقافة الكروية والتكوين اليومي وصناعة الأجيال.
ولذلك، كلما ازددت تأملاً في ما يفعله المغرب اليوم، ازددت اقتناعاً بأن الفرق الحقيقي ليس في مباراة تُربح هنا أو تُخسر هناك، بل في طريق طويل من العمل الصامت، يبدأ من مراكز التكوين، ومن اكتشاف الطفل الموهوب، ومن الإيمان بأن المعجزة الوحيدة في كرة القدم هي سنوات من الجهد لا يراها أحد.
في مساء الاحد ، جاءت صدمة أخرى مع مقابلة السعودية أمام إسبانيا، علمنا بالخبر من نادل المطعم على مائدة العشاء لتكتمل صورة يوم كروي عربي حزين، بعد ليلة بهيجة كنا نعيش فيها نشوة الانتصار المغربي. كنا نتناول طعامنا ،وننتشي بحلوى لذيذة جدا اسمها زلابية لم اذق مثلها في حياتي جلبها معه من الضفة الغربية زميل من الضفة الغربية بفلسطين واهداها لنا على العشاء .
استغرقنا في ذكر شمائل هذه الحلوى. كنا جمعا من خمسة انفار .هم من لازالوا بالفندق نتوزع على اربع دول المغرب واليمن وليبيا وفلسطين، كأنها انقذتنا من تلك الخيبة المريرة.و كأننا لانريد ان نرى او نحلل تلك المتوالية من الهزائم العربية وكل ذاك الاخفاق الكروي العربي. ثم لم نلبث ان انتبهنا على شاشة الهاتف لسجدة يامين جمال .كانت صورة خاطفة،لكني قلت لأصدقائي انها ستثير جدلا بأسبانيا واوروبا كاملة.
.لم تكن صورة حركة عفوية للاعب بعد لحظة انفعال،بل صورة تختزل اشياء كثيرة : شاب ولد بعيدا عن ارض تجداده،وبلغ اعلى مستويات كرة القدم العالمية،لكنه رغم امتناعه عن الالتحاق بالمنتخب المغربي لم ينس ما يحمله في وجدانه العميق من قيم وهوية في زمن اصبحت فيه كرة القدم صناعة عالمية ضخمة. قلت في نفسي ان مثل هذه اللحظات الانسانية تذكرنا بأن وراء القمصان والأرقام والنجومية قلوبا تخفق،وذكريات عائلية،وثقافات تنتقل من جيل لآخر.ولربما لعذا السبب بالذات ،لايكتفي الناس بالإعجاب باللاعب الكبير،بل يحبون الانسان الذي يظعر وراء اللاعب .اعتقد انها سجدة تعبرعن الشكر والايمان والارتباط بجذور ثقافية ودينية.لربما قرأها البعض من زوايا اخرى .غير ان اللافت ان سجدة لثوان ستثير كل هذاالحديث .مثل هذه الصور هي التي تمنح كرة القدم روحها وتحولها ايضا الى نوع من الادب يمكن ان نطلق عليه اسم الادب الرياضي .
لكن أكثر ما كان يثير التأمل في هذه الأيام الاربعة التي قضيتها بعمان ، لم يكن فقط اختلاف النتائج بين منتخب عربي وآخر، بل اختلاف المسارات والرؤى. فقد عشنا في أيام قليلة مشهداً كروياً عربياً متناقضاً: منتخبات عريقة تعثرت، بعضها خسر بخماسية ورباعية، وبعضها سقط في اختبار كان ينتظر منه الكثير، بينما كان المغرب يشق طريقه بثبات وثقة في أعلى مستويات كرة القدم العالمية.ليس الأمر شماتة في أحد، فكل هزيمة عربية تؤلمنا جميعاً، انها لحظة صراحة ضرورية مع أنفسنا.
لقد أظهر المغرب أن الوصول إلى القمة لم يعد حلماً مستحيلاً لشعوبنا، لكنه أيضاً ليس هدية تأتي من السماء. فبين انتظار المعجزة وبناء المشروع مسافة شاسعة. لا يمكن لكرة القدم الحديثة أن تُدار بالعواطف وحدها، ولا أن تُعالج أزماتها بالتمني ،فقد قال الشاعر وغنت ام كلثوم : ومانيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا .وهي ايضا لبست بتغيير مدرب أو استدعاء نجم في آخر لحظة. هناك عمل طويل يبدأ من الطفل الذي يركل الكرة في مدرسة صغيرة، ويمر عبر مراكز التكوين، والعلم، والإدارة، والاحتراف، إلى أن يصل اللاعب إلى أكبر ملاعب العالم.
وربما كان هذا هو أعظم انتصار حققه المغرب قبل أي كأس محتملة: أنه غيّر سقف أحلام العرب والأفارقة. لم يعد السؤال: هل يمكن لمنتخب عربي أو إفريقي أن ينافس الكبار؟ بل أصبح السؤال: كيف نبني النموذج الذي يجعل ذلك ممكناً؟ لقد جعل المغرب اسمه يتردد في العالم لا كضيف شرف في حفلة الكبار، بل كواحد من المدعوين إلى الطاولة نفسها، يفرض احترامه بأدائه، وتنظيمه، وثقته في نفسه.
إن الفرق واضح لنا الان بين منتخبات تبني نفسها داخل منظومات كروية راسخة، وبين من يحاول أن يختصر الطريق في لحظة استعجال وارتجال.
كرة القدم الحديثة لا تعترف بعصا موسى. لا يمكن أن نستدعي مدرباً كبيراً في آخر لحظة، أو نعتمد على ظهور موهبة خارقة، ثم ننتظر أن تتحول الهزائم إلى انتصارات بين عشية وضحاها.
حتى ليونيل ميسى ورولاندو كريستيانو ، وحتى بوعدي الصاعد وأشرف حكيمي ولامين جمال وغيرهم من النجوم، لم يكونوا معجزات نزلت من السماء، بل كانوا ثمرة مدارس تكوين، ومؤسسات رياضية، ورؤية بعيدة المدى تعرف كيف تكتشف الموهبة وتصقلها وتضعها داخل مشروع جماعي.
ولعل هذا هو سر ما يثير الإعجاب في التجربة المغربية. فالأمر لم يكن ضربة حظ ولا لحظة إلهام عابرة، بل ثمرة سنوات من الاستثمار في التكوين والبنيات التحتية والاحتراف.
لذلك، حين يلمع اسم المغرب اليوم في ملاعب العالم، فليس لأن جيلاً موهوباً ظهر بالمصادفة، بل لأن وراء ذلك جيلاً من العمل الصامت الذي سبق لحظة التصفيق.
وهنا بدا لي أن ما عشناه في عمّان لم يكن مجرد سهرة كروية ناجحة أو مباراة فاز فيها منتخب على آخر. لقد كان درساً آخر في معنى النجاح نفسه. فالانتصارات الكبرى لا تُصنع في المدرجات، ولا تولد فجأة ليلة المباراة، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة في مراكز التكوين، وفي المدارس، وفي حسن التدبير، وفي وضوح الرؤية.
هكذا اكتشفت أن الرحلات لا تُقاس بعدد الكيلومترات التي نقطعها، بل بعدد المعاني التي نعثر عليها في الطريق.
وكانت رحلتي القصيرة إلى عمّان رحلة إلى مدينة كريمة، وإلى إخوة يفرحون لفرحنا، وإلى يقين جديد بأن أجمل الانتصارات هي تلك التي لا تبقى ملكاً لأصحابها، بل تتحول إلى فرح مشترك يتقاسمه الجميع.
كتبت هذه الخاتمة ليلة الاحد ،وخلدت الى النوم بعد ان ودعت الاصدقاء ،فانا مقلع نحو المغرب صباح يوم الاثين عبر القاهرة ،نمت وفي قلبي شيء من عدم امكانية متابعتي للمباراة التي ستجريها مصر ضد نيوزلندا فجر الاثنين .التوقيت غير ملائم بالمرة ،اعتقد ان تنظيم كأس العالم بامريكا يعذب بقية العالم .ولكنها الساحرة تفعل بنا ماتشاء .نمت وكلي امل في انتصار مصر ،فانا اريد لكل بلد عربي او افريقي ان يتأهل . انتمائي و وجيناتي لاتترك اي خيارا غير هذا الموقف.
استسلمت اذن للنوم بعد يوم طويل من الكتابة و النقاشات والوداعات والاستعداد للسفر إلى القاهرة صباح الاثنين، لكنه نوم متقلب ،كنت لا أغفو ال لأفيق بين الفينة والاخرى لافتح شاشة الهاتف بحثا عن نتيجة مصر .ثم اني اريد من اعماق قلبي ان يفرح زملائي من مصر في البورد العربي وتفرح كل مصر .واريد فوق ذلك ان ادخلها في ضحى يوم الاثنين وهي منتصرة غير مكلومة . اعتقدت أنني سأستيقظ على خبر يبعث شيئاً من الطمأنينة في المزاج الكروي العربي بعد سلسلة الصدمات التي بدأت بقطر و تونس ثم السعودية . مصر منتخب يحمل تاريخاً ثقيلاً وذاكرة قارية استثنائية. وترتيبها العالمي افضل من نيو زيلاندة .لكني كنت أعرف أن مواجهة هذه الاخيرة لن تكون مجرد نزهة عابرة، بل امتحانا جديدا لحسام حسن، هذا المدرب الذي لا احبه ولا اكرهه .ولجيل يقوده العبقري محمد صلاح، الاسم الذي أصبح رمزاً لكرة القدم المصرية في العالم.
استيقظت في عمق الليل قبل ساعات من الرحلة، وامتدت يدي تلقائياً إلى الهاتف. لم أبحث أولاً عن رسائل السفر ولا عن تفاصيل الوصول إلى القاهرة، بل عن نتيجة مصر. لا أخفي أنني كنت أتمنى أن أجد خبراً سعيداً فأنا أعرف جيداً مقدار العشق الذي يكنه المصريون لكرة القدم، وكيف تتحول نتائج منتخبهم إلى حديث الشارع والمقاهي ووسائل النقل وأحاديث الصباح.
اطلعت على النتيجة، فإذا بالصدمة تنتظرني من جديد: مصر متأخرة بهدف لصفر منذ الدقيقة الخامسة عشرة. بقيت أحدق في الشاشة لثوانٍ غير مصدق. وكأن هذا المونديال قرر أن يوزع اختبارات قاسية على الكرة العربية واحدة بعد الأخرى. كان الفوز المغربي ليلة فرحة استثنائية، لكن صباحات العرب التالية كانت تحمل أسئلة مؤلمة عن الفارق بين من يخطط للمستقبل، ومن لا يزال يبحث عن حلول سريعة في لحظات الأزمات. في تلك اللحظة، قررت ان لا انام مجددا وان أتهيأ لحزم حقيبتي نحو القاهرة منتظرا النتيجة النهائية.كنت ارتب امتعتي بينما سؤال واحد يخطر ببالي : كيف سيكون مزاج مدينة النيل التي أعرف ولع أهلها بكرة القدم اذا استمرت النتيجة هكذا ؟ كيف سأجد القاهرة وهي تستقبل هزيمة الفراعنة؟ فمصر حين تنتصر تحتفل أمة كاملة، وحين تخسر يشعر الملايين أن شيئاً من يومهم قد خبا.
بعد ساعة قدرت ان المباراة قد حسمت،فتحت الهاتف على مهل وكأني استعد لخبر لامفر منه . بحثت في غوغل فاذا بمصر قد عادت الى المبارة بل وهزمت نيوزلندا بثلاثة لواحد.لحظة واحدة كانت كافية لآعادة ترتيب كل شيء.القلق يتراجع واحساس يحتاحني بان كرة القدم قادرة ان تغيظك وان تفرحك في نفس المباراة .
اغلقت الهاتف ،وانا ابتسم وقلت في نفسي : هذه هي مصر حين تستيقظ في الوقت المناسب .هي لاتقاس بالبدايات بل بقدرتها على تصحيح هذه اليدايات.شعرت ان دخولي للقاهرة دخول فأل خير لا دخولا لمدينة انهكتها نتيجة غير مرضية.دخولا الى مدينة استعادت مزاجها الرائق في الساعة التي كاد ان يسحب منها.
مع فوز مصر ، يبدو ان الأمل قد قرر ان لا بخذلنا نهائيا . فبهذا المعنى ،المغرب ومصر، لا يقدمان مجرد نتائج جامدة ، بل يفتحان نافذة على احتمال أكبر: أن يكون النجاح قابلاً للتكرار كما في حالة المغرب ، وأن يتحول الفرح من لحظة إلى عادة كما في حالة مصر ، و في كل الاحوال ان لاينحصر الاتقان في مباراة بل في مسار. في كل انتصار هناك رسالة خفية بأن الطريق ما زال ممتداً، وأن ما تحقق ليس سقفاً بل بداية جديدة. الأمل هنا ليس شعوراً عاطفياً فقط، بل قوة تدفع إلى الاستمرار، إلى البناء، إلى تصحيح الأخطاء بهدوء، وإلى الإيمان بأن القادم يمكن أن يكون أجمل مما مضى. وفي كرة القدم كما في الحياة، تبقى الحقيقة الأجمل هي أن الغد لا يُكتب مسبقاً، بل يُصنع بالإرادة، وبقليل من الحلم الذي يرفض أن ينطفئ.
كتبت هذه السطور الاخيرة ،ثم ارسلت رسالة تهنئة لأصدقائي بمصر.وسحبت حقيبتي، ونزلت الى بهو الفندق .انها السادسة صباحا .وقد حان وقت التوجه الى المطار .
الرئيسية















