كتاب الرأي

ما وراء شغب الملاعب: أزمة مجتمع لا مباراة


بقلم :ياسين أيت حدو

ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة. ما جرى في مباراة الرجاء البيضاوي والجيش الملكي لم يكن حادثا عابرا يستدعي الاستغراب، بل مشهدا مألوفا يتكرر إلى درجة أنه فقد صفة المفاجأة المفارقة الحقيقية ليست في اشتعال المدرجات، بل في استمرار دهشتنا كل مرة كأننا نرى المشهد لأول مرة.
السؤال الأهم لا يتعلق بهذه المباراة تحديدا بل بما يكمن خلفها: ما الذي يدفع شابا في كامل وعيه إلى أن يقامر بمستقبله من أجل كيان لا يعرف بوجوده أصلا؟



تسعون دقيقة… مقابل حياة كاملة

لنضع العاطفة جانبا. الفريق لن يسدد عنك غرامة ولن يزورك خلف القضبان ولن يعيد لك فرصة عمل ضاعت بسبب سجل عدلي مثقل. اللاعبون الذين تهتف أسماؤهم يعيشون في عالم موازٍ بعيد عن صخب الشارع وحرائقه. في المقابل تحولت المنافسة من أرضية الملعب إلى مدرجاته، بل إلى ما هو أبعد:
من يثير الفوضى أكثر؟ من يترك أثرا أكبر من الدخان؟ من يحصد أكبر تفاعل رقمي؟
لم يعد الملعب فضاء للفرجة، بل صار مسرحا لإثبات وهمي… إثبات لا يعرف لمن ولا لماذا.

الأسرة: بين الغياب والإجهاد

من السهل تحميل الأسرة كامل المسؤولية لكن الواقع أكثر تعقيدا. الأسرة المغربية اليوم تصارع إكراهات يومية خانقة: كلفة العيش ضغط العمل وتآكل الحوار بين الأجيال. الغياب التربوي ليس تقصيرا بل أحيانا نتيجة إنهاك مستمر. ومع ذلك يظل دورها أساسيا لأن الشارع لا يخرج مواطنين بل يملأ الفراغ فقط.

الدولة: حين يتحول الفراغ إلى خطر

حين يغيب التأطير وتضعف المدرسة وتتوارى خدمات الصحة النفسية، وتقفل أمام الشباب أبواب الترفيه المنتج  ويظل شبح البطالة قائما… يصبح البحث عن الانتماء ضرورة نفسية.
في هذا الفراغ، تقدم “الألتراس” بديلا جاهزا: هوية، صوت، وإحساس بالقوة. الدولة التي تعجز عن توفير أفق واضح لا يمكنها أن تفاجأ حين يعاد توجيه طاقة الشباب نحو مسارات خطرة.

منصات التواصل: حين تتحول الفوضى إلى محتوى

لم يعد الشغب سلوكا يمارس فقط بل أصبح ينتج ويسوق. الكاميرا لم تعد توثق، بل تحرض أحيانا هناك من يشعل الفوضى لا بدافع الغضب، بل بحثا عن لقطة قابلة للانتشار. الخوارزميات تكافئ الصدمة وتمنح العنف قابلية للانتشار فيتحول التخريب إلى محتوى والإفلات إلى إنجاز.

الخلاصة: ما يتجاوز كرة القدم

كرة القدم ليست المشكلة. هي مجرد واجهة لخلل أعمق حين يفقد الشاب ما يستحق أن يناضل من أجله في الواقع بل  يبحث عن معنى بديل ولو كان زائفا. وحين تغيب المشاريع. تتحول المدرجات إلى مساحات لتعويض ذلك الغياب.
المسؤولية هنا ليست فردية ولا بسيطة. هي شبكة متداخلة: أسرة تحت الضغط، مدرسة متعثرة، دولة تبحث عن نجاعة، إعلام أحيانا يغذي بدل أن يؤطر، ومجتمع يكتفي بالتشخيص بعد كل حادثة.

والسؤال الذي يبقى معلقا: إلى متى سنظل نكتب نفس التحليل… بعد كل مباراة؟




السبت 2 مايو 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic