كتاب الرأي

"لالة العروسة" وإنتاج مشاهد تطبع مع العنف الزوجي، أين يكمن الخلل؟


أعاد الجدل الذي رافق حلقات الموسم الحالي من برنامج “لالة العروسة” فتح نقاش أوسع داخل المجتمع المغربي حول حدود ما يمكن أن يُقدَّم في الإعلام العمومي حين يتعلق الأمر بالعلاقات الأسرية، بعدما انتشرت على نطاق واسع مشاهد من إحدى الحلقات أظهرت توتراً حاداً وعنفا لفظيا وجسديا بين زوجين مشاركين، داخل فضاء البرنامج الذي يفترض أنه يُجسد التفاهم والتقارب بين الأزواج.



بقلم : عائشة بوسكين

 وتتمثل تفاصيل الواقعة، كما تم تداولها، في مشاركة شابة من مدينة طنجة رفقة زوجها ووالدته، حيث تطورت لحظة نقاش داخل “دار العرسان” إلى مشادات كلامية حادة وصلت لحد استخدام العنف، حيث بدت فيها العلاقة الزوجية في حالة تصعيد غير مألوف ضمن سياق برنامج عمومي عائلي. وقد ساهم انتشار المقاطع المصورة على مواقع التواصل الاجتماعي في انتشار الحدث، وتحويله إلى مادة للنقاش العام، انقسمت حولها الآراء بين من اعتبره انعكاساً لواقع اجتماعي قائم، ومن رأى فيه انزياحاً عن الهدف التربوي المفترض للبرنامج.

ومن خلال هذا التفاعل، يتضح أن القضية تجاوزت مستوى الواقعة الفردية داخل البرنامج، لتتحول إلى سؤال يتعلق بكيفية بناء صورة الأسرة داخل الإعلام الترفيهي. فحين تُعرض لحظات التوتر والخلاف داخل العلاقات الزوجية بشكل متكرر وفي سياق فرجوي، فإنها لا تبقى مجرد أحداث معزولة، بل تدخل في مسار إعادة تشكيل الوعي الجمعي، حيث يصبح الصراع جزءاً من الصورة المعتادة للعلاقة الزوجية بدل أن يكون استثناءً داخلها.

ويكمن الإشكال، من منظور سوسيولوجي، في أن الإعلام لا يعكس الواقع فقط، بل يساهم في إنتاجه عبر التكرار والاختيار. فتركيز البرامج ذات الانتشار الواسع على لحظات الانفعال والخلاف داخل الأسرة، حتى داخل إطار ترفيهي، يؤدي إلى نوع من “التطبع البصري” مع العنف اللفظي أو التوتر، حيث تصبح هذه المشاهد مألوفة، ولو بشكل غير واعٍ، في المخيال الاجتماعي، خصوصاً لدى الفئات الشابة التي لم تستقر بعد رؤيتها للعلاقة الزوجية.

وتزداد حساسية هذا التأثير عندما يتقاطع مع الخطاب العمومي الذي يدعو إلى تعزيز قيم الاحترام داخل الأسرة ومحاربة مختلف أشكال العنف الزوجي. فوجود هذا التناقض بين الرسالة التربوية والسيولة الإعلامية للمشاهد الترفيهية يخلق فجوة في الإدراك، حيث تختلط الصورة الواقعية للحياة الأسرية بما يُعرض في البرامج التلفزيونية، فيتأثر المتلقي دون وعي مباشر بذلك.

و انتقل هذا السجال العمومي إلى داخل أسوار المؤسسة التشريعية، حيث وجهت النائبة البرلمانية حنان أتركين سؤالاً كتابياً إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل، دعت فيه إلى توضيح مدى احترام البرنامج لدفاتر التحملات المنظمة للقطاع السمعي البصري، وإلى مساءلة طبيعة الرسائل التي قد تصل إلى الجمهور من خلال هذه النوعية من البرامج. كما طرحت إمكانية تقييم مضامين البرنامج في ضوء ما أثاره من جدل واسع

ويُظهر هذا التدخل البرلماني أن ما أُثير حول البرنامج لا يمكن التعامل معه كجدل عابر أو نقاش ظرفي مرتبط بحلقة تلفزيونية محددة، بل هو مؤشّر على إشكال أعمق يتصل بكيفية تشكل صورة الأسرة داخل الوعي العام عبر الوسائط الإعلامية.

فحين يتعلق الأمر ببرامج تحظى بمتابعة واسعة داخل البيوت المغربية، يصبح تأثيرها امتداداً اجتماعياً يتجاوز لحظة البث، ويؤثر في تمثلات الناس للعلاقة الزوجية نفسها، في سياق اجتماعي أصلاً يعرف تحولات حساسة وتراجعاً ملحوظاً في الإقبال على الزواج لدى فئات واسعة من الشباب. ومن هذا المنظور، لا تبدو المسألة مجرد نقاش حول محتوى ترفيهي، بل قضية تستدعي التوقف الجاد أمام ما يمكن أن تخلقه هذه الصور من تراكم رمزي قد يرسخ نظرة مضطربة للعلاقة الزوجية، بين التوتر والصدام بدل الاستقرار والتوازن.

فالمجتمع المغربي، الذي يواجه أصلاً تحديات مرتبطة بتغير أنماط العيش وارتفاع كلفة الزواج وتراجع الرغبة في الارتباط لدى بعض الفئات، لا يحتاج إلى إعادة إنتاج صور تزيد من هشاشة الثقة في مؤسسة الزواج، بقدر ما يحتاج إلى مضامين تساهم في دعمها وتوازنها. بهذا المعنى، يصبح النقاش حول هذه البرامج جزءاً من سؤال مجتمعي أوسع، يتعلق ليس فقط بما يُعرض على الشاشة، بل بما يُترك في الوعي بعد انتهاء العرض، وبما إذا كانت هذه المضامين تُسهم في ترسيخ صورة إيجابية عن الأسرة أو في تعميق التردد والقلق حولها داخل المجتمع





الاربعاء 29 أبريل 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic