كتاب الرأي

العائد الديمغرافي : المنعطف الكبير


على مدى عقود، تم تقديم الشباب وكأنه ريع جاهز للاستهلاك. نوع من «البترول البشري». ثروة طبيعية لا تحتاج الدول الفتية سوى الانتظار حتى تنفجر معها عجلة النمو، وتنبثق الابتكارات، ويتوسع الاستهلاك، ويبتسم المستقبل. الاقتصاديون يتحدثون عن «العائد الديمغرافي»، والديمغرافيون عن «نافذة الفرصة»، والسياسيون عن «الشباب، ثروة الأمة». الصيغة جميلة. مطمئنة. تمنح شعورًا بالارتياح وربما تبرئة للضمير. لكنها تخفي حقيقة أقل راحة : فالسكان الشباب ليسوا ثروة تلقائية. قد يكونون فرصة، لكنهم قد يتحولون أيضًا إلى قنبلة بطيئة. لأن ما يسمى بالعائد الديمغرافي ليس هبة من السماء، بل هو عقد



بقلم : عدنان بنشقرون

يفرض هذا العقد وجود مدرسة فعّالة، واقتصاد منتج، وصناعة قادرة على استيعاب الأيدي العاملة، وخدمات قادرة على تثمين الكفاءات، ومؤسسات قادرة على تحويل الطاقة الاجتماعية إلى ترقٍّ اجتماعي واقعي. وبدون ذلك، لا يتحول الشباب إلى عائد تنموي، بل إلى طوابير انتظار طويلة : انتظار الشغل، وانتظار السكن، وانتظار الزواج، وانتظار الكرامة، وانتظار المستقبل.
 

يُجسّد المغرب هذا التناقض بشكل واضح. فالدولة لم تعد تعيش مرحلة الانفجار الديمغرافي كما في السابق. إذ يُظهر آخر إحصاء أن عدد السكان القانونيين بلغ 36.8 مليون نسمة في فاتح شتنبر 2024، مع معدل نمو سنوي في حدود 0.85% بين 2014 و2024. وهو ما يعني أن التحول الديمغرافي بات في مساره، وأن وتيرة النمو السكاني بدأت تتباطأ، مع تسارع التمدن واتجاه الخصوبة نحو مستوى قريب من تعويض الأجيال. بمعنى آخر، نافذة الفرصة الديمغرافية ليست مفتوحة إلى الأبد، بل بدأت تُغلق تدريجياً.
 

المعضلة أن هذه النافذة تُغلق قبل أن يتم استثمار العائد الذي وُعد به بشكل كامل. سوق العمل ما زال تحت الضغط. ففي سنة 2025، حسب المندوبية السامية للتخطيط، استقر معدل النشاط في حدود 43.5%، مع ضعف كبير في مشاركة النساء التي لا تتجاوز حوالي 19%. وهذا رقم كافٍ ليفتح نقاشاً وطنياً دائماً: كيف يمكن الحديث عن عائد ديمغرافي بينما جزء واسع من الرأسمال البشري، خصوصاً النسائي، خارج سوق الشغل؟ اقتصاد لا يُشرك نساءه بشكل كافٍ، يُهدر أحد أهم محركات النمو والإنتاج والابتكار والاستقرار الاجتماعي.
 

والأكثر إثارة للقلق أن البطالة تصيب الفئات التي كان يُفترض أن تكون رافعة هذا العائد الديمغرافي: الشباب، وحاملو الشهادات، وسكان المدن. فحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، ما تزال نسب البطالة مرتفعة في صفوف الشباب ما بين 15 و24 سنة، وكذلك لدى خريجي الجامعات والنساء. وهذه ليست فئات هامشية، بل هي الفئات التي يُفترض أن تحمل مستقبل البلاد. وعندما تعجز الكفاءات الشابة عن الاندماج، فإن الأمر لا يعود مجرد إشكال اقتصادي، بل يتحول إلى أزمة ثقة في المستقبل.
 

الرقم الأكثر إيلاماً يتعلق بفئة “NEET”، أي الشباب الذين لا يشتغلون ولا يدرسون ولا يتابعون أي تكوين. فقد كشف تقرير مشترك بين المندوبية السامية للتخطيط ومنظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي، قُدم بالرباط في 14 أبريل 2026، أن المغرب سجل سنة 2023 حوالي 1.5 مليون شاب ضمن هذه الفئة، أي ما يمثل 25.6% من الشباب بين 15 و24 سنة. شاب من كل أربعة خارج التعليم والعمل والتكوين. لم تعد هذه مجرد إحصائية، بل أصبحت مؤشراً بنيوياً على خلل عميق.
 

لفترة طويلة، كان الاعتقاد سائداً بأن الزمن كفيل بتصحيح هذا الخلل، وأن النمو الاقتصادي سيستوعب الشباب تدريجياً. وأن قطاعات مثل الخدمات، والسياحة، والإدارة، ومراكز النداء، والتوزيع، والرقمنة، وريادة الأعمال ستفتح آفاقاً واسعة. لكن هذا التصور بدأ يتآكل مع تحول كبير يفرض نفسه: الذكاء الاصطناعي.
 

فالذكاء الاصطناعي لا يضيف مجرد تقنية جديدة، بل يعيد تعريف قيمة العمل نفسه. إنه يستهدف بالأساس المهام المتكررة، الإدارية، المحاسبية، التحريرية، التجارية، دعم الزبناء، معالجة الوثائق، الترجمة النمطية، إدخال البيانات، وإعداد التقارير. وهذه بالضبط هي الوظائف التي كانت تشكل عادة أول خطوة في مسار الشباب المهني. ما كان يُعتبر مدخلاً إلى سوق العمل، أصبح قابلاً للأتمتة أو الإحلال الرقمي.
 

ويقدّر صندوق النقد الدولي أن نحو 40% من الوظائف في العالم ستتأثر بالذكاء الاصطناعي، سواء عبر الاستبدال أو التحسين. وفي الاقتصادات المتقدمة تكون نسبة التأثير أعلى، بحكم كثافة الوظائف المعرفية. أما الاقتصادات الصاعدة، فهي ليست في منأى عن ذلك، بل تواجه الخطر دون امتلاك نفس قدرات التأهيل وإعادة التكوين.
 

وهنا تكمن المفارقة الجديدة : كانت الدول الشابة ترى في كثافة الشباب ميزة تنافسية. وفرة في اليد العاملة، وفرة في الطلب، وفرة في الإمكانات. لكن الذكاء الاصطناعي قلب المعادلة. لم يعد العدد هو الحاسم، بل نوعية المهارات. لم يعد السؤال: كم من الشباب نملك؟ بل: ماذا يستطيعون أن يفعلوا أفضل من الآلة أو معها؟
 

هذا التحول عميق لأنه يمس جوهر السردية التنموية. لقد قيل للشباب طويلاً: ادرسوا، احصلوا على شهادة، وادخلوا سوق العمل. ثم قيل لهم: كونوا مرنين، رقميين، مقاولين ذاتيين. واليوم يُطلب منهم ضمنياً أن ينافسوا أنظمة قادرة على إنتاج النصوص، البرمجيات، التحليلات، التصاميم، والقرارات في ثوانٍ. مستوى التحدي يرتفع في وقت ما زالت فيه المنظومات التعليمية تعاني من اختلالات بنيوية.
 

ليس المقصود أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على الوظائف بالكامل. هذا تبسيط خاطئ. بل سيخلق وظائف جديدة، ويرفع الإنتاجية، ويفتح إمكانات غير مسبوقة للمقاولات الصغيرة. لكنه في المقابل سيجعل سوق العمل أكثر قسوة وانتقائية، ويُضعف فرص الفئات المتوسطة التي كانت تعتمد على المهارات التقليدية.
 

هكذا يتغير معنى “العائد الديمغرافي”. لم يعد وجود شباب كثيرين ضمانة للنمو. بل يصبح التحدي الحقيقي هو القدرة على تحويل هذا الشباب إلى قوة إنتاجية مؤهلة. فالعائد ليس في العدد، بل في القيمة المضافة. ليس في الكتلة السكانية، بل في جودة التعليم، وفعالية التكوين، وارتباط المهارات بسوق العمل.
 

وهنا يظهر جوهر الإشكال : عدم التوازن بين المدرسة والاقتصاد، بين التكوين والطلب، بين الطموحات الرقمية والقدرات الفعلية، وبين الخطاب السياسي حول الشباب والموارد المخصصة له. إنها فجوة في “الملاءمة” أكثر منها فجوة في الأرقام.
 

الأسئلة تصبح مباشرة :

ما قيمة أي استراتيجية تنموية إذا تركت مئات الآلاف من الشباب خارج المنظومة؟

ما معنى الإصلاح الاقتصادي إذا لم يقلص من عدد الشباب غير المتمدرسين وغير العاملين؟

ما جدوى خطاب الذكاء الاصطناعي إذا لم يتحول إلى تكوين فعلي؟

وما قيمة النمو إذا لم يُترجم إلى فرص عمل حقيقية وكريمة؟

المطلوب لم يعد خطاباً جديداً حول الشباب، بل إعادة تجهيز فعلية له. عبر تحديث التكوين المهني، إدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم، ربط الجامعة بسوق العمل، دعم المقاولات المنتجة، وإدماج النساء بشكل واسع في الاقتصاد، وتقليص الفئة خارج التعليم والعمل والتكوين.
 

العائد الديمغرافي لم يمت، لكنه لم يعد هبة جاهزة. لقد تحول إلى اختبار تاريخي. والدول التي تنجح في تحويل شبابها إلى قوة إنتاج وابتكار ستكسب المستقبل. أما الأخرى، فستملك شباباً كثيرين، متصلين، واعين، لكن محاصرين اقتصادياً.
 

الخطر لم يعد في كثرة الشباب، بل في كثرة الانتظار. انتظار فرصة، انتظار عمل، انتظار اعتراف، وانتظار نظام لم يعد مصمماً لعصرهم، وهكذا يتضح أن الوهم الأكبر كان الاعتقاد بأن الديمغرافيا تعمل لصالحنا تلقائياً. في الحقيقة، كانت تمنحنا فقط مهلة زمنية. وهذه المهلة تنتهي تدريجياً، بينما الذكاء الاصطناعي يسرّع إيقاع الزمن





الاثنين 27 أبريل 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic