بقلم : عدنان ينشقرون
وكان من المفترض أن تعالج منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية هذا الخلل التاريخي. فعلى الورق، تبدو الفكرة قوية وطموحة: إنشاء سوق إفريقية موحدة، وتقليص الحواجز الجمركية، وتسهيل تنقل السلع، وتطوير سلاسل القيمة الإقليمية، ومنح الشركات الإفريقية فضاءً طبيعياً للنمو.
لكن بين الطموح والواقع تقف الطرق، والموانئ، والجمارك، والمعايير، والتأشيرات، والعملات، والإجراءات، وأحياناً حتى حالات انعدام الثقة السياسية. ففي كثير من الأحيان، يكون من الأسهل بالنسبة إلى شركة إفريقية أن تستورد من أوروبا أو آسيا، بدلاً من الاستيراد من بلد إفريقي مجاور. إنه أمر غير منطقي، لكنه لا يزال حقيقة قائمة.
لذلك، فالمشكلة ليست تجارية فقط، بل هي أيضاً لوجستية، ومالية، وإدارية، وثقافية. فعندما تصبح الحدود عائقاً أكثر منها وسيلة للربط، يبقى التكامل مجرد شعار. وعندما تكون المدفوعات العابرة للحدود معقدة، تتراجع المقاولات الصغرى والمتوسطة عن مشاريعها. وعندما تختلف المعايير من بلد إلى آخر، يتردد المصدّرون. وعندما تغيب البنيات التحتية، ترتفع التكاليف بشكل كبير.
ويمتلك المغرب في هذا السياق فرصة حقيقية للقيام بدور مؤثر. فحضوره البنكي، والصناعي، واللوجستي، والدبلوماسي في إفريقيا يمنحه موقعاً مميزاً. ويمكن للمملكة أن تساهم في بناء جسور اقتصادية أكثر واقعية، من خلال تطوير المنصات اللوجستية، والممرات التجارية، وتمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة، والتكوين، والتصنيع المحلي، والتعاون في المجالين المينائي والرقمي.
لكن ينبغي أيضاً تجنب الخطاب السهل. فلن تتحول إفريقيا إلى سوق متكاملة بمجرد توفر الإرادة السياسية. فالأمر يحتاج إلى الوقت، والثقة، وقبل كل شيء إلى نتائج ملموسة بالنسبة للمقاولات. فالمقاولة الصغرى أو المتوسطة لا تتاجر اعتماداً على البيانات الرسمية، بل تحتاج إلى نقل موثوق، ومدفوعات آمنة، ونظام ضريبي واضح، وآجال يمكن التنبؤ بها.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من التكامل المؤسساتي إلى التكامل العملي. كلمات كبيرة أقل، وشبابيك موحدة أكثر. احتفالات أقل، وشهادات منشأ تُسلَّم بسرعة أكبر. وعود أقل، وطرق أكثر، ومناطق صناعية، ومنصات رقمية، وضمانات بنكية فعالة.
كما يتعين على إفريقيا أن تتعلم تحويل جزء أكبر من إنتاجها محلياً. فما دامت تصدر المواد الخام وتعيد استيراد المنتجات النهائية، فإنها ستظل رهينة للتبعية. ويمكن للتجارة البينية الإفريقية أن تتحول إلى رافعة للتصنيع، شريطة بناء سلاسل قيمة إقليمية في مجالات مثل الصناعات الغذائية، والنسيج، والأدوية، ومواد البناء، ومكونات السيارات، والخدمات الرقمية.
وهنا تحديداً يمكن لمنطقة التجارة الحرة القارية أن تصبح أكثر من مجرد معاهدة، وأن تتحول إلى أداة لتحقيق السيادة الاقتصادية. ففي عالم يتزايد فيه التشرذم بسبب التوترات التجارية، والحروب، والتنافس التكنولوجي، لم يعد بإمكان إفريقيا أن تكتفي بكونها سوقاً تتنافس القوى الأخرى على استقطابه، بل يجب أن تصبح سوقاً منظماً.
وبالنسبة للمغرب، فإن الرهان استراتيجي. فالاندماج الإفريقي ليس خياراً رومانسياً، بل ضرورة اقتصادية. فالمملكة تبحث عن محركات جديدة للنمو، وشركاتها ترغب في أسواق جديدة، ومصارفها حاضرة بالفعل في عدد من الدول الإفريقية، كما يمكن لموانئها أن تؤدي دور مراكز لوجستية إقليمية. غير أن هذه الطموحات لن تكون ذات مصداقية إلا إذا عادت بالفائدة أيضاً على الشركاء الأفارقة، في إطار منطق التنمية المشتركة، وليس مجرد التوسع التجاري.
لذلك، ينبغي قراءة نسبة 14 في المائة باعتبارها جرس إنذار. فهي لا تعني أن إفريقيا فشلت، بل تعني قبل كل شيء أنها لم تنجح بعد في تحويل إمكاناتها إلى منظومة متكاملة. فهي تمتلك الموارد، والمستهلكين، ورواد الأعمال، والشباب، لكنها لا تزال تفتقر إلى الروابط التي تجمع كل ذلك
ويوم تصبح إفريقيا أخيراً زبوناً لنفسها، فإنها لن تغيّر فقط أرقام تجارتها، بل ستغيّر أيضاً علاقتها بالعالم.
الرئيسية















