بقلم : عدنان بنشقرون
في مونديال 2022، كان المنتخب الفرنسي هو من وضع حداً للحلم المغربي في نصف النهائي بعد الفوز بهدفين دون رد. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد. المغرب يبلغ هذا الدور بعد تأهل واضح على حساب كندا، بينما شق المنتخب الفرنسي طريقه بصعوبة إثر مباراة متكافئة أمام باراغواي. مساران مختلفان، لكنهما يلتقيان عند الهدف نفسه: تأكيد المكانة.
في قطر، بلغ أسود الأطلس حدود ما كان يبدو مستحيلاً، مدفوعين بطاقة عاطفية استثنائية. لعبوا بقلوبهم، وأحياناً بما يفوق قدراتهم البدنية، محمولين بدعم وطن كامل، وجالية واسعة، وقارة بأكملها. ورغم الإصابات والإرهاق، بدا أن الإرادة كانت أقوى من الجسد، في مسيرة قلبت كثيراً من موازين كرة القدم العالمية.
أما في نسخة 2026، فلم يعد الرهان يقتصر على صناعة الحلم، بل أصبح التحدي هو الاستمرار. وهو تحدٍّ أصعب، وأكثر تطلباً، وربما أقل رومانسية. لأن الاستمرارية تعني تحويل الإنجاز إلى منهج، والحماس إلى ثقافة، والشغف إلى تنظيم. وهذا بالضبط ما يبدو أن المغرب ينجح في ترسيخه. فلم يعد الأمر يتعلق بمجموعة بطولية ظهرت من العدم، بل بجيل تعلّم أن ينظر إلى القمم من دون تردد أو رهبة.
وهنا تكتسب مواجهة فرنسا بعداً آخر. صحيح أن تفاصيل المباراة ستُحسم بالتكتيك، والثنائيات، والفرص، والأعصاب، واللحظات الحاسمة، لكن مجرد تكرار هذا الموعد بعد أربع سنوات من الدوحة يكشف حجم التحول الذي عرفه المنتخب المغربي. فالوصول مجدداً إلى هذا الدور أمام أحد كبار العالم يعني أن المغرب لم يكن ضيفاً عابراً على المشهد العالمي، بل أصبح جزءاً ثابتاً منه.
إنه تحول عميق. فلطالما نُظر إلى المنتخبات الإفريقية على أنها قادرة على صنع المفاجأة في مناسبة واحدة، قبل أن تعود سريعاً إلى دائرة عدم الاستقرار أو نقص الخبرة أو الهشاشة التنظيمية. أما المغرب، فهو بصدد كسر هذه الصورة التقليدية، من خلال إثبات أن منتخباً إفريقياً قادر على بناء مشروع متواصل، وترسيخ هوية كروية واضحة، والتعامل مع المواعيد الكبرى باعتبارها أمراً طبيعياً لا استثنائياً.
ثم إن ما بعد 2026 يقود مباشرة إلى 2030. وهنا تبرز دلالة أخرى لا تقل أهمية. فالمغرب سيكون أحد البلدان المستضيفة لكأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، وهو القرار الذي صادقت عليه الفيفا خلال مؤتمرها الاستثنائي المنعقد في 11 دجنبر 2024. لذلك، فليس المنتخب وحده من يتقدم، بل إن كرة القدم المغربية بأكملها تدخل مرحلة جديدة من النضج والطموح.
لم تعد سنة 2030 مجرد تاريخ بعيد يرتبط بمشاريع الملاعب أو أوراش البنيات التحتية أو الخطابات الرسمية. لقد أصبحت دينامية حاضرة بالفعل. فكل مباراة يخوضها أسود الأطلس، وكل تأهل يحققونه، وكل احتفال جماهيري، يمثل خطوة إضافية نحو ذلك الموعد. فالمغرب لا يريد فقط تنظيم كأس العالم، بل يسعى إلى استضافتها وهو يملك منتخباً يحظى بالاحترام ويثير القلق لدى منافسيه.
قد تنتهي مواجهة فرنسا بانتصار تاريخي، وقد تحمل خيبة مؤلمة، فهذه هي طبيعة كرة القدم التي قد تحسمها لمسة واحدة، أو خطأ واحد، أو تسديدة ترتطم بالقائم. لكن أمراً واحداً يبدو مؤكداً: المغرب انتقل إلى مستوى جديد.
لم يعد يعيش على ذكرى الدوحة، بل يبني ما بعدها، وربما يكون هذا هو الانتصار الحقيقي. ألا يعود بحاجة إلى معجزة كي يثبت وجوده. وألا ينتظر اعتراف الآخرين بمكانته بين الكبار. وألا تُروى ملحمة 2022 باعتبارها استثناءً، بل باعتبارها البداية.
المغرب ينظر اليوم إلى فرنسا... لكنه يفكر بالفعل في 2030، وفي الحقيقة، يبدو أنه وصل إليها منذ الآن
الرئيسية















