بقلم : عبدالفتاح الصادقي
منذ الوهلة الأولى يبدو تحديد سقف للأسعار (تسقيف الأسعار)، خيارا جذابا ولكنه محفوف بالكثير من المخاطر، فهو يتضمن فرض حد أقصى للسعر لا يجوز لأي بائع تجاوزه دون الأخذ بالاعتبار المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية . ويُعتمد هذا الإجراء، غالبًا، في أوقات الأزمات للحد من الارتفاعات المفرطة في أسعار السلع الأساسية. وهو خيار مفيد على المدى القصير، بالنسبة لسياسة الدولة، ويحمي المستهلكين فورًا من الارتفاعات المفاجئة في الأسعار، كما يُمكّن السلطات من إظهار التزامها بمعالجة الصعوبات الاجتماعية.
مع ذلك، تُظهر التجارب الدولية أن تحديد الأسعار غالبًا ما يُؤدي إلى آثار سلبية عند استمراره لفترة طويلة. فعندما تنخفض الأسعار المُحددة عن التكاليف الفعلية للإنتاج أو الاستيراد، تُقلل الشركات من إنتاجها، مما يُؤدي إلى نقص في السلع، وبالتالي الإضرار باحتياجات المواطنين/ المستهلكين. وتُعد تجربة فنزويلا مثالًا يُستشهد به كثيرًا. فقد ساهمت ضوابط الأسعار الصارمة المفروضة على العديد من السلع الاستهلاكية في حدوث نقص مزمن، ونمو السوق السوداء، وتعطيل قنوات التوزيع. وبالمثل، شهدت العديد من الدول التي تبنت سياسات واسعة النطاق لتحديد الأسعار انخفاضًا في الاستثمار وتراجعًا في جودة المنتوجات. وانطلاقا مما سبق، يمكن أن يصبح تحديد الأسعار (تسقيف الأسعار) مكلفا اقتصاديا واجتماعيا عندما يثبط الإنتاج، ويقلل المنافسة، ويخلق تشوهات دائمة في السوق.
بالنسبة للخيار الثاني المتمثل في تحديد هوامش الأرباح، فيعتبر نهجا أكثر دقة ومرونة، فهو يبتعد عن تحديد الأسعار، بشكل مباشر، ويركز على الحد من هوامش الربح التي يمكن للوسطاء تطبيقها عند تسويق المنتوجات، بما لا يؤثر سلبا على القدرة الشرائية للمواطنين، وتهدف هذه الطريقة إلى منع المضاربات مع السماح للأسعار بأن تعكس التغيرات الفعلية في تكاليف الإنتاج والنقل والتوريد.
وقد جربت عدة دول هذه الآلية في قطاعات استراتيجية محددة. ففي المغرب، تركزت النقاشات بشكل منتظم على ضبط هوامش الأرباح وتحديدها في بعض القطاعات الحساسة بهدف حماية المستهلكين، بشكل أفضل، دون الإخلال بآليات السوق. وفي العديد من الدول الأوروبية، ولا سيما في قطاعي الأدوية والطاقة، تلجأ السلطات أحيانًا إلى تنظيم هوامش الأرباح بدلاً من الأسعار نفسها.
يُقدّم هذا النهج مزايا عديدة. أولًا، يحدّ من الأرباح المفرطة المُحققة خلال الأزمات أو فترات التركيز الاقتصادي المرتفع. ثانيًا، يحافظ على حوافز الإنتاج والاستثمار، حيث تستمر الشركات في تغطية تكاليفها الفعلية.
مع ذلك، فإنّ تحديد هوامش الأرباح لا يخلو من التحديات. وتعتمد فعاليته، بشكل كبير، على قدرة السلطات على مراقبة التكاليف التي تُبلغ عنها الشركات ومكافحة ممارسات التهرب الضريبي. وفي الاقتصادات التي تشهد انتشارًا واسعًا للقطاع غير الرسمي، قد تكون هذه المهمة معقدة.
ولا شك أن المقارنة بين الخيارين تمكن الرأي العام ولأصحاب القرار، على حد السواء، من معرفة النهج الأفضل الذي من المفروض اتباعه، وطبيعة جدواه الاقتصادية والاجتماعية.
من الناحية التدبيرية والإدارية، يبدو تسقيف الأسعار أسهل فهمًا، لكن الحفاظ عليه بفعالية على المدى الطويل أكثر صعوبة ومحفوف بمخاطر جمة، في حين أن تسقيف هوامش الأرباح تتطلب قدرات تحكم أكبر، لكنها عمومًا أقل تأثيرًا على حركية السوق.
من الناحية الاقتصادية، ينطوي خيار تسقيف الأسعار على مخاطر عالية لحدوث نقص في العرض واختلالات في التوازن. في المقابل، يؤثر تسقيف هوامش الأرباح على توزيع القيمة المضافة أكثر من تأثيره على آليات الإنتاج نفسها.
من منظور اجتماعي، يمكن لكلا الخيارين أن يساعدا على حماية المستهلكين. مع ذلك، يؤدي ضبط الأسعار وتحديدها إلى اضطرابات في الإمداد، ونقص في البضائع والسلع، وانتشار المضاربات، وغالبًا ما تكون الفئات ذات الدخل المنخفض أول ضحايا هذا النظام. في المقابل، يمكن لضبط هوامش الأرباح بشكل معقول أن يساعد على الحد من التجاوزات والمضاربات مع ضمان وفرة المنتوجات والمواد الاستهلاكية.
بالنسبة للدول النامية ومنها المملكة المغربية، التي اختارت اقتصاد السوق، والتي تتسم وضعيتها العامة بموارد مالية محدودة، وحساسية عالية للتقلبات الدولية، يبدو تحديد سقف عام للأسعار حلاً غير معقول من ناحية السياسة الاقتصادية، وغير مستدام من ناحية السياسة الاجتماعية، خصوصا مع اعتماد المغرب قانون حرية الأسعار والمنافسة، وتخليه عن نظام المقاصة، بعد أن ظهر أن أكبر مستفيد منه هم الأغنياء وأصحاب الدخل المرتفع، وليس الفقراء والفئات الاجتماعية الهشة وأصحاب الدخل المنخفض..
ويمكن القول إن الاستراتيجية الأكثر توازنًا والخيار الأكثر جدوى في الحالة المغربية، هو الذي يجمع بين مراقبة المنافسة، ومكافحة الاحتكارات، وتنظيم هوامش الربح في القطاعات الحساسة، وضمان الشفافية في سلاسل التوريد، وتقديم دعم موجه للفئات السكانية الأكثر هشاشة، وهو النهج الذي تم اختياره مع الدعم الاجتماعي المباشر. وفي هذه الحالة، لا ينبغي أن يكون الهدف استبدال آليات السوق، بل منع إساءة استخدامها في المضاربات التي قد تضر بالمصلحة العامة وبالقدرة الشرائية للمواطنين.
مع ذلك، تُظهر التجارب الدولية أن تحديد الأسعار غالبًا ما يُؤدي إلى آثار سلبية عند استمراره لفترة طويلة. فعندما تنخفض الأسعار المُحددة عن التكاليف الفعلية للإنتاج أو الاستيراد، تُقلل الشركات من إنتاجها، مما يُؤدي إلى نقص في السلع، وبالتالي الإضرار باحتياجات المواطنين/ المستهلكين. وتُعد تجربة فنزويلا مثالًا يُستشهد به كثيرًا. فقد ساهمت ضوابط الأسعار الصارمة المفروضة على العديد من السلع الاستهلاكية في حدوث نقص مزمن، ونمو السوق السوداء، وتعطيل قنوات التوزيع. وبالمثل، شهدت العديد من الدول التي تبنت سياسات واسعة النطاق لتحديد الأسعار انخفاضًا في الاستثمار وتراجعًا في جودة المنتوجات. وانطلاقا مما سبق، يمكن أن يصبح تحديد الأسعار (تسقيف الأسعار) مكلفا اقتصاديا واجتماعيا عندما يثبط الإنتاج، ويقلل المنافسة، ويخلق تشوهات دائمة في السوق.
بالنسبة للخيار الثاني المتمثل في تحديد هوامش الأرباح، فيعتبر نهجا أكثر دقة ومرونة، فهو يبتعد عن تحديد الأسعار، بشكل مباشر، ويركز على الحد من هوامش الربح التي يمكن للوسطاء تطبيقها عند تسويق المنتوجات، بما لا يؤثر سلبا على القدرة الشرائية للمواطنين، وتهدف هذه الطريقة إلى منع المضاربات مع السماح للأسعار بأن تعكس التغيرات الفعلية في تكاليف الإنتاج والنقل والتوريد.
وقد جربت عدة دول هذه الآلية في قطاعات استراتيجية محددة. ففي المغرب، تركزت النقاشات بشكل منتظم على ضبط هوامش الأرباح وتحديدها في بعض القطاعات الحساسة بهدف حماية المستهلكين، بشكل أفضل، دون الإخلال بآليات السوق. وفي العديد من الدول الأوروبية، ولا سيما في قطاعي الأدوية والطاقة، تلجأ السلطات أحيانًا إلى تنظيم هوامش الأرباح بدلاً من الأسعار نفسها.
يُقدّم هذا النهج مزايا عديدة. أولًا، يحدّ من الأرباح المفرطة المُحققة خلال الأزمات أو فترات التركيز الاقتصادي المرتفع. ثانيًا، يحافظ على حوافز الإنتاج والاستثمار، حيث تستمر الشركات في تغطية تكاليفها الفعلية.
مع ذلك، فإنّ تحديد هوامش الأرباح لا يخلو من التحديات. وتعتمد فعاليته، بشكل كبير، على قدرة السلطات على مراقبة التكاليف التي تُبلغ عنها الشركات ومكافحة ممارسات التهرب الضريبي. وفي الاقتصادات التي تشهد انتشارًا واسعًا للقطاع غير الرسمي، قد تكون هذه المهمة معقدة.
ولا شك أن المقارنة بين الخيارين تمكن الرأي العام ولأصحاب القرار، على حد السواء، من معرفة النهج الأفضل الذي من المفروض اتباعه، وطبيعة جدواه الاقتصادية والاجتماعية.
من الناحية التدبيرية والإدارية، يبدو تسقيف الأسعار أسهل فهمًا، لكن الحفاظ عليه بفعالية على المدى الطويل أكثر صعوبة ومحفوف بمخاطر جمة، في حين أن تسقيف هوامش الأرباح تتطلب قدرات تحكم أكبر، لكنها عمومًا أقل تأثيرًا على حركية السوق.
من الناحية الاقتصادية، ينطوي خيار تسقيف الأسعار على مخاطر عالية لحدوث نقص في العرض واختلالات في التوازن. في المقابل، يؤثر تسقيف هوامش الأرباح على توزيع القيمة المضافة أكثر من تأثيره على آليات الإنتاج نفسها.
من منظور اجتماعي، يمكن لكلا الخيارين أن يساعدا على حماية المستهلكين. مع ذلك، يؤدي ضبط الأسعار وتحديدها إلى اضطرابات في الإمداد، ونقص في البضائع والسلع، وانتشار المضاربات، وغالبًا ما تكون الفئات ذات الدخل المنخفض أول ضحايا هذا النظام. في المقابل، يمكن لضبط هوامش الأرباح بشكل معقول أن يساعد على الحد من التجاوزات والمضاربات مع ضمان وفرة المنتوجات والمواد الاستهلاكية.
بالنسبة للدول النامية ومنها المملكة المغربية، التي اختارت اقتصاد السوق، والتي تتسم وضعيتها العامة بموارد مالية محدودة، وحساسية عالية للتقلبات الدولية، يبدو تحديد سقف عام للأسعار حلاً غير معقول من ناحية السياسة الاقتصادية، وغير مستدام من ناحية السياسة الاجتماعية، خصوصا مع اعتماد المغرب قانون حرية الأسعار والمنافسة، وتخليه عن نظام المقاصة، بعد أن ظهر أن أكبر مستفيد منه هم الأغنياء وأصحاب الدخل المرتفع، وليس الفقراء والفئات الاجتماعية الهشة وأصحاب الدخل المنخفض..
ويمكن القول إن الاستراتيجية الأكثر توازنًا والخيار الأكثر جدوى في الحالة المغربية، هو الذي يجمع بين مراقبة المنافسة، ومكافحة الاحتكارات، وتنظيم هوامش الربح في القطاعات الحساسة، وضمان الشفافية في سلاسل التوريد، وتقديم دعم موجه للفئات السكانية الأكثر هشاشة، وهو النهج الذي تم اختياره مع الدعم الاجتماعي المباشر. وفي هذه الحالة، لا ينبغي أن يكون الهدف استبدال آليات السوق، بل منع إساءة استخدامها في المضاربات التي قد تضر بالمصلحة العامة وبالقدرة الشرائية للمواطنين.
الرئيسية















