كتاب الرأي

الدبلوماسية الفكرية والقوة الناعمة في النظام الدولي : منتدى طنجة للحوار نموذجا


في إطار التوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الداعية إلى تعزيز الدبلوماسية الموازية دعما وتكاملا مع الأدوار التي تضطلع بها الدبلوماسية الرسمية ، برزت أهمية الدبلوماسية الفكرية باعتبارها أحد أهم روافد القوة الناعمة للمملكة وأداة فعالة في الدفاع عن ثوابت الوطن ومقدساته ومصالحه الاستراتيجية



الدكتور إدريس قريش

وفي هذا السياق، أضحت المنتديات الفكرية والحوارية فضاءات أساسية لتبادل الأفكار وبناء جسور التواصل والتفاهم ، وللترافع الرصين حول القضايا الوطنية، مما يعزز إشعاع المغرب وتموقعه الإقليمي والدولي. 

ومن هذا المنطلق جاء إنشاء منتدى طنجة للحوار إيمانا بأهمية الدبلوماسية الفكرية في مواكبة التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، وفي الإسهام في ترسيخ قيم الحوار والانفتاح والتعايش ، وتعزيز تموقع المملكة كفاعل موثوق ومؤثر في محيطه الإقليمي والدولي. 

ويطمح المنتدى إلى أن يشكل منصة فكرية مستقلة للحوار وتبادل الرؤى، وفضاء للترافع الهادئ والمسؤول عن القضايا الوطنية بما يخدم المصالح العليا للمملكة. 

 لقدأفرزت التحولات العميقة التي يشهدها العالم منذ نهايةالحرب الباردة وسقوط الإتحاد السوفياتي، واقعا دوليا جديدا يتسم بتعدد مراكز القوة وتشابك المصالح ، وتراجع فعاليات المقاربات التقليدة وتقليص مركزيتها في تدبير العلاقات الدولية. ولم يعد النفوذ الدولي يقاس فقط بحجم القدرات العسكرية والاقتصادية، بل أصبح مرتبطا أيضا بالقدرة على إنتاج الأفكار والتأثر في الرأي العام وإقناعه، وصيانة التصورات الاستراتيجية وتوظيف أدوات القوة الناعمة في العقيدة الدبلوماسية. 

وفي ظل هذه التحولات برزت الدبلوماسية الفكرية باعتبارها أحد الأبعاد الجديدة للعلاقات الدولية ، حيث أصبحت مراكز البحث والمنتديات الفكرية وشبكات الأكاديميين والدبلوماسيين السابقين فضاءات للدبلوماسية الموازية ، تساهم في تحليل القضايا الدولية ، واستشراف الاتجاهات المستقبلية، وتوفير أرضية للحوار وتبادل الرؤى بين مختلف الفاعلين .
وتعكسهذه الدبلوماسية وعيا متزايدا بأهمية المعرفة باعتبارها مصدرا من مصادر القوة ، وبأن البلاغة والإقناع والتاثير في عالم اليوم لايتحقق فقط من خلال موازين القوة الصلبة ، وإنما أيضا عبر بناء الثقة ، وتعزيز الحوار وإنتاج الأفكار القادرة على الاختراق ومواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها النظام الدولي. 

وفي هذا السياق اكتسبت القوة الناعمة أهمية متزايدة باعتبارها قدرة الدول والمجتمعات على التأثير والإقناع من خلال الثقافة والقيم والمصداقية والثقة والانفتاح والحضور الفكري ومراكز البحث والدراسات ، باعتبارها أدوات لإنتاج المعرفة وتعزيزالتواصل بين الشعوب والثقافات ، والمساهمة في بلورة رؤى إستراتيجية حول القضايا الدولية الراهنة .

ومن هذا المنطلق يندرج منتدى طنجة للحوار ضمن هذه الدينامية الجديدة ، باعتباره مبادرة فكرية تسعى إلى الإسهام في فهم التحولات العميقة التي يعرفها النظام الدولي، وإلى توفير فضاء للحوار والتفاعل بين الخبرات الأكاديمية والدبلوماسية والفكرية ، بما يعزز ثقافة الحوار الجاد والانفتاخ على مختلف المقاربات .

ولا يقتصر دور منتدى طنجة للحوار على تنظيم اللقاءات الفكرية ، بل يهدف إلى الإسهام في ترسيخ ثقافة الحوار البناء وإنتاج أفكار ومقاربات قادرة على مواكبة رهانات المغرب الاستراتيجية بما يعزز تموقعه الدولي . كما يسعى إلى تعزيز التفكير الاستراتيجي حول القضايا المرتبطة بإعادة تشكيل النظام الدولي، والتحولات الجيوسياسية، والأمن الغذائي، والطاقة ، والبيئة، والهجرة ، والتغيرات التيكنولوجية ، ومستقبل العلاقات بين الشمال والجنوب، فضلا عن التحديات التي تواجه الأمن والاستقرار والتنمية علىالمستويين الإقليمي والدولي. 

كما ينسجم هذا التوجه مع الرؤية التي اعتمدها المغرب في سياسته الخارجية ، والقائمة على الحكمة والاعتدال والواقعية والالتزام بالقيم، وعلى تنويع الشراكات والانفتاح على مختلف الفاعلين الدوليين ، بما عزز من مصداقية وثقة شركائه، ورسخ تموقعه كفاعل مسؤول وقوة إقليمية صاعدة تمتلك قيادة حكيمة ورؤية متوازنة تجاه القضايا الدولية في عالم يتجه نحو إعادة تشكيل موازين القوى وصياغة خرائط النفوذ .

ومن هذا المنظور تشكل الدبلوماسية الفكرية والقوة الناعمة أحد المداخل الأساسية لتعزيز الحضور الدولي للمغرب، خاصة في ظل عالم يتجه نحو مزيد من التعددية والسيولة الاستراتيجية، حيث أصبحت الأفكار والمعرفة والثفة والمصداقية عناصر لا تقل أهمية عن عناصر القوة التقليدية .

وإذا كانت التحولات في النظام الدولي تفرض على الدول إعادة النظر في آليات وأدوات تأثيرها، فإن الاستثمار في الدبلوماسية الفكرية وتطوير فضاءات الحوار وإنتاج المعرفة الاستراتيجية يظل من بين الرهانات الأساسية لمواكبة هذه التحولات . وفي هذا الإطار، يبرز منتدى طنجة للحوار باعتباره مبادرة واعدة يمكن ان تسهم ، مع نضجها وتبلورها ، في تعزيز إشعاع المغرب الفكري والدبلوماسي ، وفب ترسيخ مكانة طنجة كفضاء للحوار والتفاعل الحضاري وكجسر للتواصل بين إفريقيا وأوروبا والعالم الأطلسي والمتوسطي .

وهكذا فإن قوة الدول في القرن الواحد والعشرين لن تقاس فقط بما تمتلكه من موارد مادية  ، وإنما أيضا بمت تملكه من قدرة على إنتاج الأفكار وصياغة الرؤى، وبناء جسور التفاهم والتعاون ، بما يجعل من الدبلوماسية الفكرية والقوة الناعمة أحد أهم مرتكزات النظام الدولي الجديد.




الاربعاء 24 يونيو 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic