بقلم : عدنان بنشقرون
غير أن هذا التفسير، رغم وجاهته، لا يروي القصة كاملة، فربما لا تكون الخوارزمية هي أكبر من يوجّه الرأي العام، بل يكون دماغ الإنسان نفسه.
فالمنصات الرقمية لا تخلق انحيازاتنا من العدم، وإنما تكتشفها، وتنظمها، وتحوّلها إلى نظام آلي يستثمر فيها. إنها تستغل ميولًا بشرية موجودة أصلًا: البحث عما يطمئننا، وتصديق ما نراه باستمرار، وإعطاء أهمية أكبر لما يثير الصدمة أو الغضب، والاعتقاد بأن ما يحيط بنا يمثل المجتمع بأكمله.
بمعنى آخر، الخوارزميات لا تعمل وحدها، بل تعتمد على ما نقدمه لها نحن، فكل نقرة، وكل مشاركة، وكل تعليق، وحتى كل ثانية نقضيها في مشاهدة مقطع فيديو، تشكل معلومة جديدة تساعد المنصة على فهم ما يجذب انتباهنا. لكننا لا نتفاعل دائمًا مع المحتوى الأكثر دقة أو فائدة أو توازنًا، بل غالبًا مع ما يؤكد قناعاتنا أو يثير مشاعر قوية داخلنا.
وهنا يظهر ما يعرف بـانحياز التأكيد؛ فنحن نعتقد أننا نبحث عن الحقيقة، بينما نسعى في كثير من الأحيان إلى ما ينسجم مع آرائنا المسبقة. نقرأ بسهولة التحليلات التي توافق أفكارنا، ونتابع الأشخاص الذين يشبهوننا في التفكير، ونتردد في قبول المعلومات التي تناقض رؤيتنا للعالم.
وتستخلص الخوارزميات من هذا السلوك نتيجة بسيطة : إذا كان هذا النوع من المحتوى يثير اهتمامنا، فمن الأفضل أن تعرض لنا المزيد منه، ومع مرور الوقت، تتحول صفحاتنا الشخصية إلى مرآة تعكس تفضيلاتنا، لكنها مرآة مضللة؛ لأنها لا تعكس المجتمع كما هو، بل تعكس ما اعتدنا اختياره وتكراره.
ومن هنا ينشأ وهم الإجماع. فعندما نرى الفكرة نفسها تتكرر باستمرار، نعتقد أنها تمثل رأي الأغلبية. وعندما ترددها عشرات الحسابات، نخال أنها تعبر عن موقف المجتمع كله. وإذا احتل موضوع معين شاشاتنا، نفترض أنه يشغل اهتمام الجميع.
لكن ما يبدو ظاهرًا ليس بالضرورة ممثلًا للواقع، ففي شبكات التواصل الاجتماعي، لا يكون الأكثر نشاطًا هم الأكثر عددًا، ولا الأعلى صوتًا هم الأكثر شرعية، ولا الأكثر غضبًا هم الأكثر معرفة. فقد تتمكن أقلية منظمة أو شديدة الحضور من إنتاج كم هائل من المحتوى يمنح الانطباع بأنها تمثل الرأي العام بأسره.
في المقابل، تبقى الأغلبية الصامتة بعيدة عن الأضواء. فهي تنشر قليلًا، وتعلّق نادرًا، وتميل إلى التروي والمراجعة، ولا تجد دائمًا الوقت أو الرغبة للمشاركة في كل جدل. لكن غيابها عن الشاشات لا يعني غيابها عن المجتمع.
ومع ذلك، ينسى دماغنا هذه الحقيقة تدريجيًا، فنخلط بين التكرار والأهمية، وبين الانتشار والحقيقة، وبين الظهور والأغلبية، ويتعزز هذا التشويه بآلية نفسية أخرى، تتمثل في ميل الإنسان الطبيعي إلى التفاعل مع المشاعر السلبية.
فالغضب يجذب الانتباه أكثر من الحكمة، والخوف ينتشر أسرع من الشرح، والاتهامات تحصد تفاعلًا أكبر من الأدلة، والجمل الصادمة تتداول بسهولة أكبر من التحليلات المتوازنة، كما أن مقطع فيديو مثيرًا يحقق انتشارًا أوسع من نقاش عقلاني معقد.
وتدرك المنصات الرقمية هذه الحقيقة جيدًا، لكنها ليست وحدها المسؤولة عنها؛ فهي في النهاية تستجيب لسلوك المستخدمين. فإذا تصدرت مشاعر الغضب المشهد، فلأننا نضغط عليها أكثر، وإذا سيطرت القضايا المثيرة للجدل، فلأنها تبقينا وقتًا أطول أمام الشاشات.
وهكذا ندخل في حلقة متواصلة؛ يختار الدماغ ما يؤكد قناعاته أو يثير انفعالاته، فتقوم الخوارزمية بتضخيم هذا الاختيار، ليعود ذلك التضخيم ويزيد من ترسيخ قناعاتنا. فنعتقد أننا نرى العالم كما هو، بينما لا نرى سوى نسخة مصممة خصيصًا لتناسب اهتماماتنا.
وتصبح المشكلة أخطر عندما تتحول هذه الصورة الرقمية المشوهة إلى قناعة سياسية أو اجتماعية أو ثقافية، فنسمع عبارات من قبيل : "الجميع يفكر بهذه الطريقة"، أو "الناس لم يعودوا يحتملون"، أو "المجتمع يرفض"، أو "البلد يريد"، بينما قد لا تستند هذه الأحكام سوى إلى انطباعات تشكلت داخل فضاءات رقمية محدودة.
فالموضوع الرائج ليس استفتاءً شعبيًا، والكلمة الأكثر تداولًا ليست استطلاعًا للرأي، وآلاف التعليقات لا تمثل بالضرورة موقف المجتمع، لهذا، فإن القضية ليست تكنولوجية فقط، بل فكرية أيضًا.
نحن بحاجة إلى أن نتعلم من جديد التشكيك فيما تعرضه علينا صفحاتنا الشخصية، وأن نميز بين الرأي العام الحقيقي والرأي الأكثر ظهورًا، وأن نعود إلى مقارنة المصادر المختلفة، والخروج من دوائرنا الرقمية المغلقة، والإقرار بأن المجتمعات أكثر تعقيدًا من المحتوى الذي يمر أمام أعيننا.
ولا يعني ذلك إعفاء المنصات الرقمية من مسؤوليتها، فهي تتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية بسبب تصميمها لأنظمة تقوم على جذب الانتباه وتعظيم التفاعل، كما أنها تدرك جيدًا أن الانفعالات البشرية والانقسامات تحقق لها مكاسب أكبر من النقاش الهادئ والمتوازن.
لكننا لن ننجح في فهم المشكلة إذا ألقينا اللوم كله على الآلة، فالخوارزميات ليست ساحرًا يفرض علينا واقعًا جديدًا، بل هي مجرد مكبر للصوت. إنها تبني، اعتمادًا على ردود أفعالنا وسلوكنا، واقعًا يشبهنا إلى درجة تجعلنا نعتقد أنه يمثل العالم بأسره.
وربما يبدأ أخطر أشكال التلاعب بالرأي العام في اللحظة التي يخلط فيها الإنسان بين انعكاس قناعاته الشخصية... وبين حقيقة المجتمع كله
الرئيسية















