تفتقر البيانات الرسمية في المغرب إلى إحصاء دقيق لعدد الأشخاص المتأثرين باضطراب طيف التوحد، وهو ما يمثل فجوة كبيرة في فهم حجم الظاهرة داخل المملكة. غير أن تقديرات بعض الجمعيات المتخصّصة تشير إلى أن عدد المصابين بطيف التوحد في المغرب قد يصل إلى حوالي 740 ألف شخص، وهو رقم يستند إلى معطيات ميدانية غير رسمية ولكنها تعبّر عن مدى انتشار الحاجة إلى خدمات الدعم والتشخيص والتأهيل. غياب الإحصاءات الرسمية يجعل من الصعب على صانعي القرار تقييم الاحتياجات بشكل موضوعي وتوجيه الموارد بشكل ملائم، كما يحدّ من قدرة الباحثين على تحليل التوزيع الجغرافي والعمري لهذا الاضطراب.
من أكبر التحديات التي تواجه الأسر المغربية هي نقص الوعي العام بالتوحد، إذ لا يزال كثير من الأهالي يربطون بين التأخر في الكلام أو السلوكيات الغريبة وبين “العناد” أو “التربية غير السليمة”، بدلاً من ربطها بأعراض عصبية تتطلب تدخلات مبكرة. هذه النظرة التقليدية أحيانًا تمنع التعرف المبكر على الحالة، ما يؤدي إلى تأخر في الاستفادة من برامج التدخل المبكر، التي أثبتت دراسات عالمية أنها تؤثّر بشكل إيجابي كبير في تطوّر مهارات الطفل التواصلية والاجتماعية والمعرفية إذا بدأت في سن مبكر.
لا تكمن الصعوبة فقط في التشخيص، بل تمتد إلى الافتقار إلى بنية تحتية قوية للدعم والعلاج؛ فالمراكز المتخصصة في التوحد قليلة للغاية في المغرب، ومتركزة غالبًا في المدن الكبرى مثل الرباط والدار البيضاء والرباط، بينما تعاني الجهات الداخلية والأرياف من ندرة شبه كاملة في هذه الخدمات. وهذا يفرض على الأسر تنقلات طويلة وتكاليف مالية إضافية كثيرة لتأمين ما يحتاجه الطفل من جلسات علاجية وتربوية، في وقت لا تزال فيه أغلب البرامج المتاحة تظل في القطاع الخاص، الذي قد لا يستطيع كثير من الأسر تحمّل تكاليفه الباهظة.
وبينما تسعى بعض الجمعيات المدنية إلى تنظيم حملات توعية وتقديم دعم نفسي وتربوي للأسر، فإنها غالبًا ما تعمل بمصادر محدودة وقدرات متواضعة مقارنة بحجم الطلب. ومع ذلك، ظهرت مؤخرًا مبادرات من شأنها أن تضع التوحد على الخريطة الوطنية عبر إطلاق برامج عمل بالتعاون مع الجهات الدولية والخبراء في هذا المجال، تهدف إلى تحسين التشخيص وتأهيل الطواقم التعليمية وتدريب الأخصائيين، وهو ما يمثل خطوة إيجابية في اتجاه سياسات أكثر استدامة.
ولا يمكن الحديث عن واقع التوحد في المغرب دون ذكر التحدي الثقافي والاجتماعي الذي يحيط به. ففي كثير من المناطق، لا يزال التوحد محاطًا ببعض الصور النمطية والاعتقادات الخاطئة، ما يجعل بعض الأسر تخشى الاعتراف بحالة طفلها خوفًا من وصمة العار أو الحكم الاجتماعي. هذه النظرة لا تؤثر فقط على الأفراد أنفسهم، بل تمتد إلى النظام التعليمي الذي يجد صعوبة في إدماج هؤلاء الأطفال في مدارس عمومية مجهزة للتعامل مع احتياجاتهم، وهو ما يدفع بالعديد من الأسر إلى البحث عن حلول خاصة أو تعليم منزلي.
أحد أبرز المطالب التي يكررها المختصون والأهالي معًا هو تشجيع التشخيص المبكر، لما له من تأثير قوي على مسار الطفل في المستقبل. التشخيص المبكر لا يعتبر هدفًا طبيًا فقط، بل هو بداية لرحلة من الدعم النفسي والتربوي والاجتماعي يمكن أن تغيّر كثيرًا من فرص الطفل في الحياة، من القدرة على التواصل إلى اكتساب مهارات تؤهله للمشاركة الفاعلة في المجتمع.
يبقى التوحد في المغرب قضية وطنية تستدعي تدخلًا منسّقًا بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص. فإعداد استراتيجية وطنية واضحة يشمل تحديث أساليب التشخيص، وتوسيع شبكة الخدمات، وتدريب الأطر التربوية والصحية، وكذلك إطلاق برامج دعم للأسرة اقتصاديًا ونفسيًا، يعد خطوة أساسية نحو بناء مجتمع أكثر شمولية وعدالة. وفي هذا السياق، يشكّل اليوم العالمي للتوحد مناسبة ليس فقط للتذكير، بل لدفع النقاش العمومي نحو سياسات فعلية تضمن حقوق الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد في التعليم والرعاية الصحية والاندماج الاجتماعي.
الرئيسية





















































