بقلم عدنان بنشقرون
يبدو أن العطلة الصيفية كانت ممتعة بشكل استثنائي هذا العام، فمنذ صدور البرنامجين الاقتصاديين لحزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، ونحن ننتظر أن تتحرك تلك الآلة النقدية التي اعتدنا عليها. نبحث عنها في البرامج التلفزيونية، والبودكاست، والإذاعات، والأعمدة الاقتصادية، والحوارات الأسبوعية، علنا نعثر على ما يمكن تسميته «دائرة العقلانية» وهي تستعد لتفكيك الوعود الانتخابية بالأرقام والفرضيات والتحذيرات المعتادة.
تعرفون هذا العالم الصغير شديد الجدية الذي يذكرنا، أحد عشر شهرا في السنة، بالثوابت التي لا ينبغي للاقتصاد أن يحيد عنها: العجز، والدين، والتنافسية، والإنتاجية، وكلفة العمل، والتوازن المالي، وجاذبية الاستثمار، واستدامة النفقات العمومية، وضرورة عدم إرسال إشارات سلبية إلى السوق، والحذر في ما يتعلق بالأجور، والإصلاحات الهيكلية، وإصلاح أنظمة التقاعد، والأسعار الحقيقية. باختصار، كل تلك المفاهيم التي تشكل طقوس الاقتصاد «العقلاني».
ثم جاءت انتخابات 2026، فجأة، وجدنا أمامنا برنامجين اقتصاديين يتضمنان مساعدات مباشرة، ورفع المعاشات، وإعفاءات وتخفيضات ضريبية، ودعما للسكن، وائتمانات ضريبية، وإجراءات لحماية القدرة الشرائية، وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية، وآليات للعودة إلى سوق الشغل، والتزامات مالية كبيرة.
وكان المتوقع، في مثل هذه الحالة، أن ترتفع الأصوات.
لكن شيئا من ذلك لم يحدث.
الصمت.
ربما نسي خبراء الاقتصاد السائد العودة من عطلتهم.
غريب. كم هو غريب.
ومع ذلك، فإن المادة التي تستحق النقاش ليست قليلة، فحزب الأصالة والمعاصرة يقترح جهدا ماليا إضافيا بقيمة 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات. نعم، 350 مليار درهم، وليس 3.5 مليارات. ويخصص من هذا المبلغ 150 مليار درهم للقدرة الشرائية، و100 مليار للمواطنة والخدمات، و50 مليار للشباب، و50 مليار للسيادة الاستراتيجية.
ولا يقتصر الأمر على ذلك. فالحزب يتعهد بوضع حد أدنى للدعم الاجتماعي المباشر، ورفع الحد الأدنى للمعاشات، وإجراء إصلاح موسع للضريبة على الدخل، واعتماد آليات مرتبطة بالكهرباء، وتقديم مساعدات للسكن، فضلا عن حزمة واسعة من السياسات الرامية إلى إعادة توزيع الدخل.
أما التجمع الوطني للأحرار، فيضع بدوره القدرة الشرائية والخدمات العمومية والتشغيل في صلب برنامجه. ويقترح ربط بعض المساعدات بالتضخم، واعتماد ائتمان ضريبي لتغطية نفقات التمدرس، وإعادة تقييم المعاشات، وتحسين حماية العمال الموسميين، وتعزيز آليات العودة إلى سوق الشغل، ومنح قروض إنتاجية بدون فوائد، وصولا إلى رفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم.
في ظروف كهذه، كان يفترض أن تتحول البرامج الحوارية إلى ورشات للنقاش الاقتصادي. كنا ننتظر الرسوم البيانية، والمنحنيات، والجداول المقارنة، وخبراء يراجعون الفرضيات ويحسبون الكلفة ويطرحون الأسئلة الصعبة.
كان يفترض أن نسمع مثلا: ماذا عن أثر المزاحمة؟ ماذا عن العجز؟ ماذا عن التضخم؟ ماذا عن كلفة العمل والتنافسية والتشغيل؟ ومن أين سيأتي التمويل؟لكن يبدو أن الجوقة المعتادة التي تحذر من كل شيء قد فقدت بعض أصواتها.
أين اختفى الانضباط المالي؟
هناك سؤال بسيط جدا كان يفترض أن يكون في مقدمة كل نقاش: من سيدفع؟
يعتمد حزب الأصالة والمعاصرة، في جانب من تمويل التزاماته، على مداخيل إضافية يفترض أن يتيحها تحقيق نمو اقتصادي أقوى. وهذه فرضية ممكنة، بطبيعة الحال. لكن النمو الاقتصادي ليس خط ائتمان يمكن السحب منه مسبقا. فهو يتوقف على الاستثمار والإنتاجية والتشغيل، كما يتأثر بالظرفية الاقتصادية الدولية والتجارة الخارجية وأسعار الطاقة والمناخ والسياحة والصادرات وأسعار الفائدة، فضلا عن عوامل أخرى لا يمكن التحكم فيها بالكامل.
ولهذا، فإن بناء التزامات مالية كبيرة اليوم على أساس مداخيل يفترض أن تتحقق غدا كان يفترض، على الأقل، أن يفتح بابا واسعا للنقاش.
ماذا يحدث إذا بلغ النمو 3.5% بدلا من 5%؟ ماذا لو نمت المداخيل الضريبية بوتيرة أبطأ من المتوقع؟ كيف سيتطور العجز في هذه الحالة؟ وما حجم النفقات الجديدة
التي ستصبح التزامات دائمة على الدولة؟ وما الذي يرتبط بالظرفية ويمكن التراجع عنه؟ وإذا لم تتحقق المداخيل المنتظرة، فمن أين سيأتي التمويل؟
ليست هذه أسئلة استثنائية أو معقدة. إنها ببساطة الأسئلة التي يفترض أن يطرحها أي نقاش اقتصادي جدي، لكنها تبدو أقل حضورا بكثير في شتنبر 2026، وهنا يبرز سؤال آخر: هل أصبح العجز مقبولا عندما يتعلق الأمر بالانتخابات؟
الأمر مثير للاهتمام فعلا. فعندما ترفع حكومة نفقاتها خلال ولايتها، لا نتأخر في التذكير بضرورة الحفاظ على استدامة المالية العمومية. وعندما تطالب نقابة بزيادة في الأجور، سرعان ما يظهر من يحدثنا عن الإنتاجية. وعندما تطلب مقاولة دعما، نجد من يسأل عن الكفاءة والجدوى الاقتصادية.
لكن عندما يأتي برنامج انتخابي محملا بعشرات المليارات من الدراهم، تتغير اللغة فجأة. نصبح أمام الطموح، والعدالة الاجتماعية، والقدرة الشرائية، والعقد الاجتماعي الجديد.
لا مشكلة في هذه الأهداف من حيث المبدأ. فمن حق أي حزب أن يقترح سياسات اجتماعية طموحة، ومن حق الناخبين أن يطالبوا بتحسين مستوى معيشتهم. لكن الاقتصاد لا يدخل في عطلة خلال الحملة الانتخابية. فالدرهم الذي يتم التعهد بإنفاقه في 10 شتنبر سيظل بحاجة إلى تمويل في 10 أكتوبر، بعد انتهاء الانتخابات وانتهاء الشعارات.
ثم هناك سؤال يرنبط بسياسة العرض، لسنوات، ظل عدد كبير من الاقتصاديين يكررون أن المغرب يحتاج إلى مزيد من الاستثمار، ومزيد من الإنتاج، ومزيد من التصدير، ومزيد من الإنتاجية، ومناخ أعمال أفضل، ومقاولات أكثر قدرة على النمو والمنافسة.
جيد.لكن ماذا يحدث الآن؟
البرنامجان محل النقاش يدفعان بوضوح نحو دعم الطلب الداخلي وتعزيز القدرة الشرائية، وهو خيار يستحق نقاشا اقتصاديا حقيقيا، لا مجرد موقف سياسي مؤيد أو معارض.
فزيادة القدرة الشرائية يمكن أن تدعم الاستهلاك والنمو، لكن أثرها على الاقتصاد الوطني يتوقف أيضا على طبيعة هذا الاستهلاك. فإذا حصلت الأسر على دخل إضافي وأنفقت جزءا منه على سلع مستوردة، فإن جزءا من هذا الطلب الجديد سيذهب مباشرة إلى الخارج، بدلا من أن يتحول إلى إنتاج إضافي داخل الاقتصاد المغربي.
ومن هنا يأتي السؤال البسيط: كم درهما إضافيا من الاستهلاك سيولد فعلا درهما إضافيا من الإنتاج المغربي؟
أين هي المحاكاة الاقتصادية؟ أين هي تقديرات المضاعف؟ أين النقاش حول أثر هذه السياسات على الميزان التجاري؟ وأين الاقتصاديون؟ما زالوا في عطلة؟
ثم نصل إلى الحد الأدنى للأجور،5000 درهم، يمكن اعتبارها، بالمعنى الانتخابي، الكرزة فوق الكعكة : لا يتعلق النقاش هنا بما إذا كان الأجراء يستحقون دخلا أفضل، بالطبع يستحقون ذلك. لكن السؤال الاقتصادي مختلف تماما: ما أثر زيادة بهذا الحجم في الحد الأدنى للأجور على الأسعار، والتشغيل، والقطاع غير المهيكل، والمقاولات الصغيرة جدا، والمناولة، وهيكلة الأجور داخل الشركات؟
هذا بالضبط هو النوع من الملفات الذي يفترض أن يفتح نقاشا اقتصاديا واسعا، بحضور خبراء ومختصين، وفي حلقات وبرامج وبودكاستات وتحليلات تستعرض الفرضيات والآثار المحتملة.
لكننا ما زلنا ننتظر، ربما تكمن المشكلة ببساطة في أن النقاش أصبح سياسيا أكثر مما هو اقتصاديا. فانتقاد بعض الوعود الانتخابية قد يضع صاحبه فورا في موقف محرج: «أنتم ضد القدرة الشرائية»، وهذه تهمة كفيلة بإرباك أي خبير اقتصادي يظهر في الإعلام.
فالحديث عن الانضباط المالي يكون أسهل بكثير في فبراير، حين لا يكون أحد مقبلا على التصويت في الأسبوع الموالي. أما في شتنبر، فإن المفاهيم الاقتصادية نفسها تصبح شديدة الحساسية من الناحية الانتخابية.
وهكذا، نبدأ في التحفظ، وتأجيل الأحكام، ووضع الأمور في سياقها، وربما ننتظر إلى غاية 24 شتنبر حتى نتذكر فجأة أن للاقتصاد أيضا قيوده وقواعده، ومع ذلك، سنحتاج إلى الاقتصاديين بعد الانتخابات كما نحتاج إليهم قبلها. فبلد لا يستطيع أن يبني سياسته الاقتصادية على حسن النوايا وحده. لا بد من الحساب والمقارنة والموازنة والتقييم وترتيب الأولويات.
وأحيانا يكون من الضروري أيضا أن نقول إن فكرة اجتماعية ممتازة قد تترتب عنها كلفة اقتصادية ينبغي توقعها والتخطيط لها مسبقا، وهذا هو الدور الحقيقي للاقتصاديين: ليس منح الأحزاب نقاطا جيدة أو سيئة، وإنما طرح الأسئلة التي تفضل الحملات الانتخابية، بطبيعتها، تجنبها: كم ستكلف هذه الإجراءات؟ من سيمولها؟ إلى متى يمكن الاستمرار فيها؟ ما آثارها؟ وماذا سيحدث إذا لم تتحقق الفرضيات التي بنيت عليها؟ هذه هي «دائرة العقلانية» التي نحتاج إليها فعلا.
ولذلك، ربما آن الأوان لأعضائها أن يغلقوا حقائبهم. لقد انتهت العطلة تقريبا، وحان وقت العودة إلى العمل، لكن يبدو أن أرباب العمل لا يزالون صامتين.
والنقابات نفسها لا تبدو مستوعبة بعد حجم الوعود التي تتضمنها البرامج الانتخابية، أما خبراء الاقتصاد السائد، فيبدو أنهم قرروا تمديد إجازتهم.
حتى يخيل إلينا أن أكبر برنامج اقتصادي في هذه الحملة الانتخابية أصبح، في نهاية المطاف هو الصمت.
غريب.
كم هو غريب.
ثم جاءت انتخابات 2026، فجأة، وجدنا أمامنا برنامجين اقتصاديين يتضمنان مساعدات مباشرة، ورفع المعاشات، وإعفاءات وتخفيضات ضريبية، ودعما للسكن، وائتمانات ضريبية، وإجراءات لحماية القدرة الشرائية، وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية، وآليات للعودة إلى سوق الشغل، والتزامات مالية كبيرة.
وكان المتوقع، في مثل هذه الحالة، أن ترتفع الأصوات.
لكن شيئا من ذلك لم يحدث.
الصمت.
ربما نسي خبراء الاقتصاد السائد العودة من عطلتهم.
غريب. كم هو غريب.
ومع ذلك، فإن المادة التي تستحق النقاش ليست قليلة، فحزب الأصالة والمعاصرة يقترح جهدا ماليا إضافيا بقيمة 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات. نعم، 350 مليار درهم، وليس 3.5 مليارات. ويخصص من هذا المبلغ 150 مليار درهم للقدرة الشرائية، و100 مليار للمواطنة والخدمات، و50 مليار للشباب، و50 مليار للسيادة الاستراتيجية.
ولا يقتصر الأمر على ذلك. فالحزب يتعهد بوضع حد أدنى للدعم الاجتماعي المباشر، ورفع الحد الأدنى للمعاشات، وإجراء إصلاح موسع للضريبة على الدخل، واعتماد آليات مرتبطة بالكهرباء، وتقديم مساعدات للسكن، فضلا عن حزمة واسعة من السياسات الرامية إلى إعادة توزيع الدخل.
أما التجمع الوطني للأحرار، فيضع بدوره القدرة الشرائية والخدمات العمومية والتشغيل في صلب برنامجه. ويقترح ربط بعض المساعدات بالتضخم، واعتماد ائتمان ضريبي لتغطية نفقات التمدرس، وإعادة تقييم المعاشات، وتحسين حماية العمال الموسميين، وتعزيز آليات العودة إلى سوق الشغل، ومنح قروض إنتاجية بدون فوائد، وصولا إلى رفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم.
في ظروف كهذه، كان يفترض أن تتحول البرامج الحوارية إلى ورشات للنقاش الاقتصادي. كنا ننتظر الرسوم البيانية، والمنحنيات، والجداول المقارنة، وخبراء يراجعون الفرضيات ويحسبون الكلفة ويطرحون الأسئلة الصعبة.
كان يفترض أن نسمع مثلا: ماذا عن أثر المزاحمة؟ ماذا عن العجز؟ ماذا عن التضخم؟ ماذا عن كلفة العمل والتنافسية والتشغيل؟ ومن أين سيأتي التمويل؟لكن يبدو أن الجوقة المعتادة التي تحذر من كل شيء قد فقدت بعض أصواتها.
أين اختفى الانضباط المالي؟
هناك سؤال بسيط جدا كان يفترض أن يكون في مقدمة كل نقاش: من سيدفع؟
يعتمد حزب الأصالة والمعاصرة، في جانب من تمويل التزاماته، على مداخيل إضافية يفترض أن يتيحها تحقيق نمو اقتصادي أقوى. وهذه فرضية ممكنة، بطبيعة الحال. لكن النمو الاقتصادي ليس خط ائتمان يمكن السحب منه مسبقا. فهو يتوقف على الاستثمار والإنتاجية والتشغيل، كما يتأثر بالظرفية الاقتصادية الدولية والتجارة الخارجية وأسعار الطاقة والمناخ والسياحة والصادرات وأسعار الفائدة، فضلا عن عوامل أخرى لا يمكن التحكم فيها بالكامل.
ولهذا، فإن بناء التزامات مالية كبيرة اليوم على أساس مداخيل يفترض أن تتحقق غدا كان يفترض، على الأقل، أن يفتح بابا واسعا للنقاش.
ماذا يحدث إذا بلغ النمو 3.5% بدلا من 5%؟ ماذا لو نمت المداخيل الضريبية بوتيرة أبطأ من المتوقع؟ كيف سيتطور العجز في هذه الحالة؟ وما حجم النفقات الجديدة
التي ستصبح التزامات دائمة على الدولة؟ وما الذي يرتبط بالظرفية ويمكن التراجع عنه؟ وإذا لم تتحقق المداخيل المنتظرة، فمن أين سيأتي التمويل؟
ليست هذه أسئلة استثنائية أو معقدة. إنها ببساطة الأسئلة التي يفترض أن يطرحها أي نقاش اقتصادي جدي، لكنها تبدو أقل حضورا بكثير في شتنبر 2026، وهنا يبرز سؤال آخر: هل أصبح العجز مقبولا عندما يتعلق الأمر بالانتخابات؟
الأمر مثير للاهتمام فعلا. فعندما ترفع حكومة نفقاتها خلال ولايتها، لا نتأخر في التذكير بضرورة الحفاظ على استدامة المالية العمومية. وعندما تطالب نقابة بزيادة في الأجور، سرعان ما يظهر من يحدثنا عن الإنتاجية. وعندما تطلب مقاولة دعما، نجد من يسأل عن الكفاءة والجدوى الاقتصادية.
لكن عندما يأتي برنامج انتخابي محملا بعشرات المليارات من الدراهم، تتغير اللغة فجأة. نصبح أمام الطموح، والعدالة الاجتماعية، والقدرة الشرائية، والعقد الاجتماعي الجديد.
لا مشكلة في هذه الأهداف من حيث المبدأ. فمن حق أي حزب أن يقترح سياسات اجتماعية طموحة، ومن حق الناخبين أن يطالبوا بتحسين مستوى معيشتهم. لكن الاقتصاد لا يدخل في عطلة خلال الحملة الانتخابية. فالدرهم الذي يتم التعهد بإنفاقه في 10 شتنبر سيظل بحاجة إلى تمويل في 10 أكتوبر، بعد انتهاء الانتخابات وانتهاء الشعارات.
ثم هناك سؤال يرنبط بسياسة العرض، لسنوات، ظل عدد كبير من الاقتصاديين يكررون أن المغرب يحتاج إلى مزيد من الاستثمار، ومزيد من الإنتاج، ومزيد من التصدير، ومزيد من الإنتاجية، ومناخ أعمال أفضل، ومقاولات أكثر قدرة على النمو والمنافسة.
جيد.لكن ماذا يحدث الآن؟
البرنامجان محل النقاش يدفعان بوضوح نحو دعم الطلب الداخلي وتعزيز القدرة الشرائية، وهو خيار يستحق نقاشا اقتصاديا حقيقيا، لا مجرد موقف سياسي مؤيد أو معارض.
فزيادة القدرة الشرائية يمكن أن تدعم الاستهلاك والنمو، لكن أثرها على الاقتصاد الوطني يتوقف أيضا على طبيعة هذا الاستهلاك. فإذا حصلت الأسر على دخل إضافي وأنفقت جزءا منه على سلع مستوردة، فإن جزءا من هذا الطلب الجديد سيذهب مباشرة إلى الخارج، بدلا من أن يتحول إلى إنتاج إضافي داخل الاقتصاد المغربي.
ومن هنا يأتي السؤال البسيط: كم درهما إضافيا من الاستهلاك سيولد فعلا درهما إضافيا من الإنتاج المغربي؟
أين هي المحاكاة الاقتصادية؟ أين هي تقديرات المضاعف؟ أين النقاش حول أثر هذه السياسات على الميزان التجاري؟ وأين الاقتصاديون؟ما زالوا في عطلة؟
ثم نصل إلى الحد الأدنى للأجور،5000 درهم، يمكن اعتبارها، بالمعنى الانتخابي، الكرزة فوق الكعكة : لا يتعلق النقاش هنا بما إذا كان الأجراء يستحقون دخلا أفضل، بالطبع يستحقون ذلك. لكن السؤال الاقتصادي مختلف تماما: ما أثر زيادة بهذا الحجم في الحد الأدنى للأجور على الأسعار، والتشغيل، والقطاع غير المهيكل، والمقاولات الصغيرة جدا، والمناولة، وهيكلة الأجور داخل الشركات؟
هذا بالضبط هو النوع من الملفات الذي يفترض أن يفتح نقاشا اقتصاديا واسعا، بحضور خبراء ومختصين، وفي حلقات وبرامج وبودكاستات وتحليلات تستعرض الفرضيات والآثار المحتملة.
لكننا ما زلنا ننتظر، ربما تكمن المشكلة ببساطة في أن النقاش أصبح سياسيا أكثر مما هو اقتصاديا. فانتقاد بعض الوعود الانتخابية قد يضع صاحبه فورا في موقف محرج: «أنتم ضد القدرة الشرائية»، وهذه تهمة كفيلة بإرباك أي خبير اقتصادي يظهر في الإعلام.
فالحديث عن الانضباط المالي يكون أسهل بكثير في فبراير، حين لا يكون أحد مقبلا على التصويت في الأسبوع الموالي. أما في شتنبر، فإن المفاهيم الاقتصادية نفسها تصبح شديدة الحساسية من الناحية الانتخابية.
وهكذا، نبدأ في التحفظ، وتأجيل الأحكام، ووضع الأمور في سياقها، وربما ننتظر إلى غاية 24 شتنبر حتى نتذكر فجأة أن للاقتصاد أيضا قيوده وقواعده، ومع ذلك، سنحتاج إلى الاقتصاديين بعد الانتخابات كما نحتاج إليهم قبلها. فبلد لا يستطيع أن يبني سياسته الاقتصادية على حسن النوايا وحده. لا بد من الحساب والمقارنة والموازنة والتقييم وترتيب الأولويات.
وأحيانا يكون من الضروري أيضا أن نقول إن فكرة اجتماعية ممتازة قد تترتب عنها كلفة اقتصادية ينبغي توقعها والتخطيط لها مسبقا، وهذا هو الدور الحقيقي للاقتصاديين: ليس منح الأحزاب نقاطا جيدة أو سيئة، وإنما طرح الأسئلة التي تفضل الحملات الانتخابية، بطبيعتها، تجنبها: كم ستكلف هذه الإجراءات؟ من سيمولها؟ إلى متى يمكن الاستمرار فيها؟ ما آثارها؟ وماذا سيحدث إذا لم تتحقق الفرضيات التي بنيت عليها؟ هذه هي «دائرة العقلانية» التي نحتاج إليها فعلا.
ولذلك، ربما آن الأوان لأعضائها أن يغلقوا حقائبهم. لقد انتهت العطلة تقريبا، وحان وقت العودة إلى العمل، لكن يبدو أن أرباب العمل لا يزالون صامتين.
والنقابات نفسها لا تبدو مستوعبة بعد حجم الوعود التي تتضمنها البرامج الانتخابية، أما خبراء الاقتصاد السائد، فيبدو أنهم قرروا تمديد إجازتهم.
حتى يخيل إلينا أن أكبر برنامج اقتصادي في هذه الحملة الانتخابية أصبح، في نهاية المطاف هو الصمت.
غريب.
كم هو غريب.
الرئيسية
















