بقلم: سارة البوفي
منذ صافرة البداية، لم يكن أحد يجلس حقًا على مقعده. كنا جميعًا نقف في الداخل، حتى وإن بقينا جالسين أمام شاشات التلفاز. كانت القلوب هي التي تلعب، وكانت الأنفاس تُحتسب بالدقائق، وكانت أعيننا تتعلق بجلدة من هواء، لكنها في تلك الليلة كانت تحمل وطنًا بأكمله.
في البيوت المغربية، كان الصمت يسبق كل هجمة، ثم ينفجر بالدعاء. في المقاهي، كانت الطاولات تتحول إلى مدرجات، والغريب يصير أخًا للغريب. في الملاعب، كانت الحناجر ترفض التعب. وكان الجميع يؤجل الحياة قليلًا حتى يعرف إلى أين ستذهب الكرة.
أما في الشوارع، فكان هناك من لم يحتمل المشاهدة أصلًا. اكتفى بالوقوف خارج المقاهي أو قرب النوافذ، يلتقط الأخبار من صيحات الناس، وأصوات المعلقين، لأن دقات قلبه كانت أعلى من أن تسمح له بالنظر إلى الشاشة.
ولعل الوطنية لا تُقاس بعدد الأعلام التي نرفعها، ولا بالشعارات التي نرددها، بل بتلك اللحظات التي نهزم فيها النعاس من أجل وطن، ونؤجل النوم لأن قلوبنا ترفض أن تغيب عن لحظة قد يُكتب فيها مجده. فما الذي يدفع إنسانًا إلى السهر حتى ساعات الفجر، وإلى أن يعيش توترًا لا يعنيه شخصيًا؟ إنه ذلك الانتماء الذي لا يفسره العقل، بل يسكن القلب، حتى تصبح كرة صغيرة قادرة على حمل أحلام شعب بأكمله.
وهناك… في المدرجات.
يا لهذا الجمهور!
كلما تقدم المنتخب الهولندي خطوة، تقدم الجمهور المغربي عشر خطوات في التشجيع. لم يكن يصفق لفريق متفوق، بل كان يبعث الحياة في فريق يقاتل. لم تتوقف الحناجر عن ترديد “سير… سير… سير”، وكأنها لم تكن تهتف للاعبين وحدهم، بل كانت تقول لنا نحن أيضًا: لا تستسلموا.
أدرك الجمهور قبل الجميع أن بعض المباريات لا تُربح بالقدمين وحدهما، وإنما بالأمل.
وفي وسط هذا البحر الأحمر من الأصوات، وقف وهبي مختلفًا.
لم يصرخ.
لم يستسلم للانفعال الذي كان يبتلع الملايين خلف الشاشات.
كان يقف كما يقف قبطان يعرف أن البحر هائج، لكن السفينة لن تغرق. عيناه لا تبحثان عن مذنب، بل عن حل. يقرأ تفاصيل المباراة بهدوء، يحرك القطع كما يحرك لاعب الشطرنج جنوده، ويزرع الثقة في لاعبيه بنظرة، ويبعث إليهم الطمأنينة بإشارة، ويؤمن بأن لكل مأزق مخرجًا، ولكل خطة بديلًا، ولكل لاعب لحظة قد يصبح فيها بطلًا.
وهكذا تكون القيادة.
أن تمنح الآخرين هدوءك حين يفقدون هدوءهم.
أما خط الدفاع، فقد كان جدارًا يعرف معنى التضحية. أجساد تتلقى الصدمات، وأقدام تقطع الكرات، ورؤوس تلقي بنفسها في وجه التسديدات، وكأنها تقول: لن تمروا إلا فوق أحلامنا.
وفي الوسط، كان العيناوي لوحةً أخرى من الإبداع. لم يكن يركض فقط، بل كان يفكر وهو يركض. يربط الخطوط، ويستعيد الكرات، ويصنع المساحات، ويمنح زملاءه أنفاسًا جديدة كلما ضاقت المباراة. كان قلبًا نابضًا في منتصف الميدان، وعقلًا يقرأ إيقاع اللقاء قبل أن تصل إليه الكرة.
أما المهاجمون، فلم يكونوا مجرد باحثين عن هدف، بل كانوا أول المدافعين عن القميص. يضغطون، يطاردون، يعودون، ثم ينطلقون من جديد. وحين تضيع فرصة، لا يسقطون معها، بل ينهضون أسرع مما سقطت الكرة.
ثم كان هناك ياسين بونو…
ذلك الحارس الذي لا يحرس مرمىً فقط، بل يحرس وطنًا كاملًا من الانكسار.
كل تصدٍّ كان يعيد إلينا نبضًا كدنا نفقده، وكل ركلة ترجيح وقف أمامها كانت معركة بين قلب رجل وأحلام ملايين. وقف ثابتًا، بينما كانت العاصفة تعصف بكل من يشاهد المباراة.
ولأن البطولة ليست كلمات، فقد كتبها اللاعبون بدمائهم أيضًا.
رأينا الدم يسيل من الوجوه والأجساد، لكن أحدًا لم يقف طويلًا أمام جرحه. قميص يُبدَّل على عجل، قطنة تمسح الدم في ثوانٍ، ثم عودة مباشرة إلى الميدان، كأن الجسد آخر ما يفكرون فيه.
وهنا يتسلل سؤال لا بد أن نسأله لأنفسنا:
ما الذي يجعل إنسانًا ينسى ألمه بهذه السرعة؟
أي قوة هذه التي تجعل الدم مجرد تفصيل صغير أمام راية يحملها على صدره؟
ربما لأن بعض الرجال، حين يدخلون الميدان، لا يعودون يلعبون لأنفسهم، بل لوطن بأكمله.
وحين جاءت ركلات الترجيح، توقفت قوانين الزمن.
صار كل شيء بطيئًا.
الكرة تُوضع على نقطة الجزاء كأنها تحمل تاريخًا كاملًا، والخطوات نحوها تبدو أطول من العمر، والقلوب تكاد تخرج من صدورها قبل أن تخرج الكرة من قدم صاحبها.
ثم جاء صباري في آخر ركلات الترجيح.
اقترب من الكرة بثبات من يعرف أن خلفه وطنًا ينتظر، لا ليرتجف، بل ليمنحه سببًا آخر للفخر.
انطلقت الكرة…
ودخلت الشباك.
وفي اللحظة نفسها، لم نرَ لاعبًا يحتفل بهدف، بل رأينا ابنًا يركض نحو أمه. كان ذلك العناق أبلغ من كل خطابات النصر. لم يكن احتفالًا عابرًا، بل عودة طفل، مهما كبر، إلى الحضن الأول الذي علّمه كيف يحلم.
وفي مكان آخر، كانت أمهات اللاعبين يبكين كما تبكي الأمهات دائمًا، خوفًا قبل الفرح، ودعاءً قبل التصفيق، ثم امتنانًا لله بعد أن انقشع القلق.
أما نحن…
فقد خرجنا من المباراة ونحن أكبر مما كنا قبلها.
تعلمنا أن الأمل قد يضعف، لكنه لا يموت. وأن الثقة قد تهتز، لكنها لا تسقط إذا كانت معلقة بالله.
لقد فقدنا الأمل في بعض لحظات المباراة، نعم، لكننا لم نفقد رجاءنا في الله أبدًا. ولذلك جاء الفرج في اللحظة التي ظن كثيرون أنها الأخيرة.
شكرًا لأسود الأطلس.
شكرًا لكل لاعب سال عرقه ودمه من أجل هذا الوطن.
شكرًا لياسين بونو الذي حرس أحلامنا كما حرس مرماه.
شكرًا لوهبي الذي أثبت أن القائد الحقيقي لا يقود بالصوت المرتفع، بل بالعقل الهادئ والثقة التي لا تهتز.
وشكرًا لذلك الجمهور العظيم، الذي لم يكن مجرد متفرج، بل كان اللاعب الثاني عشر، والقلب الثالث والعشرين، والنبض الذي ظل يردد حتى النهاية:
سير… سير… سير…
والحمد لله الذي وهبنا هذا الفرح، بعد أن كاد اليأس يتسلل إلى قلوبنا، فكان النصر هديةً منه سبحانه، ليبقى المغرب، كما كان دائمًا، وطنًا لا يعرف الاستسلام.
في البيوت المغربية، كان الصمت يسبق كل هجمة، ثم ينفجر بالدعاء. في المقاهي، كانت الطاولات تتحول إلى مدرجات، والغريب يصير أخًا للغريب. في الملاعب، كانت الحناجر ترفض التعب. وكان الجميع يؤجل الحياة قليلًا حتى يعرف إلى أين ستذهب الكرة.
أما في الشوارع، فكان هناك من لم يحتمل المشاهدة أصلًا. اكتفى بالوقوف خارج المقاهي أو قرب النوافذ، يلتقط الأخبار من صيحات الناس، وأصوات المعلقين، لأن دقات قلبه كانت أعلى من أن تسمح له بالنظر إلى الشاشة.
ولعل الوطنية لا تُقاس بعدد الأعلام التي نرفعها، ولا بالشعارات التي نرددها، بل بتلك اللحظات التي نهزم فيها النعاس من أجل وطن، ونؤجل النوم لأن قلوبنا ترفض أن تغيب عن لحظة قد يُكتب فيها مجده. فما الذي يدفع إنسانًا إلى السهر حتى ساعات الفجر، وإلى أن يعيش توترًا لا يعنيه شخصيًا؟ إنه ذلك الانتماء الذي لا يفسره العقل، بل يسكن القلب، حتى تصبح كرة صغيرة قادرة على حمل أحلام شعب بأكمله.
وهناك… في المدرجات.
يا لهذا الجمهور!
كلما تقدم المنتخب الهولندي خطوة، تقدم الجمهور المغربي عشر خطوات في التشجيع. لم يكن يصفق لفريق متفوق، بل كان يبعث الحياة في فريق يقاتل. لم تتوقف الحناجر عن ترديد “سير… سير… سير”، وكأنها لم تكن تهتف للاعبين وحدهم، بل كانت تقول لنا نحن أيضًا: لا تستسلموا.
أدرك الجمهور قبل الجميع أن بعض المباريات لا تُربح بالقدمين وحدهما، وإنما بالأمل.
وفي وسط هذا البحر الأحمر من الأصوات، وقف وهبي مختلفًا.
لم يصرخ.
لم يستسلم للانفعال الذي كان يبتلع الملايين خلف الشاشات.
كان يقف كما يقف قبطان يعرف أن البحر هائج، لكن السفينة لن تغرق. عيناه لا تبحثان عن مذنب، بل عن حل. يقرأ تفاصيل المباراة بهدوء، يحرك القطع كما يحرك لاعب الشطرنج جنوده، ويزرع الثقة في لاعبيه بنظرة، ويبعث إليهم الطمأنينة بإشارة، ويؤمن بأن لكل مأزق مخرجًا، ولكل خطة بديلًا، ولكل لاعب لحظة قد يصبح فيها بطلًا.
وهكذا تكون القيادة.
أن تمنح الآخرين هدوءك حين يفقدون هدوءهم.
أما خط الدفاع، فقد كان جدارًا يعرف معنى التضحية. أجساد تتلقى الصدمات، وأقدام تقطع الكرات، ورؤوس تلقي بنفسها في وجه التسديدات، وكأنها تقول: لن تمروا إلا فوق أحلامنا.
وفي الوسط، كان العيناوي لوحةً أخرى من الإبداع. لم يكن يركض فقط، بل كان يفكر وهو يركض. يربط الخطوط، ويستعيد الكرات، ويصنع المساحات، ويمنح زملاءه أنفاسًا جديدة كلما ضاقت المباراة. كان قلبًا نابضًا في منتصف الميدان، وعقلًا يقرأ إيقاع اللقاء قبل أن تصل إليه الكرة.
أما المهاجمون، فلم يكونوا مجرد باحثين عن هدف، بل كانوا أول المدافعين عن القميص. يضغطون، يطاردون، يعودون، ثم ينطلقون من جديد. وحين تضيع فرصة، لا يسقطون معها، بل ينهضون أسرع مما سقطت الكرة.
ثم كان هناك ياسين بونو…
ذلك الحارس الذي لا يحرس مرمىً فقط، بل يحرس وطنًا كاملًا من الانكسار.
كل تصدٍّ كان يعيد إلينا نبضًا كدنا نفقده، وكل ركلة ترجيح وقف أمامها كانت معركة بين قلب رجل وأحلام ملايين. وقف ثابتًا، بينما كانت العاصفة تعصف بكل من يشاهد المباراة.
ولأن البطولة ليست كلمات، فقد كتبها اللاعبون بدمائهم أيضًا.
رأينا الدم يسيل من الوجوه والأجساد، لكن أحدًا لم يقف طويلًا أمام جرحه. قميص يُبدَّل على عجل، قطنة تمسح الدم في ثوانٍ، ثم عودة مباشرة إلى الميدان، كأن الجسد آخر ما يفكرون فيه.
وهنا يتسلل سؤال لا بد أن نسأله لأنفسنا:
ما الذي يجعل إنسانًا ينسى ألمه بهذه السرعة؟
أي قوة هذه التي تجعل الدم مجرد تفصيل صغير أمام راية يحملها على صدره؟
ربما لأن بعض الرجال، حين يدخلون الميدان، لا يعودون يلعبون لأنفسهم، بل لوطن بأكمله.
وحين جاءت ركلات الترجيح، توقفت قوانين الزمن.
صار كل شيء بطيئًا.
الكرة تُوضع على نقطة الجزاء كأنها تحمل تاريخًا كاملًا، والخطوات نحوها تبدو أطول من العمر، والقلوب تكاد تخرج من صدورها قبل أن تخرج الكرة من قدم صاحبها.
ثم جاء صباري في آخر ركلات الترجيح.
اقترب من الكرة بثبات من يعرف أن خلفه وطنًا ينتظر، لا ليرتجف، بل ليمنحه سببًا آخر للفخر.
انطلقت الكرة…
ودخلت الشباك.
وفي اللحظة نفسها، لم نرَ لاعبًا يحتفل بهدف، بل رأينا ابنًا يركض نحو أمه. كان ذلك العناق أبلغ من كل خطابات النصر. لم يكن احتفالًا عابرًا، بل عودة طفل، مهما كبر، إلى الحضن الأول الذي علّمه كيف يحلم.
وفي مكان آخر، كانت أمهات اللاعبين يبكين كما تبكي الأمهات دائمًا، خوفًا قبل الفرح، ودعاءً قبل التصفيق، ثم امتنانًا لله بعد أن انقشع القلق.
أما نحن…
فقد خرجنا من المباراة ونحن أكبر مما كنا قبلها.
تعلمنا أن الأمل قد يضعف، لكنه لا يموت. وأن الثقة قد تهتز، لكنها لا تسقط إذا كانت معلقة بالله.
لقد فقدنا الأمل في بعض لحظات المباراة، نعم، لكننا لم نفقد رجاءنا في الله أبدًا. ولذلك جاء الفرج في اللحظة التي ظن كثيرون أنها الأخيرة.
شكرًا لأسود الأطلس.
شكرًا لكل لاعب سال عرقه ودمه من أجل هذا الوطن.
شكرًا لياسين بونو الذي حرس أحلامنا كما حرس مرماه.
شكرًا لوهبي الذي أثبت أن القائد الحقيقي لا يقود بالصوت المرتفع، بل بالعقل الهادئ والثقة التي لا تهتز.
وشكرًا لذلك الجمهور العظيم، الذي لم يكن مجرد متفرج، بل كان اللاعب الثاني عشر، والقلب الثالث والعشرين، والنبض الذي ظل يردد حتى النهاية:
سير… سير… سير…
والحمد لله الذي وهبنا هذا الفرح، بعد أن كاد اليأس يتسلل إلى قلوبنا، فكان النصر هديةً منه سبحانه، ليبقى المغرب، كما كان دائمًا، وطنًا لا يعرف الاستسلام.
الرئيسية















