أول ما يستوقف القارئ في هذا البلاغ هو اتساع دائرة الفاعل. فالنجاح لم يُنسب إلى جهاز بعينه، ولا إلى مؤسسة تنظيمية محددة، بل أُسند بوضوح إلى “كافة مكونات الأمة”، وفي مقدمتها المواطن. هذا الاختيار الدلالي ليس اعتباطياً، بل يعكس تصوراً يعتبر المواطن شريكاً في الإنجاز لا مجرد متفرج عليه، وعنصراً فاعلاً في صورة الدولة ومصداقيتها. فالخطاب الملكي هنا لا يُكافئ فقط من نظم وأدار، بل من انخرط واحترم وضبط السلوك الجماعي في لحظة امتحان قاري دقيق.
المستوى الثاني من القراءة يتجلى في الربط الصريح بين الرياضة والسياسات العمومية. فالبلاغ لا يتعامل مع نتائج المنتخب الوطني أو تصنيفه العالمي باعتبارها معطيات تقنية معزولة، بل يدرجها ضمن “سياسة إرادية عالية الطموح”، تقوم على الاستثمار في البنيات التحتية، وحسن الاختيارات الاستراتيجية، والانفتاح الواعي على كفاءات مغاربة العالم. في هذا السياق، تتحول كرة القدم إلى مرآة لنجاعة السياسات العمومية، وإلى مؤشر ملموس على قدرة الدولة على تحويل الرؤية إلى إنجاز.
أما المستوى الثالث، فيتعلق بكيفية تأطير لحظة التوتر دون إنكارها أو تضخيمها. فالبلاغ يعترف بوضوح بوقوع تصرفات غير مقبولة خلال اللحظات الأخيرة من المباراة النهائية، لكنه يرفض اختزال التظاهرة بأكملها في تلك اللحظة المعزولة. إنها مقاربة متوازنة، لا تسقط في التبرير ولا في التهويل، بل تراهن على وعي الزمن والعقل الجماعي، وعلى قدرة العلاقات الإفريقية العميقة على تجاوز نزوات الانفعال العابر.
وفي هذا الإطار، يبرز بعد رابع بالغ الدلالة، يتمثل في تحصين الفضاء الإفريقي من خطابات التفرقة والتشويش. فالبلاغ يضع الأحداث في سياقها الصحيح، ويحذر ضمنياً من محاولات توظيفها للإساءة أو التشكيك في المصداقية المغربية، دون أن ينجر إلى لغة الاتهام أو التصعيد. الرد هنا يأتي بلغة الثقة: ثقة في وعي الشعب المغربي، وثقة في عمق العلاقات الإفريقية التي نسجتها قرون من التفاعل والتقارب. إنها لغة الدولة الهادئة التي لا تسمح للخصوم بفرض أجنداتهم الانفعالية.
ويحمل البلاغ كذلك بعداً استراتيجياً خامساً، يتمثل في تثبيت موقع المغرب داخل القارة الإفريقية. فالمملكة لا تقدم نفسها كدولة مضيفة ناجحة فحسب، بل كفاعل قاري ملتزم، يرى في نجاحه نجاحاً لإفريقيا بأكملها، ويضع تجربته التنظيمية وخبرته المؤسساتية رهن إشارة القارة. وهو خطاب ينسجم تماماً مع التوجه العام للسياسة الإفريقية للمغرب، القائمة على الشراكة والتنمية المشتركة، لا على منطق الاستعلاء أو الزعامة الخطابية.
ومن زاوية أعمق، يمكن اعتبار البلاغ خطاب تهدئة مزدوج: تهدئة داخلية عبر تثمين الجهد الجماعي وتحصين الوعي الوطني من الاستقطاب، وتهدئة خارجية عبر التأكيد على أن المغرب، رغم ما حققه من إشعاع وتنظيم محكم، لا يرى نفسه في مواجهة مع أحد، بل في قلب مشروع إفريقي جماعي.
في المحصلة، يعكس بلاغ الديوان الملكي أسلوب الملك محمد السادس في تدبير اللحظات الكبرى: تحويل الحدث الرياضي إلى رافعة سياسية وتنموية، وضبط الانفعال دون قمعه، وتكريس صورة دولة واثقة من نفسها، قوية بهدوئها، ومحصنة بوعي شعبها، ومتصالحة مع محيطها القاري.
إنه بلاغ يؤكد أن المغرب لا يحتفل فقط بما تحقق، بل يعرف كيف يؤطر النجاح، ويحميه، ويمنحه بعده الاستراتيجي، في زمن أصبحت فيه الرياضة مجالاً مفتوحاً للصراعات بقدر ما هي فضاء للفرح.
بهذا المعنى، تتجلى شخصية الملك محمد السادس كقائد لا تحكمه ردود الأفعال، ولا تستدرجه الاستفزازات، بل يدير الزمن السياسي بعقل بارد وبوصلة ثابتة. قوة لا تُقاس بعلو الصوت، بل بقدرة نادرة على ضبط الإيقاع، وبث رسائل مختصرة مشحونة بالدلالات، يفهمها من يقرأ ما وراء السطور.
هكذا تُدار الدولة حين تكون واثقة من نفسها، وهكذا تُواجه محاولات التشويش: بالهدوء، وبالصبر الاستراتيجي، وبالإيمان الراسخ بأن التاريخ لا ينحاز للضجيج، بل يحفظ أسماء من صبروا… وانتصروا بهدوء.
المستوى الثاني من القراءة يتجلى في الربط الصريح بين الرياضة والسياسات العمومية. فالبلاغ لا يتعامل مع نتائج المنتخب الوطني أو تصنيفه العالمي باعتبارها معطيات تقنية معزولة، بل يدرجها ضمن “سياسة إرادية عالية الطموح”، تقوم على الاستثمار في البنيات التحتية، وحسن الاختيارات الاستراتيجية، والانفتاح الواعي على كفاءات مغاربة العالم. في هذا السياق، تتحول كرة القدم إلى مرآة لنجاعة السياسات العمومية، وإلى مؤشر ملموس على قدرة الدولة على تحويل الرؤية إلى إنجاز.
أما المستوى الثالث، فيتعلق بكيفية تأطير لحظة التوتر دون إنكارها أو تضخيمها. فالبلاغ يعترف بوضوح بوقوع تصرفات غير مقبولة خلال اللحظات الأخيرة من المباراة النهائية، لكنه يرفض اختزال التظاهرة بأكملها في تلك اللحظة المعزولة. إنها مقاربة متوازنة، لا تسقط في التبرير ولا في التهويل، بل تراهن على وعي الزمن والعقل الجماعي، وعلى قدرة العلاقات الإفريقية العميقة على تجاوز نزوات الانفعال العابر.
وفي هذا الإطار، يبرز بعد رابع بالغ الدلالة، يتمثل في تحصين الفضاء الإفريقي من خطابات التفرقة والتشويش. فالبلاغ يضع الأحداث في سياقها الصحيح، ويحذر ضمنياً من محاولات توظيفها للإساءة أو التشكيك في المصداقية المغربية، دون أن ينجر إلى لغة الاتهام أو التصعيد. الرد هنا يأتي بلغة الثقة: ثقة في وعي الشعب المغربي، وثقة في عمق العلاقات الإفريقية التي نسجتها قرون من التفاعل والتقارب. إنها لغة الدولة الهادئة التي لا تسمح للخصوم بفرض أجنداتهم الانفعالية.
ويحمل البلاغ كذلك بعداً استراتيجياً خامساً، يتمثل في تثبيت موقع المغرب داخل القارة الإفريقية. فالمملكة لا تقدم نفسها كدولة مضيفة ناجحة فحسب، بل كفاعل قاري ملتزم، يرى في نجاحه نجاحاً لإفريقيا بأكملها، ويضع تجربته التنظيمية وخبرته المؤسساتية رهن إشارة القارة. وهو خطاب ينسجم تماماً مع التوجه العام للسياسة الإفريقية للمغرب، القائمة على الشراكة والتنمية المشتركة، لا على منطق الاستعلاء أو الزعامة الخطابية.
ومن زاوية أعمق، يمكن اعتبار البلاغ خطاب تهدئة مزدوج: تهدئة داخلية عبر تثمين الجهد الجماعي وتحصين الوعي الوطني من الاستقطاب، وتهدئة خارجية عبر التأكيد على أن المغرب، رغم ما حققه من إشعاع وتنظيم محكم، لا يرى نفسه في مواجهة مع أحد، بل في قلب مشروع إفريقي جماعي.
في المحصلة، يعكس بلاغ الديوان الملكي أسلوب الملك محمد السادس في تدبير اللحظات الكبرى: تحويل الحدث الرياضي إلى رافعة سياسية وتنموية، وضبط الانفعال دون قمعه، وتكريس صورة دولة واثقة من نفسها، قوية بهدوئها، ومحصنة بوعي شعبها، ومتصالحة مع محيطها القاري.
إنه بلاغ يؤكد أن المغرب لا يحتفل فقط بما تحقق، بل يعرف كيف يؤطر النجاح، ويحميه، ويمنحه بعده الاستراتيجي، في زمن أصبحت فيه الرياضة مجالاً مفتوحاً للصراعات بقدر ما هي فضاء للفرح.
بهذا المعنى، تتجلى شخصية الملك محمد السادس كقائد لا تحكمه ردود الأفعال، ولا تستدرجه الاستفزازات، بل يدير الزمن السياسي بعقل بارد وبوصلة ثابتة. قوة لا تُقاس بعلو الصوت، بل بقدرة نادرة على ضبط الإيقاع، وبث رسائل مختصرة مشحونة بالدلالات، يفهمها من يقرأ ما وراء السطور.
هكذا تُدار الدولة حين تكون واثقة من نفسها، وهكذا تُواجه محاولات التشويش: بالهدوء، وبالصبر الاستراتيجي، وبالإيمان الراسخ بأن التاريخ لا ينحاز للضجيج، بل يحفظ أسماء من صبروا… وانتصروا بهدوء.
الرئيسية























































