كتاب الرأي

انتخابات 2026 : إغراء "ديمقراطية النتائج"

لماذا يجب أن تكون ديمقراطية النتائج هي أيضاً ديمقراطية الحق والقانون؟




بقلم : عدنان بنشقرون

الانتخابات، الأحزاب السياسية والديمقراطية المغربية

في المغرب، تبرز بعض الأفكار السياسية بشكل منهجي مع اقتراب الانتخابات التشريعية (23 سبتمبر 2026) كاستعارات جذابة؛ فهي تضرب الخيال، وتلخص إحباطاً جماعياً، وتعطي انطباعاً بتشخيص لبيب. إن فكرة "ديمقراطية النتائج"، التي عادت مؤخراً إلى طاولة النقاش العام، تنتمي بوضوح إلى هذه الفئة. فهي تنطلق من ملاحظة يتقاسمها الكثيرون : البلاد تتقدم بسرعة في مشاريعها الكبرى، لكنها تظل أحياناً بطيئة بشكل يبعث على اليأس في الحياة اليومية للمواطن.
 

طرق، موانئ، بنية تحتية، مشاريع صناعية، دبلوماسية نشطة، طموح أفريقي، وأفق 2030... يظهر المغرب قدرة حقيقية على التخطيط وتنفيذ المشاريع الاستراتيجية. ولكن في الوقت نفسه، يستمر مغرب آخر : مغرب الملفات العالقة، والقرارات الإدارية الغامضة، والوصول غير المتكافئ للحقوق، والبطء الذي ينتهي به المطاف ليصبح مهيناً.
 

ومن هذا التناقض، تولد فكرة ضرورة تسريع النظام بأكمله، حتى لو اقتضى الأمر اللجوء إلى شكل من أشكال "الجراحة المؤسساتية" لاستئصال العوائق، خاصة السياسية منها. قد يبدو الطرح مقنعاً : إذا كانت الأحزاب السياسية ضعيفة أو غير فعالة، وإذا كانت المؤسسات الوسيطة لم تعد تلعب دورها، فلماذا لا نتوجه مباشرة نحو منطق الفعالية والنتائج؟
 

لكن هذه الرؤية، مهما كانت جذابة في حالة الاستعجال، تغفل عن عنصر جوهري : المغرب يمتلك بالفعل إطاراً دستورياً صُمم خصيصاً لحل هذه المعضلة، وهو دستور 2011.
 

دستور 2011: هندسة للمصالحة بين الفعالية والديمقراطية
 

لم يأتِ الإصلاح الدستوري لعام 2011 فقط بتعديلات مؤسساتية، بل أعاد تعريف توازن النظام السياسي المغربي حول عدة ركائز أساسية : الملكية الدستورية، فصل السلطات، المسؤولية الحكومية، التعددية السياسية، الجهوية المتقدمة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
 
بعبارة أخرى، لم يضع الدستور أبداً الفعالية كعدو للديمقراطية، بل على العكس، حاول تنظيم تعايشهما. هنا يصبح النقاش مثيراً للاهتمام؛ فإذا كان البعض يندد اليوم بضعف الأحزاب السياسية أو تراجع الوساطة الديمقراطية، فإن المسألة ليست في الالتفاف على هذه المؤسسات، بل في تقويتها. ذلك أن الديمقراطية الحديثة لا تعمل بإقصاء وسطائها، بل بتطويرهم.

يمكن للدولة أن تكون قوية دون أن تكون ممركزة، ويمكنها أن تكون فعالة دون أن تكون سلطوية. لكن لتحقيق ذلك، يجب قبول قاعدة بسيطة: قوة الدولة الديمقراطية تعتمد أيضاً على قوة مؤسساتها السياسية وقواها المضادة.

 إغراء "ديمقراطية النتائج"

في النقاش الحالي، تبرز غالباً فكرة "ديمقراطية النتائج". هذا المفهوم ليس عبثياً، فهو يقوم على حدس سليم : المواطنون يحكمون على المؤسسات بما تنتجه بشكل ملموس في حياتهم اليومية. مستشفى وظيفي، مدرسة فعالة، إدارة سريعة، وعدالة ميسرة؛ هذه هي المؤشرات الحقيقية لجودة أي نظام سياسي.
 

لكن هذا المفهوم يحمل أيضاً خطراً إذا أُسيء فهمه. لا يمكن للديمقراطية أن تختزل في مجرد حسابات إدارية للفعالية، وإلا تحولت إلى "تكنوقراطية". يجب أن تكون النتائج قابلة للقياس، شفافة، وخاضعة للرقابة، وأن تتحقق ضمن إطار من المسؤولية السياسية والقانونية. وبدون ذلك، قد تصبح "ديمقراطية النتائج" مجرد خطاب يبرر تركيز السلطة باسم الفعالية.

 المشكلة الحقيقية: الإفلات من العقاب وعدم المساواة أمام القانون

إذا كان المواطنون يشعرون أحياناً بأنهم يعيشون في مغرب بسرعتين، فليس ذلك فقط بسبب البطء الإداري، بل أساساً لأن القواعد لا تطبق دائماً بنفس الطريقة على الجميع. ففي بعض الحالات، يبدو الوصول إلى الحقوق معتمداً على الشبكات أو النفوذ أو العلاقات، وفي حالات أخرى، تصبح المساطر طويلة جداً لمن لا يملك أي نفوذ.
 

هذا التصور للظلم هو ما يغذي عدم الثقة. وهذا بالضبط ما حاول دستور 2011 تصحيحه من خلال الإصرار على مبادئ جوهرية: المساواة أمام القانون، شفافية العمل العمومي، مسؤولية المنتخبين، ومحاربة الفساد. التحدي الحالي ليس هو ابتكار نموذج سياسي جديد، بل التطبيق الكامل للنموذج الموجود بالفعل.
 

لماذا يغير سؤال الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية كل شيء؟

 يأخذ النقاش بعداً استراتيجياً عندما يمس مسألة الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية. هذا الحكم الذاتي ليس مجرد مقترح دبلوماسي لحل نزاع إقليمي، بل يقدمه المغرب كنموذج حديث للحكامة الترابية، قائم على المشاركة الديمقراطية، والتدبير المحلي، والمسؤولية السياسية.
 

بيد أن هذا النموذج لا يمكن أن يكون ذا مصداقية إلا بشرط واضح : يجب أن تعمل الديمقراطية في كل مكان بنفس المعايير. لا يمكن لحكم ذاتي جهوي أن يوجد في نظام تختلف فيه القواعد الديمقراطية حسب الأقاليم أو الظروف. إن الحجة الدبلوماسية للمغرب تقوم تحديداً على فكرة أن الأقاليم الجنوبية ستستفيد من مؤسسات محلية قوية، وسلطة تدبير حقيقية، ومشاركة سياسية فعلية.

 دولة قوية وأحزاب قوية : تكامل لا تناقض

يُقال أحياناً إن الحل يكمن في دولة أكثر قوة في مواجهة أحزاب ضعيفة، لكن هذا التحليل يقوم على معضلة وهمية. فالدولة القوية والأحزاب القوية ليسا متناقضين، بل هما متكاملان.
 

الملكية تحدد التوجهات الاستراتيجية، وتشرف على المجالات السيادية، وتضمن الوحدة الوطنية، وتحمي المؤسسات. أما الأحزاب السياسية، فدورها تنظيم النقاش العام، وهيكلة المشاريع المجتمعية، وتمكين المواطنين من المشاركة في القرار. عندما تضعف الأحزاب، تضعف الديمقراطية، وعندما تحاول الدولة تعويض السياسة بشكل دائم، يفقد النظام قدرته على التجدد.

 علاج مؤسساتي لا "جراحة"

بدلاً من الحديث عن جراحة سياسية، سيكون من الأصح الحديث عن "علاج مؤسساتي". ويمكن لهذا العلاج أن يمر عبر عدة مسارات: تعزيز الديمقراطية الداخلية للأحزاب، توضيح قواعد التمويل والشفافية، محاربة تضارب المصالح بفعالية أكبر، تسريع القضاء الإداري، وتبسيط المساطر العمومية. هذا النوع من الإصلاح لا يدمر المؤسسات القائمة، بل يجعلها أكثر فعالية، وقبل كل شيء، يعزز الثقة التي تظل المادة الخام لكل ديمقراطية.
 

السرعة الوحيدة الحقيقية : سرعة الكرامة

المسألة في النهاية ليست معرفة ما إذا كان يجب على المغرب السير بسرعة أكبر، فالإجابة واضحة: نعم. السؤال الحقيقي هو كيف يسير بسرعة أكبر؟
 
إذا كانت السرعة تعني فقط تسريع المشاريع الكبرى والقرارات المركزية، فستستمر البلاد في العيش بواقعين متوازيين. لكن إذا كانت السرعة تعني أن كل مواطن، في كل مدينة وقرية، يصل إلى نفس الحقوق بنفس السرعة والشفافية، حينها تأخذ الاستعارة معناها الكامل. لا يجب أن تكون "السرعة الوحيدة" هي سرعة الطاعة الإدارية، بل يجب أن تكون سرعة المساواة أمام القانون.
 

الرهان الحقيقي

لقد أثبت المغرب غالباً قدرته على تحقيق ما كان الكثيرون يعتقدون أنه مستحيل. اليوم، التحدي ليس هو الاختيار بين الفعالية والديمقراطية، بل التحدي الأكثر تطلباً هو : إثبات أن الفعالية يمكن أن تقوي الديمقراطية لا أن تعوضها. فإذا أراد المغرب الدفاع عن نموذجه المؤسساتي، وإقناع شركائه الدوليين، وإنجاح مشروع الحكم الذاتي، فعليه أن يظهر أمراً أساسياً : الديمقراطية المغربية لا تعمل بسرعتين، بل تعمل بسرعة واحدة : سرعة القانون، والمسؤولية، والكرامة للجميع





الثلاثاء 10 مارس 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic