حرب المخزونات
في مارس 2026، وبينما تدخل الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل أسبوعها الثاني، يتردد سؤال مشابه تقريباً في كافة الاستوديوهات التلفزيونية وهيئات الأركان : «إيران، كم بقي لديها من الصواريخ؟» خلف هذا التساؤل التقني في الظاهر، تكمن حقيقة استراتيجية جوهرية: في هذا الصراع، قد لا يُحسم الموقف بمعركة فاصلة، بل باستنزاف مخزونات الأسلحة.
منذ بداية الضربات، تثير الأرقام الذهول. فوفقاً لمسؤولين عسكريين أمريكيين، تم إطلاق أكثر من 500 صاروخ باليستي وأكثر من 2000 طائرة مسيرة إيرانية في المنطقة حتى الآن.
استهدفت هذه الهجمات إسرائيل، ولكنها طالت أيضاً عدة دول في الخليج، وقواعد عسكرية أمريكية، وبعض البنى التحتية للطاقة.
بالنسبة للمحللين العسكريين، تبدو الحرب الآن وكأنها "منافسة رشقات" : من سيصمد ويطلق النار لفترة أطول قبل أن تنفد ذخائره. ففي هذه المعادلة غير المتكافئة، هناك أمر يسترعي انتباه المراقبين : المسيرات الإيرانية تكلف بضع عشرات الآلاف من الدولارات، بينما قد تتجاوز تكلفة صواريخ الاعتراض الغربية عدة ملايين. إنها حرب اقتصادية بقدر ما هي عسكرية.
لغز المخزون الإيراني
تكمن المشكلة بالنسبة للمحللين الغربييين في أنه لا أحد يعرف بالضبط حجم الترسانة الإيرانية. فقبل الصراع، كانت التقديرات تتباين بشدة؛ إذ تحدثت بعض المصادر عن وجود أكثر من 3000 صاروخ باليستي، بينما قدرت مصادر أخرى وجود 2000 إلى 3000 صاروخ تشغيلي فقط. ومن المفترض أن الضربات الإسرائيلية والأمريكية، بالإضافة إلى الرشقات المكثفة في الأيام الأولى للحرب، قد قلصت هذا المخزون بالفعل.
تشير بعض التقديرات الحديثة إلى أنه قد يتبقى اليوم ما بين 1000 و1500 صاروخ صالح للاستخدام، لكن هذا الرقم يظل تخمينياً. لماذا؟ لأن إيران قامت على مدار ثلاثين عاماً ببناء شبكة إنتاج وتخزين مشتتة للغاية : أنفاق تحت الأرض، قواعد متنقلة، صوامع مموهة، وبنى تحتية صناعية مدنية قابلة للتحويل إلى مصانع عسكرية.
السلاح الحقيقي : الطائرات المسيرة
إذا كانت الصواريخ الباليستية تجذب الانتباه، فإن الثورة العسكرية الإيرانية الحقيقية تكمن في مكان آخر : الطائرات المسيرة. فالمسيرات الانتحارية من عائلة "شاهد"، التي نالت شهرة واسعة في أوكرانيا، تشكل اليوم حجر الزاوية في الاستراتيجية الإيرانية.
وهنا أيضاً، تثير الأرقام الحيرة؛ إذ يتحدث بعض المحلللين عن عشرات الآلاف من الوحدات، مع قدرات إنتاج صناعية قادرة على تصنيع الآلاف شهرياً. وعلى عكس الصواريخ، فإن هذه المسيرات منخفضة التكلفة، وسهلة الإنتاج، ويصعب اعتراضها عندما تهاجم في أسراب. والنتيجة : أنها تتيح لإيران شن حرب استنزاف تكنولوجية.
استراتيجية معلنة : الاستنزاف. يتوافق هذا المنطق تماماً مع العقيدة العسكرية الإيرانية. فإيران تدرك أنها لا تستطيع مضاهاة سلاح الجو الأمريكي أو الإسرائيلي، لذا يتمثل ردها في إغراق دفاعات الخصم بالصواريخ والمسيرات.
المبدأ بسيط : إشباع أنظمة الدفاع الجوي، ومضاعفة الضربات، وإجبار الخصم على إنفاق موارد هائلة مقابل كل عملية اعتراض. في هذا المنطق، لم يعد السؤال الاستراتيجي عسكرياً فحسب، بل صار صناعياً : كم صاروخاً تستطيع إيران إنتاجه كل شهر؟ وكم عدد صواريخ اعتراض "باتريوت" أو "آرو" التي يمكن للولايات المتحدة وإسرائيل تصنيعها؟ ومن سيصمد لفترة أطول؟
حرب القرن الحادي والعشرين. المفارقة هنا مذهلة. في القرن العشرين، كانت الحروب تُكسب باحتلال الأراضي، أما في القرن الحادي والعشرين، فقد تُحسم في سلاسل توريد مصانع الأسلحة. إنها حرب اللوجستيات، وحرب الإنتاج، وحرب المخزونات. لهذا السبب، وبعد مرور عشرة أيام على بدء النزاع، يكرر المحللون العسكريون حول العالم السؤال نفسه : «إيران، كم بقي لديها من الصواريخ؟». وكما كان الحال قديماً بالنسبة للفاتيكان، فإن الإجابة على هذا السؤال قد تحدد الوزن الحقيقي لقوة ما على الرقعة العالمية، وربما تحدد أيضاً مآل هذه الحرب.
وفقاً لعدة تحليلات عسكرية نُشرت في الأيام الأخيرة — والتي لا تزال بحاجة إلى تأكيد — يبدو أن إيران بدأت في تغيير تكتيكاتها القتالية. فبعد أن فضلت في الأيام الأولى للحرب "هجمات الإشباع" التي تجمع بين الصواريخ والمسيرات لإغراق أنظمة الدفاع الإسرائيلية، يبدو أن القوات الإيرانية تتبنى الآن نهجاً مختلفاً.
يتحدث العديد من المراقبين عن رشقات أصغر، تُطلق أحياناً صاروخاً تلو الآخر، أو في دفعات متباعدة زمنياً بشكل كبير. الهدف من ذلك هو اختبار الدفاعات الإسرائيلية، وتحديد النقاط العمياء في النظام متعدد الطبقات — الذي غالباً ما تختصره وسائل الإعلام في "القبة الحديدية" وحدها، بينما يضم في الواقع عدة أنظمة مثل "آرو" أو "مقلاع داود".
هذا التغيير في وتيرة العمليات قد يستند إلى منطقين. الأول تكتيكي : استغلال ثغرات الكشف أو تأخير رد فعل الرادارات وبطاريات الصواريخ. والثاني لوجستي : تقنين المخزونات لضمان الصمود لفترة أطول، خاصة وأن وتيرة القصف الإيراني قد انخفضت بوضوح منذ الساعات الأولى للنزاع.
يتحدث بعض المحللين عن "حرب تعديل دائم"، حيث يراقب كل طرف رد فعل الآخر لتكييف استراتيجيته في الوقت الفعلي تقريباً. في هذه الحرب التكنولوجية، يظل السؤال المركزي هو نفسه : ليس فقط من يضرب بقوة أكبر، بل من يفهم بشكل أفضل ثغرات نظام الخصم. وفي هذه المعادلة غير المستقرة، قد يزن صاروخ واحد وُضع بدقة ما تزنُه مائة رشقة إشباع
الرئيسية















