القرار لم يأت بشكل معزول، بل ورد ضمن البند 64 من اتفاق سياسي يضم 150 إجراءً، وينص على عدم تجديد انضمام الأندلس إلى الإطار القانوني الوطني الذي يؤطر البرنامج، مع التشديد على “تعزيز العادات والتقاليد الإسبانية” داخل المؤسسات التعليمية، ورفض ما تعتبره الحكومة الجديدة “تدخلاً ثقافياً خارجياً”.
ويُعد برنامج اللغة العربية والثقافة المغربية واحداً من أقدم برامج التعاون التربوي بين الرباط ومدريد، إذ تشرف عليه السفارة المغربية بتنسيق مع وزارة التعليم الإسبانية، ويستهدف أساساً أبناء الجالية المغربية بهدف الحفاظ على ارتباطهم بلغتهم وثقافتهم الأصلية، بالتوازي مع تسهيل اندماجهم داخل المجتمع الإسباني.
وحسب المعطيات المتداولة في وسائل إعلام إسبانية، فإن البرنامج يشمل حالياً 298 مؤسسة تعليمية عبر مختلف أنحاء إسبانيا، من بينها 91 مدرسة في الأندلس، التي تُعتبر ثاني أكبر منطقة مشاركة بعد كتالونيا. وفي محافظة ألميريا وحدها، يستفيد من البرنامج تلاميذ نحو 40 في المائة من المدارس العمومية.
وتُقدم هذه الدروس عادة خارج أوقات الدراسة الرسمية، بينما يشرف عليها أساتذة مغاربة موفدون في إطار التعاون الثنائي بين البلدين، دون تحميل ميزانية الأقاليم الإسبانية أي أعباء مالية مباشرة، إذ تتكفل المملكة المغربية برواتب المدرسين وتمويل البرنامج عبر مؤسسات متخصصة في شؤون الجالية.
لكن ما كان يُنظر إليه لسنوات باعتباره آلية للاندماج الثقافي والاجتماعي، أصبح اليوم موضوعاً للصراع السياسي داخل إسبانيا، خصوصاً مع تنامي نفوذ حزب “فوكس”، الذي جعل من ملفات الهجرة والهوية والثقافة أحد أبرز محاور خطابه الانتخابي.
وسائل إعلام إسبانية تحدثت عن ضغوط متزايدة مارسها الحزب اليميني المتطرف من أجل إنهاء البرنامج، بدعوى أنه يفتح المجال أمام “تدخل أجنبي” داخل المدارس الإسبانية، بينما يرى معارضو القرار أن الأمر يتعلق باستهداف مباشر للجالية المغربية ومحاولة لتسييس ملف تربوي لم يكن يثير أي توتر داخل المؤسسات التعليمية.
ولم تكن الأندلس أول منطقة تتخذ هذا التوجه، إذ سبق لأقاليم أخرى مثل مدريد وإكستريمادورا وأراغون وقشتالة وليون أن أعلنت مراجعة مشاركتها في البرنامج أو انسحابها منه، وسط تبريرات رسمية مرتبطة بـ”الإشراف التربوي” و”الرقابة على المحتوى”.
في المقابل، دافعت فعاليات تربوية ومديرو مدارس وأولياء أمور عن استمرار البرنامج، معتبرين أنه ساهم لسنوات في تسهيل اندماج أبناء الجالية المغربية وتقوية التواصل بين الأسر والمدارس، خاصة في المناطق التي تعرف حضوراً مغربياً كبيراً. كما أكد بعض المسؤولين التربويين الإسبان أن البرنامج لم يكن يحمل أي مضمون ديني أو أيديولوجي، بل ركز أساساً على اللغة والثقافة والتواصل.
ويرى متابعون أن الجدل الحالي يتجاوز مسألة تعليم اللغة العربية، ليعكس تحولات أعمق داخل المجتمع الإسباني، حيث أصبحت قضايا الهوية والهجرة والثقافة جزءاً أساسياً من المعارك السياسية والانتخابية، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة وتصاعد تأثير اليمين المتطرف في عدد من الحكومات المحلية.
وبين من يعتبر القرار دفاعاً عن “الهوية الوطنية الإسبانية”، ومن يراه تضييقاً على التعدد الثقافي، يبقى أبناء الجالية المغربية أول المتأثرين بهذا التحول، في وقت تزداد فيه الأسئلة حول مستقبل برامج الاندماج والتعايش داخل أوروبا، وحدود التوازن بين الحفاظ على الهوية الأصلية واحترام خصوصيات المجتمعات المستقبلة
الرئيسية





















































