بقلم : عدنان بنشقرون
أصدقاء، قراء، زملاء، وأحيانًا حتى مسؤولون سياسيون، يقولون لي مبتسمين :
— «عدنان، لقد أتعبتنا بالحديث عن الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والروبوتات الشبيهة بالبشر. ربما أنت على حق… لكن كل هذا يخص الغد.
نحن نعيش اليوم. حدثنا عن التضخم، والانتخابات، والحر، والازدحام، والتقاعد، وسعر الطماطم.»
وأنا أتفهم تمامًا رد فعلهم، فالحاضر متطلب. يفرض نفسه بالكامل : نهاية الشهر لا تُدفع بالخوارزميات، وفواتير الكهرباء لا تنتظر حتى يحل حاسوب كمي مشاكل الطاقة
في العالم، والآباء يفكرون أولًا في الدخول المدرسي قبل التفكير في الروبوتات التي قد تُدرّس أحفادهم يومًا ما.
الحياة اليومية طاغية، لكن هنا تكمن المشكلة تحديدًا…أكبر فخ في التاريخ هو الاعتقاد بأن المستقبل سيصل تدريجيًا، بينما الحقيقة أنه يصل غالبًا دفعة واحدة.
من كان يتخيل سنة 2006 أن الهاتف سيعوّض الكاميرا، وجهاز تحديد المواقع، ومشغل الموسيقى، والصحيفة، والبنك، ووكالة السفر، والتلفاز، ودفتر العناوين، وأحيانًا حتى الذاكرة؟
من كان يتوقع أن تنافس سيارات الأجرة تطبيقات هاتفية بسيطة؟
ومن كان يصدق أن شخصًا مجهولًا قد يبيع ملايين المنتجات دون أن يمتلك متجرًا واحدًا؟
لا أحد.
ثم حدث كل شيء بسرعة هائلة، واليوم، نحن نكرر الخطأ نفسه تمامًا.
ننظر إلى الذكاء الاصطناعي كما كنا ننظر إلى الإنترنت في بداية الألفية: بفضول، لكن دون شعور حقيقي بالاستعجال، غير أن الفارق هذه المرة هائل.
فالإنترنت غيّر طريقة تداول المعلومات،أما الذكاء الاصطناعي فهو يغيّر إنتاج الذكاء نفسه، ولم نعد نتحدث عن المستوى نفسه من التحول.
وفي الوقت الذي ما زلنا نتجادل فيه حول فائدته من عدمها، تستثمر القوى الكبرى مئات المليارات من الدولارات.
مراكز البيانات تنمو كما تنمو محطات الطاقة،والمختبرات تستقطب أفضل العقول في العالم، والحواسيب الكمية تخرج تدريجيًا من المختبرات، والروبوتات الشبيهة بالبشر تتعلم المشي، والمناولة، والمراقبة، والتفكير، وقريبًا التعاون.
ومع ذلك، ما زلنا نردد : «هذا للمستقبل.»
لكن كم مرة يجب أن يطرق المستقبل الباب حتى نفتح له؟
المفارقة الحقيقية تكمن في مكان آخر،فالأشخاص أنفسهم الذين يقولون إنني أتحدث كثيرًا عن هذه المواضيع، يعودون ليسألوا : «لماذا لا تُعد مدارسنا أبناءنا للمستقبل؟ لماذا تتأخر شركاتنا؟ ولماذا يتقدم الآخرون بسرعة أكبر؟»
والجواب بسيط.
لأننا اعتبرنا المستقبل مجرد ترف فكري، بينما اعتبره الآخرون استراتيجية،أنا لا أقول إنه يجب التوقف عن الحديث عن غلاء المعيشة، ولا أقول إنه يجب نسيان الانتخابات، أو الشغل، أو الصحة، أو الفلاحة.
بل على العكس تمامًا، لكن كل واحد من هذه المجالات سيتحول جذريًا بفعل الذكاء الاصطناعي، الطب، التعليم، العدالة،الصناعة، الإعلام، الفلاحة، الأمن، الدبلوماسية، حتى الحرب، حتى الديمقراطية، وحتى طريقتنا في التفكير.
لذلك، فإن الحديث عن الذكاء الاصطناعي ليس حديثًا عن الغد، بل عن حاضر يتغير أمام أعيننا.
الخطر الحقيقي ليس في المبالغة في تقدير هذه التقنيات، بل في اكتشافها بعدما تكون قد أعادت رسم قواعد اللعبة بالفعل، فالتاريخ مليء بالشعوب التي شاهدت الثورات تمر أمامها وهي تظن أن لديها متسعًا من الوقت.
ثم انتهى بها الأمر إلى شراء آلات الآخرين، واستخدام برامج الآخرين، والاعتماد على منصات الآخرين، وأحيانًا حتى تبني أفكار الآخرين.
لذلك من الأفضل أن أُتهم بأني أتحدث مبكرًا أكثر من أن أندم لأنني تحدثت متأخرًا، فالكاتب ليس فقط من يروي ما يحدث، بل ينبغي أن يكون أيضًا من ينبه إلى ما يحدث بالفعل دون أن يراه معظم الناس بعد.
لذلك نعم، ربما سأتحدث غدًا صباحًا مرة أخرى عن الذكاء الاصطناعي، وربما عن الحوسبة الكمية، وربما عن الروبوتات المعززة.
ليس لأنني مبهور بالآلات.
بل لأنني منشغل بالبشر.
وخاصة أولئك الذين قد يكتشفون المستقبل… يوم يكون قد أصبح حاضرًا بالفعل
الرئيسية















