كتاب الرأي

الانتخابات الرئاسية الفرنسية 2027 : دوامة التطرّف


قبل أقل من عام على الانتخابات الرئاسية الفرنسية، يبدو المشهد السياسي وكأنه مرآة مكسورة.



بقلم : عدنان بنشقرون

التيار الوسطي، الذي كان يهيمن على الحياة السياسية قبل سنوات قليلة، يبدو اليوم منهكًا. أما الأحزاب التقليدية، فتجد صعوبة في استعادة أنفاسها. وفي المقابل، تزدهر القوى الموجودة على طرفي المشهد السياسي فوق أرضية خصبة من الغضب والشعور بالتراجع وفقدان الثقة.


وهذه الظاهرة ليست حكرًا على فرنسا. فمن الولايات المتحدة إلى ألمانيا، ومن إيطاليا إلى هولندا، أصبحت الاستقطابات الحادة القاعدة الجديدة في الديمقراطيات الغربية. وفرنسا ليست استثناءً، بل قد تتحول إلى أحد أكثر المختبرات السياسية مراقبة في العالم. فاستطلاعات الرأي تضع القوى الأكثر راديكالية عند مستويات غير مسبوقة منذ قيام الجمهورية الخامسة، بينما تتكاثر الترشيحات استعدادًا لانتخابات 2027.


لكن، هل يجب على الناخبين الاختيار بين تطرفين؟ ربما هنا يكمن الفخ الحقيقي.


فالتاريخ يعلّمنا درسًا أقلّ حزبية مما نتصور: ليست التيارات المتطرفة وحدها ما يضعف الدول، بل أيضًا اختفاء التوازنات والرقابة، والمبالغة في شخصنة السلطة، والاقتناع بأن الخصم السياسي أصبح عدوًا يجب إقصاؤه بدل منافس يجب إقناعه.


في اليمين كما في اليسار، تتشابه أحيانًا أكثر الخطابات تطرفًا في إغراء واحد : تقديم حلول بسيطة لمشكلات أصبحت شديدة التعقيد.

الهجرة، الدين العمومي، القدرة الشرائية، الأمن، التحول البيئي، السيادة الصناعية… كلها ملفات تتطلب توازنات مؤلمة. لكن الحملات الانتخابية غالبًا ما تختزل هذه التوازنات في شعارات.


اليمين المتطرف يعد بمزيد من السلطة، ومزيد من الحدود، ومزيد من الحماية الوطنية، أما اليسار المتطرف، فيعد بمزيد من إعادة توزيع الثروة، ومزيد من تدخل الدولة، وقطيعة مع القواعد الاقتصادية الحالية.

كلاهما يقترح القطيعة، وكلاهما يجذب جزءًا متزايدًا من الفرنسيين، وكلاهما يزدهر فوق الإحساس نفسه: أن النظام الحالي لم يعد يستجيب لتطلعات الناس.

لكن الحكم مسألة مختلفة تمامًا.

فالاقتصاد العالمي لا يخضع للوعود الانتخابية، والأسواق المالية لا تصوّت، والمستثمرون لا يقرأون البرامج الانتخابية، والشركاء الأوروبيون لا يختفون في اليوم التالي للانتخابات، والحقائق المالية لا تمحى بخطاب انتخابي.

لذلك، فالسؤال ليس ما إذا كانت الفكرة يمينية أم يسارية. السؤال الحقيقي هو :

هل هذه الفكرة قابلة للتطبيق؟هل يمكن تمويلها؟هل تنسجم مع المؤسسات الديمقراطية؟وهل ستعزز التماسك الوطني بشكل مستدام؟


ويُظهر التاريخ الحديث أن المجتمعات الأكثر انقسامًا تحتاج غالبًا إلى سنوات طويلة لاستعادة مناخ الثقة. فالاستقطاب يترك جروحًا عميقة، حتى عندما تسمح التداولات الديمقراطية لاحقًا بتصحيح التجاوزات. فالجراح السياسية تلتئم ببطء أكبر بكثير من الحملات الانتخابية.


ومع ذلك، تمتلك فرنسا ميزة كبيرة: مؤسسات قوية، وإدارة ذات خبرة، ومجلسًا دستوريًا مستقلًا، وصحافة تعددية، ومجتمعًا مدنيًا نشطًا. هذه الضمانات تمثل على الأرجح أفضل حماية ضد أي انحراف، مهما كانت الأغلبية التي ستفرزها صناديق الاقتراع.

لذلك، فإن انتخابات 2027 لن تكون مجرد اختيار بين مرشحين. بل ستكون اختبارًا للنضج الديمقراطي.
هل سينجذب الناخبون إلى الإغراءات الراديكالية، أم سيفضلون النفس الطويل للإصلاحات؟هل سيصوتون للغضب أم للمشروع؟هل سيبحثون عن الانتقام أم عن إعادة البناء؟

فالديمقراطيات نادرًا ما تموت بسبب انتخابات واحدة. إنها تضعف أكثر عندما يتوقف النقاش العمومي عن كونه تبادلًا للأفكار، ويتحول إلى حرب بين معسكرات.

فرنسا تستحق أفضل من هذا الصراع الدائم بين خوفين: خوف التراجع الاجتماعي، وخوف الآخر.

لأن الأمم لا تتعافى بسهولة من انقساماتها.

والتيارات المتطرفة، مهما كان نوعها، غالبًا ما تتقن كشف الجروح… لكنها أقل قدرة بكثير على مداواتها





الخميس 2 يوليو 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic