بقلم : عدنان بنشقرون
أول هذه الانحيازات هو انحياز التأكيد. فالناخب يميل بطبيعته إلى البحث عن المعلومات التي تدعم خياره السياسي. فإذا وُجّهت اتهامات إلى المرشح الذي يؤيده، غالبًا ما يعتبرها محاولة للتضليل، بينما يراها مقنعة وسهلة التصديق إذا استهدفت منافسه. وهكذا، لا يعود بعض المناصرين يبحثون عن حقيقة المعلومة، بل عن مدى خدمتها لمعسكرهم السياسي.
أما الانحياز الثاني فهو انحياز التوافر، حيث يكتسب الحدث الحديث أو الصادم أو الذي يحظى بتغطية إعلامية واسعة أهمية تفوق حجمه الحقيقي. فقد تؤثر قضية مثيرة للجدل في قرار الناخب أكثر من سنوات كاملة من الأداء الاقتصادي أو الحكومي، لأن ما يبقى حاضرًا في الذاكرة يبدو أكثر أهمية مما يتطلب تحليلًا معمقًا.
ويتمثل الانحياز الثالث في وهم الإجماع، إذ يعتقد كل تيار سياسي أن أفكاره تحظى بتأييد أوسع مما هي عليه في الواقع. فالسياسيون يتواصلون غالبًا مع أنصارهم وفرقهم الحزبية، ما قد يدفعهم إلى الاعتقاد بأن قاعدتهم الانتخابية تمثل المجتمع بأكمله.
أما انحياز المشاركة، وهو الرابع، فيظهر عندما يهيمن الأكثر نشاطًا على النقاش العام، رغم أنهم قد لا يمثلون الأغلبية. فالناشطون والمناضلون يملؤون منصات التواصل الاجتماعي، والاجتماعات، والتعليقات، بينما يظل المواطنون المعتدلون أو المترددون أو غير المهتمين أقل حضورًا، مما يمنح أقلية منظمة مظهر الأغلبية.
ويأتي بعد ذلك الانحياز العاطفي، حيث تدرك الحملات الانتخابية أن مشاعر الخوف والغضب والاستياء قادرة على تعبئة الناخبين بسرعة أكبر من الحجج العقلانية والبرامج المفصلة. لذلك، قد يكون لرسالة مثيرة للقلق تأثير يفوق تأثير برنامج انتخابي متكامل، فتتحول المنافسة السياسية إلى سباق لاستثارة المشاعر قبل إقناع العقول.
أما الانحياز السادس فهو دوامة الصمت. فعندما يعتقد الناخب أن رأيه يمثل أقلية أو أنه غير مقبول اجتماعيًا، فإنه يفضل الصمت، ويتجنب التعبير عن موقفه أو الدخول في النقاشات. ويؤدي هذا الصمت إلى تعزيز الانطباع بأن الرأي السائد أقوى وأكثر انتشارًا مما هو عليه فعليًا.
ويتمثل الانحياز السابع في وهم التكرار. فعندما يتكرر شعار سياسي أو جدل معين أو اسم مرشح باستمرار على شاشاتنا، نميل إلى الاعتقاد بأنه يهيمن على اهتمام المجتمع بأسره، بينما قد يكون هذا الحضور المكثف نتيجة مباشرة لتفضيلاتنا الرقمية وسلوكنا السابق على الإنترنت، الذي يدفع المنصات إلى عرض المزيد من المحتوى المشابه.
ولا تقتصر هذه الانحيازات على الناخبين وحدهم، فالأحزاب السياسية تنتقي البيانات التي تعزز قناعاتها، والناشطون يبالغون في تقدير حجم تأثير تحركاتهم، وخبراء الاتصال السياسي يفضلون الرسائل العاطفية، بينما يركز الإعلام على القضايا الأكثر تداولًا. وحتى مؤسسات استطلاع الرأي تجد نفسها مضطرة إلى تصحيح الفجوات بين المواطنين الذين يجيبون عن الاستطلاعات وأولئك الذين يلتزمون الصمت.
وبذلك، يساهم كل طرف، بدرجة أو بأخرى، في تشكيل صورة جزئية عن الحملة الانتخابية، ويكمن الخطر في الخلط بين الضجيج السياسي والرأي العام الحقيقي. فقد يكون حزب ما حاضرًا بقوة في وسائل الإعلام ومنصات التواصل، لكنه ضعيف انتخابيًا. وقد يحظى مرشح بحضور محدود على الإنترنت، بينما يتمتع بقاعدة شعبية واسعة على أرض الواقع. كما قد تتحول قضية مثيرة إلى حديث الساعة، دون أن يكون لها أي تأثير يُذكر على خيارات الناخبين يوم الاقتراع.
لذلك، ينبغي للديمقراطية أن تحمي نفسها، ليس فقط من التضليل الإعلامي، بل أيضًا من أوهام التمثيل التي تصنعها هذه الانحيازات، ويتطلب ذلك تعزيز التربية الإعلامية، وزيادة شفافية المنصات الرقمية، وترسيخ ثقافة الشك المنهجي. فمن الضروري أن يتمكن المواطنون من التعرف على الآليات التي توجه انتباههم، وأن تواجه الأحزاب قناعاتها ببيانات مستقلة، وأن يميز الإعلام بوضوح بين المحتوى واسع الانتشار وبين ما يعكس حقيقة توجهات المجتمع.
ولا يعني هذا إقصاء العاطفة من السياسة، فهي جزء طبيعي من العمل الديمقراطي، وإنما المقصود هو عدم الخلط بين المشاعر والواقع بأكمله، فالتصويت سيظل دائمًا فعلًا إنسانيًا، وبالتالي لن يكون كاملًا أو خاليًا من التأثر بالعوامل النفسية. لكن إدراكنا لهذه الانحيازات يمنحنا فرصة للحد من تأثيرها، حتى لا تصبح هي من يقرر نيابةً عنا.
وخلال أي حملة انتخابية، يعتقد كل طرف أنه يرى نبض الشعب الحقيقي؛ فالمناضل يرى رفاقه، والمرشح يرى مهرجاناته، والصحفي يرى الاتجاهات الرائجة، والناخب يرى ما تعرضه له منصات التواصل.
أما صندوق الاقتراع، فهو وحده الذي يرى الجميع. ولعل هذا ما يفسر لماذا تأتي نتائجه، في كثير من الأحيان، مفاجئة لأولئك الذين كانوا يعتقدون أنهم يعرفون مسبقًا اتجاه الرأي العام
الرئيسية















