لم تكن الزيادات الأخيرة في أسعار الحليب والمحروقات مجرد إجراءات تقنية تهدف إلى “إعادة التوازن المالي”، كما تروج له الخطابات الرسمية، بل شكلت صدمة اجتماعية عنيفة في بلد يُفترض أنه من كبار منتجي الطاقة إقليميًا. فارتفاع أسعار الوقود انعكس مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج، ما ينذر بموجة غلاء شاملة تطال المواد الغذائية والخدمات الأساسية، وتضع ملايين الجزائريين أمام معادلة قاسية: تآكل القدرة الشرائية مقابل غياب البدائل.
الأزمة الحالية أعادت إلى الواجهة فشل السياسات الاقتصادية المتراكمة، حيث تواجه الحكومة انتقادات حادة من منظمات حقوقية ونقابية، ليس فقط بسبب هذه الزيادات، بل بسبب العجز المزمن عن تحويل الثروة النفطية إلى اقتصاد منتج ومتنوع. فالدولة، التي ما تزال الفاعل شبه الوحيد في الدورة الاقتصادية، أخفقت في تطوير قطاعات حيوية كالصناعة والسياحة والفلاحة، ما جعل الاقتصاد رهينة لتقلبات أسعار النفط، وعاجزًا عن خلق الثروة وفرص الشغل خارج منطق الريع.
أما سياسة الدعم الواسع والزيادات المتكررة في الأجور، فقد تحولت – في نظر كثير من الخبراء – إلى حلول ترقيعية “وهمية”، هدفها امتصاص الغضب الشعبي لا أكثر، في ظل غياب أي زيادة حقيقية في الإنتاجية. وقد ساهم هذا النهج في استنزاف صندوق ضبط الإيرادات، الذي كان يُعد صمام الأمان المالي للبلاد، ليصبح اليوم شاهدًا على سوء التدبير بدل أن يكون أداة للاستقرار.
وفي خضم هذا التوتر الاجتماعي، اختارت السلطة مقاربة أمنية في التعامل مع الإضرابات، خاصة تلك التي قادها سائقو الشاحنات احتجاجًا على قانون المرور الجديد وارتفاع أسعار الوقود. فقد نددت منظمات حقوقية، من بينها “منظمة شعاع لحقوق الإنسان”، بسلسلة الاعتقالات والمتابعات القضائية التعسفية التي طالت مضربين ومدونين وثّقوا هذه التحركات السلمية. هذا التصعيد الأمني يثير مخاوف حقيقية بشأن مستقبل الحريات العامة، ويعيد إلى الأذهان أساليب قديمة أثبتت فشلها في احتواء الأزمات.
سياسيًا، دخلت حركة مجتمع السلم (حمس) على خط الأزمة، مطالبة بحوار وطني شامل، ومراجعة قانون المرور، والتراجع عن زيادات أسعار الوقود، معتبرة أن هذه المطالب تندرج ضمن الاستجابة المشروعة للاحتجاجات الشعبية. غير أن هذا الموقف قوبل بهجوم من وسائل الإعلام الرسمية، التي اتهمت الحزب بتوظيف الوضع سياسيًا، في مشهد يعكس ضيق هامش النقاش العمومي، ورفض السلطة لأي وساطة سياسية حقيقية.
كل هذه المؤشرات توحي بأن البلاد مقبلة على تصعيد أكبر، خاصة مع الحديث المتزايد عن إضراب وطني للتجار، نتيجة القرارات الاقتصادية المجحفة وتدهور شروط العيش. ويذهب متابعون إلى أن الجزائر تقف على عتبة “حراك شعبي ثانٍ”، قد يكون أكثر حدة من سابقه، في ظل الإحباط العميق الذي راكمه الجزائريون منذ الاستقلال، وشعورهم بأن الحكم العسكري المستبد ما زال يقيد الحريات ويحتكر القرار السياسي والاقتصادي.
إن ما تعيشه الجزائر اليوم ليس مجرد أزمة أسعار أو قانون مرور، بل أزمة نموذج حكم كامل، فشل في تحقيق التنمية، وعجز عن بناء عقد اجتماعي عادل، واختار مواجهة المطالب الاجتماعية بالأمن بدل الإصلاح. وإذا استمر هذا النهج، فإن شبح الانتفاضة الشعبية لن يكون مجرد احتمال، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من التهميش، قد يأتي – كما يحذر كثيرون – على الأخضر واليابس.
الأزمة الحالية أعادت إلى الواجهة فشل السياسات الاقتصادية المتراكمة، حيث تواجه الحكومة انتقادات حادة من منظمات حقوقية ونقابية، ليس فقط بسبب هذه الزيادات، بل بسبب العجز المزمن عن تحويل الثروة النفطية إلى اقتصاد منتج ومتنوع. فالدولة، التي ما تزال الفاعل شبه الوحيد في الدورة الاقتصادية، أخفقت في تطوير قطاعات حيوية كالصناعة والسياحة والفلاحة، ما جعل الاقتصاد رهينة لتقلبات أسعار النفط، وعاجزًا عن خلق الثروة وفرص الشغل خارج منطق الريع.
أما سياسة الدعم الواسع والزيادات المتكررة في الأجور، فقد تحولت – في نظر كثير من الخبراء – إلى حلول ترقيعية “وهمية”، هدفها امتصاص الغضب الشعبي لا أكثر، في ظل غياب أي زيادة حقيقية في الإنتاجية. وقد ساهم هذا النهج في استنزاف صندوق ضبط الإيرادات، الذي كان يُعد صمام الأمان المالي للبلاد، ليصبح اليوم شاهدًا على سوء التدبير بدل أن يكون أداة للاستقرار.
وفي خضم هذا التوتر الاجتماعي، اختارت السلطة مقاربة أمنية في التعامل مع الإضرابات، خاصة تلك التي قادها سائقو الشاحنات احتجاجًا على قانون المرور الجديد وارتفاع أسعار الوقود. فقد نددت منظمات حقوقية، من بينها “منظمة شعاع لحقوق الإنسان”، بسلسلة الاعتقالات والمتابعات القضائية التعسفية التي طالت مضربين ومدونين وثّقوا هذه التحركات السلمية. هذا التصعيد الأمني يثير مخاوف حقيقية بشأن مستقبل الحريات العامة، ويعيد إلى الأذهان أساليب قديمة أثبتت فشلها في احتواء الأزمات.
سياسيًا، دخلت حركة مجتمع السلم (حمس) على خط الأزمة، مطالبة بحوار وطني شامل، ومراجعة قانون المرور، والتراجع عن زيادات أسعار الوقود، معتبرة أن هذه المطالب تندرج ضمن الاستجابة المشروعة للاحتجاجات الشعبية. غير أن هذا الموقف قوبل بهجوم من وسائل الإعلام الرسمية، التي اتهمت الحزب بتوظيف الوضع سياسيًا، في مشهد يعكس ضيق هامش النقاش العمومي، ورفض السلطة لأي وساطة سياسية حقيقية.
كل هذه المؤشرات توحي بأن البلاد مقبلة على تصعيد أكبر، خاصة مع الحديث المتزايد عن إضراب وطني للتجار، نتيجة القرارات الاقتصادية المجحفة وتدهور شروط العيش. ويذهب متابعون إلى أن الجزائر تقف على عتبة “حراك شعبي ثانٍ”، قد يكون أكثر حدة من سابقه، في ظل الإحباط العميق الذي راكمه الجزائريون منذ الاستقلال، وشعورهم بأن الحكم العسكري المستبد ما زال يقيد الحريات ويحتكر القرار السياسي والاقتصادي.
إن ما تعيشه الجزائر اليوم ليس مجرد أزمة أسعار أو قانون مرور، بل أزمة نموذج حكم كامل، فشل في تحقيق التنمية، وعجز عن بناء عقد اجتماعي عادل، واختار مواجهة المطالب الاجتماعية بالأمن بدل الإصلاح. وإذا استمر هذا النهج، فإن شبح الانتفاضة الشعبية لن يكون مجرد احتمال، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من التهميش، قد يأتي – كما يحذر كثيرون – على الأخضر واليابس.
الرئيسية























































