بقلم : عائشة بوسكين
سيميولوجيا اللباس بالمغرب: بين "الخصوصية المغربية" وسطوة "النمط المشرقي"
انطلق الجدل من مشهد "الخمار الأسود"، وهو مشهد يحمل شحنة سيميائية قوية في الوجدان المغربي. يرى التيار المؤيد للمسلسل أن الدراما هنا تمارس دوراً "حمائياً" للهوية الوطنية؛ فالدعوة لاستبدال الخمار بـ"الحايك" أو "الجلباب المغربي" ليست هجوماً على الحجاب بحد ذاته، بل هي محاولة لإعادة الاعتبار للموروث المغربي الأصيل في مواجهة "الوافد المشرقي" الذي ارتبط في السياق الدرامي للعمل بتنظيمات متطرفة. من وجهة النظر هذه، يعتبر الخمار الأسود "دخيلاً ثقافياً" يطمس ملامح الشخصية المغربية، والعمل هنا يحاول فك الارتباط بين "التدين" وبين "اللباس الأفغاني أو السوري".
اتهامات "التطاول على الدين" والنزعة المحافظة
في المقابل، يقرأ تيار عريض من المتابعين هذه المشاهد بوصفها "تنميطاً سلبياً" للمرأة المحجبة أو المنقبة. يرى أصحاب هذا الطرح أن ربط الخمار دائماً بالإرهاب أو الجهل أو "الجن والإنس" هو استهداف مباشر لشعائر دينية يمارسها جزء من المجتمع. بالنسبة لهؤلاء، لا تملك الدراما الحق في تصنيف "درجات التدين" أو السخرية من خيارات لباس معينة تحت ذريعة محاربة التطرف. هذا التيار يتهم القائمين على العمل بمحاولة "تغريب" المجتمع وتمرير أجندات تهدف إلى خلخلة القيم المحافظة التي تشكل أغلبية النسيج المغربي
مأزق "المشاهدة العائلية" والرقابة المجتمعية
انتقل النقاش من الأيديولوجيا إلى "الأخلاق العامة" بعد ظهور مشاهد واحتوائها على إيحاءات وصفت بـ"الجريئة". هنا يبرز مفهوم "حرمة رمضان" في الثقافة المغربية، حيث يتحول التلفزيون إلى طقس جماعي يجمع العائلة بمختلف أجيالها. يرى المنتقدون أن إقحام حركات أو عبارات تخدش الحياء العام يكسر "العقد الضمني" بين القناة العمومية والأسرة المغربية. هذا النوع من الاحتجاج يعكس رغبة مجتمعية في بقاء الدراما ضمن حدود "الوقار التقليدي"، بينما يرى صناع العمل أن الفن يجب أن يكون مرآة للواقع بكل جرأته، وأن تقييد الإبداع بـ"الرقابة الأخلاقية" يقتل قدرة الدراما على معالجة الظواهر المسكوت عنها.
سيكولوجية الشخصيات : من قمع "منانة" إلى تمرد الأبناء
في زاوية تحليلية جديدة، يطرح الجزء الثالث إشكالية "انتقال الصدمات عبر الأجيال". فإذا كان النص الأصلي لـ "لوركا" يركز على كبت البنات، فإن النسخة المغربية لعام 2026 تذهب أبعد لتسلط الضوء على "الأبناء" الذين كبروا في ظل أمهات عانين من تسلط الجدة "منانة". ظهور "الخمار" هنا ليس مجرد قطعة ثوب، بل هو أداة درامية لتمثيل "التمرد المتطرف" للجيل الجديد على سطوة العائلة التقليدية. المسلسل يحاول أن يقول إن القمع الأسري القديم قد يولد تطرفاً فكرياً أو سلوكياً لدى الأحفاد، وهو تحليل سيكولوجي عميق يربط بين "انغلاق البيت" وانفتاح الأبناء على "أيديولوجيات الخارج" العابرة للحدود، مما يحول "بيت لالة منانة" من سجن عاطفي إلى ساحة مواجهة فكرية عالمية.
خارج "الكادر" الدرامي: تحول المُشاهد المغربي من "مستهلك" إلى "محلل أيديولوجي"
بعيداً عن الشاشة، أثبت الجدل أن المسلسل أصبح ساحة لـ "حرب ثقافية" باردة في المغرب. فالمجتمع لم يعد يكتفي بالاستهلاك السلبي، بل صار "ناقداً أيديولوجياً" يفكك الخلفيات السياسية والتمويلية خلف كل مشهد. الأسئلة التي طُرحت من قبيل "من يقف وراء هذا العمل؟" و"ما هي الرسائل المراد تمريرها؟" تعكس حالة من "تسييس الفن"؛ حيث يُنظر للدراما كأداة لتشكيل الوعي المجتمعي. إن الصراع بين "الحداثيين" الذين يدافعون عن تعرية الواقع وتحرير المرأة، وبين "المحافظين" الذين يرون في ذلك "إفساداً منظماً"، يؤكد أن "بنات لالة منانة" نجح في كشط القشرة السطحية للنقاش العمومي ليغوص في أعمق أزمات الهوية المغربية المعاصرة.
ختاماً، يمكن القول إن "بنات لالة منانة" في نسخته لعام 2026 قد تجاوز كونه مجرد اقتباس مغربي ناجح لعمل "لوركا"، ليصبح "مختبراً سوسيولوجياً" يقيس درجة حرارة التحولات في المغرب. فالمجتمع اليوم لم يعد يكتفي بالاستهلاك السلبي للدراما، بل صار "ناقداً أيديولوجياً" يفكك الرسائل المشفرة خلف كل مشهد. إن الصراع حول "الخمار" أو "الإيحاءات" هو في جوهره تدافع بين رؤيتين للمغرب المستقبلي : رؤية تناشد التحرر من "المشرقية" الوافدة، ورؤية تتشبث بالوقار التقليدي وتعتبره خط الدفاع الأخير عن الأخلاق العامة، ليظل المسلسل بذلك وثيقة درامية تؤرخ لصدام فكري وقيمي في مغرب يتحول بسرعة.
الرئيسية















