بقلم : عدنان بنشقرون
مرحبًا بك، أيها الرفيق. مرحبًا بك بين أولئك الذين يؤمنون بأن الشعوب أسمى من الخلافات التي تفرقها، مرحبًا بك بين مغاربة لم يتوقفوا يومًا عن التمييز بين الجزائر الخالدة والظروف السياسية التي تمر بها، تمامًا كما تفعل أنت بشجاعة لافتة.
لقد كتبت أن الحدود تخص الدول، أما القلوب فتخص الشعوب، ولم نكن لنجد عبارة أصدق من هذه.
نحن لا نتقاسم الجغرافيا فقط، بل نتقاسم أيضًا الذاكرة. لدينا الجبال نفسها التي تتطلع إلى السماء ذاتها، والرياح نفسها القادمة من الأطلسي والصحراء، والشعراء أنفسهم، والموسيقى نفسها، والأطباق ذاتها التي لا يتغير فيها سوى الاسم من مدينة إلى أخرى، والكلمات العربية والأمازيغية والفرنسية نفسها التي تعبر عن المشاعر ذاتها.
كان أجدادنا يتاجرون معًا دون جوازات سفر، وكان فنانونا يتحاورون، وكان مثقفونا يتناقشون، وكانت عائلاتنا تعبر الحدود كما لو كانت تعبر شارعًا، ذلك التاريخ لم يختفِ، إنه فقط ينتظر لحظته.
إن استعادة حريتك تتجاوز شخصك، فهي تذكرنا بأن الكاتب الحر يزعج دائمًا أكثر من الرجل الصامت، لأن الفكرة تستطيع عبور الجدران التي تعجز السجون عن احتجازها، لقد قلت إنك ترغب في التفكير معنا.
ونحن نقبل هذه الدعوة بكل ترحيب.
لن نسعى إلى الاتفاق حول كل شيء، فذلك سيكون أفضل وسيلة لعدم بناء أي شيء. لكن بإمكاننا أن نتقاسم على الأقل قناعة واحدة: وهي أن أياً من دول المغرب الكبير لن تحقق مكسبًا دائمًا إذا كان جيرانها يخسرون.
إن القرن الحادي والعشرين لا يطلب منا أن نستعيد جراح القرن العشرين، بل يدعونا إلى ابتكار ما حلم به آباؤنا دون أن ينجحوا في تحقيقه : مغرب عربي قادر على التعاون والابتكار والتبادل التجاري، وحماية شبابه، واستعادة مكانته بين أوروبا وإفريقيا والبحر الأبيض المتوسط.
نحن نعلم أن هذا الطريق سيكون طويلًا، فالندوب موجودة، والخلافات قائمة، والذكريات أحيانًا مؤلمة، لكن أي مصالحة في التاريخ لم تبدأ يومًا بمعاهدة، بل بدأت دائمًا برجال ونساء قبلوا أن يواصلوا الحوار.
ورسالتك تنتمي إلى هذا النوع،إنها لا تحل كل شيء، لكنها تفتح بابًا، وأحيانًا يكون ذلك وحده أمرًا عظيمًا.
لذلك نعم...فلنتبادل الرسائل، ولنتحاور، ولنختلف عندما يكون الاختلاف ضروريًا، ولنرفض الصور النمطية، ولنرفض الكراهية الموروثة.
ولنرفض أن تتحول شبكات التواصل الاجتماعي إلى مصانع جديدة للحدود،ستمضي الحكومات، وستمضي الأجيال.
لكن الشعبين المغربي والجزائري سيظلان ينظران إلى بعضهما من جانبي التاريخ نفسه. ويوم تُفتح هذه الحدود من جديد، فلن يكون ذلك مجرد انتصار دبلوماسي، بل سيكون انتصارًا إنسانيًا.
وإلى أن يحين ذلك اليوم، تستطيع الكلمات أن تعبر، فهي أول المسافرين في طريق السلام.
إذن...مرة أخرى، مرحبًا أيها الرفيق، إن المغاربة يعرفون كيف يستقبلون من يتحدث بضميره.
ويعرفون أيضًا كيف يميزون الأصدقاء الذين يأتون بلا كراهية، حاملين شجاعة الحقيقة وأمل المستقبل المشترك.
فلتكن هذه المحادثة مجرد البداية.
رسالة بوعلام صنصال المنشورة لدى زملائنا في موقع Le360
إلى إخوتي المغاربة... على الجانب الآخر من الحدود، لكن على الجانب نفسه من التاريخ والقلب والعقل
أصدقائي المغاربة، إخوتي الأعزاء،
الحياة مليئة بالمفارقات أحيانًا.
قبل أشهر قليلة فقط، كنت سجينًا في أحد السجون الجزائرية. أما اليوم، فإن أولى خطواتي تقودني إليكم. لقد استعدت حريتي، واستعدت قدرتي على الكلام، وأستعيد التواصل مع شعب شعرت دائمًا أنه قريب مني.
لم يكن المغرب يومًا بلدًا أجنبيًا بالنسبة إليّ. فنحن جيران بحكم الجغرافيا، وإخوة بحكم التاريخ، ورفاق بحكم الثقافة، ويربطنا هذا البحر الأبيض المتوسط الذي جمع بين الشعوب منذ آلاف السنين أكثر مما فرق بينها.
هناك حدود تفصل بيننا، ولها أسبابها، لكن الحدود تخص الدول، أما القلب والعقل والأمل فهي ملك للشعوب.
أنا لا أكتب إليكم من منفى ولا من ملجأ. أكتب إليكم من فرنسا، وهي بلدي الذي أعيش فيه اليوم، ومن الجزائر، وطني الذي وُلدت فيه والذي أُبعدت عنه ظلمًا، لكنه لن يغادر ذاكرتي أبدًا، ومن المغرب أيضًا، الذي آمل أن أزوره كلما سنحت الفرصة، لأن بين بلداننا الثلاثة تاريخًا هو أيضًا تاريخي وتاريخنا جميعًا.
وأرفض أن تكون الحدود هي الكلمة الأخيرة،فالحدود ترسم الخرائط، لكنها لا ترسم الضمائر.
أتاح لي موقع Le360 اليوم فرصة مواصلة حوار بدأ منذ زمن بعيد معكم. ويسعدني ذلك أكثر لأن هذه المنصة أصبحت، في المغرب وخارجه، فضاءً معروفًا للإخبار والتفكير والنقاش، يقرأه الناس في مختلف أنحاء المغرب الكبير وأوروبا وكل مكان يهتم بمستقبل منطقتنا.
لا آتي لأقنع أحدًا، ولا لاستمالة أحد، بل آتي لأفكر معكم، نعيش اليوم زمنًا تنتقل فيه المعلومات بسرعة الضوء، بينما يسير الفهم بخطى الإنسان البطيئة. نحن نعرف الكثير، لكننا نفهم أقل فأقل ما يجري حولنا.
وأصبح الفهم اليوم ضرورة، فالمعرفة لا قيمة لها إلا إذا قادت إلى الوعي، والوعي لا قيمة له إلا إذا أنار مسؤوليتنا.
وأنا أؤمن إيمانًا عميقًا بقوة الأفكار، فهي لا تغير العالم في يوم واحد، لكنها تغير الإنسان، والإنسان هو الذي يغير العالم.
بهذه الروح سأكتب إليكم.
سنتحدث عن كل ما يشكل حياتنا : عن حرياتنا، ومعتقداتنا، ومخاوفنا، وأبنائنا، وأوطاننا، وحتى عن أخطائنا.
وباختصار، سنتحدث عن مستقبلنا المشترك، وسنتحدث بطبيعة الحال عن الجزائر.
أنا لا أخلط بين الشعب الجزائري والنظام الذي يحكمه، فالجزائريون هم أول ضحايا نظام يحرمهم من الحرية ويبعدهم عن جيرانهم.
ومن هذا المنطلق، فإن المغرب ليس بالنسبة إلي طرفًا في مواجهة الجزائر، بل شريكًا لا غنى عنه للتفكير، مع الجزائر التي أحلم بها، في مستقبل إقليمي قائم على الأخوة.
فالمغرب، بما يمتلكه من دينامية وانفتاح وطموحات، يشكل نقطة ارتكاز أساسية لهذا التفكير.
ومن خلال جزائر حرة، متصالحة مع نفسها ومع جيرانها، سنتمكن من إعادة بناء مصيرنا المشترك.
وسأواصل قول ما يمليه علي ضميري، من دون كراهية، ومن دون مجاملة.
لأن الصمت لا يحمي الشعوب على المدى البعيد.
وأنا مقتنع بأن المغرب الكبير، ومنطقة الساحل، وغرب البحر الأبيض المتوسط، يمكنها أن تستعيد مكانتها كفضاء للذكاء والازدهار والحضارة.
ولا شيء يحكم عليها بالبقاء في حالة عداء دائم، سوى استسلام البشر.
ولهذا أؤمن بالحوار، ليس الحوار الشكلي الذي يخدر الضمائر، بل الحوار الذي يجبر كل طرف على مواجهة الواقع كما هو.
الحوار الذي ينقلنا من المعرفة إلى الوعي، ومن الوعي إلى الالتزام.
وليس التزامًا يقوم على الغضب أو الضغينة، بل تعبئة للعقول والإرادات في خدمة الصالح العام، ومواجهة كل ما يعاكس العقل والحرية ومصيرنا المشترك.
سأكتب إليكم بكل حرية، وآمل أن تردوا عليّ بالقدر نفسه من الصراحة.
فالحكومات ترحل، أما الشعوب فتبقى.
فلنواصل إذن الحديث.
قد تفصل بيننا الحدود أحيانًا، لكنها لن تمنعنا أبدًا من أن نكون في الجانب نفسه من القلب والعقل والأمل.
باريس، 22 يوليوز 2026
الرئيسية















