كتاب الرأي

أخيراً… دقت الساعة في اتجاه المواطنين


من التوقيت الإداري إلى التوقيت الإنساني



بقلم: سارة البوفي

ليس من المعتاد أن تعترف السياسات العمومية بأخطائها، ولا أن تتراجع القرارات الإدارية عن اختيارات دافعت عنها لسنوات طويلة باعتبارها “ضرورية” و”استراتيجية”. لذلك، فإن أي قرار يقضي بإعادة العمل بالساعة القانونية للمملكة يكتسب قيمة تتجاوز مجرد تعديل عقارب الزمن، ليصبح اعترافاً ضمنياً بأن حسابات الواقع أقوى من حسابات المكاتب.

منذ اعتماد التوقيت الصيفي بشكل شبه دائم، ظل النقاش محتدماً بين من رأى فيه وسيلة لترشيد استهلاك الطاقة وتحسين مردودية الاقتصاد، وبين من اعتبره عبئاً يومياً يثقل كاهل المواطنين ويؤثر سلباً على حياتهم الأسرية والاجتماعية والصحية. ومع مرور السنوات، بدا واضحاً أن الكفة تميل تدريجياً لصالح الرافضين لهذا التوقيت، ليس بدافع العاطفة أو الحنين إلى الماضي، بل استناداً إلى معطيات ملموسة عاشها المغاربة في تفاصيل حياتهم اليومية.

لقد كانت الصورة الأكثر تعبيراً عن هذا الاختلال هي صورة آلاف التلاميذ وهم يغادرون منازلهم قبل شروق الشمس، في طرقات يغلفها الظلام والبرد، بينما يجد الآباء أنفسهم مجبرين على التكيف مع إيقاع زمني لا ينسجم مع الدورة الطبيعية للحياة. ولم يكن الأمر مقتصراً على التلاميذ فقط، بل امتد إلى العمال والعاملات في الحقول والمصانع والإدارات، الذين دفعوا ثمن اختيارات لم يلمسوا انعكاساتها الإيجابية بالقدر الذي وعدت به الجهات المدافعة عنها.

ولعل أبرز إشكال رافق هذا الملف هو أن المبرر الأساسي للقرار، والمتمثل في تحقيق مكاسب طاقية واقتصادية، ظل محاطاً بالكثير من الغموض. فالرأي العام لم يحصل يوماً على تقييم شامل وشفاف يوضح حجم الأرباح الفعلية التي جنتها البلاد مقابل الكلفة الاجتماعية والنفسية التي تحملها المواطنون. وبينما جرى الحديث مراراً عن دراسات وخبرات وتقارير تقنية، بقي المواطن العادي ينتظر أرقاماً واضحة تقنعه بأن ساعة إضافية تستحق كل هذا الجدل، وكل هذا الاضطراب الذي أصاب حياته اليومية.

إن الزمن ليس مجرد أرقام على شاشة هاتف أو عقارب تدور فوق ساعة معلقة على الجدار. الزمن، في جوهره، علاقة اجتماعية ونفسية وثقافية. وحين يتعارض التوقيت الرسمي مع الإيقاع الطبيعي للمجتمع، تصبح المشكلة أعمق من مجرد فرق بستين دقيقة. فالإنتاجية لا تقاس فقط بعدد ساعات العمل، بل كذلك بجودة النوم والتركيز والصحة النفسية والاستقرار الأسري. وكلها عناصر ظلت حاضرة بقوة في انتقادات المختصين والتربويين والأسر على حد سواء.

لقد أعادت الدولة عقارب الساعة إلى موضعها الطبيعي، لكنها في الآن ذاته أعادت الاعتبار إلى مبدأ بالغ الأهمية في تدبير الشأن العام: لا وجود لقرار فوق المراجعة. فالتجربة هي الحكم الأخير على السياسات العمومية، وحين تثبت السنوات أن الكلفة الاجتماعية والنفسية تفوق المكاسب المنتظرة، يصبح التصحيح فضيلة لا تراجعاً، وحكمة لا ضعفاً. إن شجاعة الاعتراف بحدود قرار ما تبقى أكثر قيمة من الإصرار عليه رغم اتساع دائرة المتضررين منه.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن التنمية لا تقاس فقط بالمؤشرات الاقتصادية المجردة، بل أيضاً بمدى انسجام السياسات العمومية مع احتياجات المواطنين وتطلعاتهم. فالإنسان ينبغي أن يظل محور القرار العمومي وهدفه الأول، لا مجرد رقم داخل معادلة تقنية أو حساب اقتصادي.

وفي النهاية، إذا كان من درس يمكن استخلاصه من هذا الجدل الطويل، فهو أن الاعتراف بعدم جدوى قرار ما ليس هزيمة، بل خطوة أولى نحو الحكامة الرشيدة. فالتراجع عن الخطأ فضيلة سياسية، والإنصات لصوت المجتمع قوة لا ضعف، وإعادة الساعة القانونية قد تكون، في جوهرها، إعادة الاعتبار لفكرة بسيطة مفادها أن الزمن يجب أن يخدم الإنسان، لا أن يخضع الإنسان لإكراهات الزمن.




الخميس 25 يونيو 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic