كتاب الرأي

الدكتور مصطفي الكثيري المندوب السامي للمقاومة وأعضاء جيش التحرير في حوار خاص للعلم ""


وثيقة المطالبة بالاستقلال جسدت وضوح الرؤية والتنسيق التام في الكفاح الوطني بين العرش والشعب .


زيارة طنجة كانت المحطة الفاصلة للجهر بالمطالبة بالاستقلال

عودة المغفور له محمد الخامس من المنفى كانت ثمرة لكفاح مشترك بين العرش والشعب وبداية للبناء واستكمال الوحدة الترابية



نخلد هذه الأيام 16 و17و 18 من شهر نونبر الذكرى الرائعة للأعياد الثلاثة المجيدة ، عيد عودة المغفور له محمد الخامس من المنفى يوم 16بعاث يوم 17 وعيد الاستقلال ، وعيد الاستقلال يوم 18، هذا اليوم الذي اختير للاحتفال بعيد الاستقلال ، بدل التاريخ الفعلي للاستقلال وهو الثاني من مارس الذي 1956 الذي تم فيه التوقيع على وثيقة الاستقلال. وقد ارتأت جريدة العلم التي عاشت تلك الحقبة وعايشتها وكانت جزء منها، إلا أن تستعيدها بهذه المناسبة ، ربطا للماضي بالحاضر، في مواصلة الكفاح والنضال الذي بدأ في ذلك الوقت بتحرير الأرض والإنسان،  واستمر بمعركة البناء، بناء البلاد وبناء الديمقراطية ودولة المؤسسات،  والدفاع عن الوحدة الترابية ومقومات وثبات الأمة المغربية وإنسيتها . 

ولمزيد من التوضيح اتصلنا بالدكتور المصطفى الكثيري المندوب السامي للمقاومة وجيش التحرير الذي خص العلم بهذا الحوار.

س:-مثل مؤتمر آنفا محطة مهمة من مراحل المطالبة بالاستقلال. كيف تنظرون إلى هذه المحطة ؟


    ج:  سيظل مؤتمر أنفا، الذي احتضنته الدار البيضاء ما بين 14 و24 يناير سنة 1943، حدثا خالدا في تاريخ هذه المدينة المناضلة كمحطة مفصلية، أسهمت، بقوة وعلى مدى عقود، في رسم ملامح عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية .

   فالعشرة أيام التي استغرقها المؤتمر، الذي حمل اسم الفندق الذي احتضن اجتماعات المنتصرين المستقبليين في الحرب، كانت مصيرية وحاسمة سواء في ما يتعلق بإنهاء أكبر صراع مسلح في تاريخ العالم الحديث، أو في ما يخص تحقيق تطلعات المغرب إلى التحرر والاستقلال .


   فقد شكل هذا المؤتمر فرصة بالنسبة للحلفاء أي الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا، الذين قدموا إلى مدينة الدار البيضاء، للاتفاق بخصوص السيناريوهات المحتملة لكسب الحرب، والإعداد لنظام دولي جديد، من شأنه رسم خارطة طريق تحدد معالم ميزان القوى في عالم ما بعد الحرب .

   وفي هذا المؤتمر، اغتنم جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، الذي اتخذ منذ بداية الحرب موقفا مؤيدا للحلفاء ضد النازية، التعاطف الذي كانت تحظى به المملكة المغربية  للحصول على دعم الحلفاء، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، من أجل طرح قضية المغرب ومطالبه المشروعة بالحرية والاستقلال .


   وبحضور الرئيس الأمريكي آنذاك "فرانكلين روزفيلت" ورئيس الوزراء البريطاني "وينستون تشرشل" والجنرالين الفرنسيين "شارل دوغول" و"هنري جيرو"، سيخرج مؤتمر أنفا بقرارات مصيرية ومحددة لمآل العالم ما بعد الحرب، ومنها اجتثاث عناصر قوة بلدان المحور، ومواصلة دعم الاتحاد السوفياتي، وغزو صقلية ثم إيطاليا مباشرة بعد نهاية المعارك الدائرة بتونس .

   وتولى الرئيس الأمريكي مهمة الإعلان عن القرارات الهامة التي اتخذت في المؤتمر يوم 12 فبراير 1943 في خطاب إذاعي، مشيرا إلى أن المؤتمر سيكون بداية مسار تحقيق السلم والأمن، وبداية جديدة في تاريخ الإنسانية المعاصر، ومعربا عن تأييده لمطالب المغرب، بعدما وصف طموحه باستعادة حريته بالمعقول وأن مكافأة الحلفاء له واجب .

  وكان الحلفاء، أسابيع قليلة قبل انعقاد المؤتمر، قد أنجزوا، حسب المؤرخين، "أول خطوة استراتيجية   مضادة" لألمانيا النازية، تمثلت في الإنزال التاريخي الذي قامت به القوات الأمريكية بالمغرب يوم 8 نونبر من عام 1942، وهو الإنزال الذي أطلق عليه اسم "الشعلة"، وشكل محطة غيرت مجرى الحرب تماما. وقد جرت يوم الاثنين 23 يناير 2023 بمدينة القنيطرة مراسم إزاحة الستار عن الجدارية المخلدة للذكرى الثمانين لعملية ” الشعلة “، بمبادرة مشتركة من سفارتي بولونيا والولايات المتحدة الأمريكية بالمغرب .

   فوجود القوات الأمريكية بالقرب من أوروبا مكن من إضعاف القوات النازية، التي استنزفت قبل ذلك، بفعل المقاومة الشرسة التي واجهتها بالجبهة السوفياتية .


مؤتمر آنفا: المغفور له محمد الخامس طرح قضية استقلال المغرب وتلقى تأييد الرئيس الأمريكي روزفلت

   وقد اغتنم جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه فرصة احتضان المغرب لهذا المؤتمر لمناقشة قضية استقلال المملكة المغربية، ومطالبها المشروعة، كما ذكرت آنفا، مع الرئيس الأمريكي  "روزفلت" الذي عبر عن تأييده لهذه المطالب، ودعمه لنضالها من أجل الحرية و الاستقلال، وهو الذي كان مصمما على تنفيذ بنود معاهدة حلف الأطلسي المصادق عليها من طرف الحلفاء سنة 1941، والتي ارتكزت بالخصوص على الدفاع عن الحرية وعن استقلال الشعوب .

   وتبعا لذلك، فما إن حلت السنة الموالية لانعقاد مؤتمر أنفا حتى هيأت نخبة من الوطنيين وثيقة المطالبة بالاستقلال، في 11 يناير 1944، ضمنوها المطالب الأساسية المتمثلة في استقلال البلاد، وذلك بتشجيع وتزكية من بطل التحرير والاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس الذي كان يشير عليهم بما يقتضيه نظره من إضافات وتعديلات، وانتقاء الشخصيات التي ستتكلف بتقديمها، مع مراعاة تمثيل جميع الشرائح الاجتماعية وكل مناطق البلاد لتكون لجميع المغاربة بصمتهم في هذا الحدث المهم في تاريخ البلاد .

   وبذلك يكون المؤتمر قد استشرف آفاقا جديدة للعمل السياسي أمام الحركة الوطنية، ومكنها من الحصول على دعم دولي لمطالبها المشروعة، والمتمثلة في الحرية والاستقلال، بل إن القرارات المتمخضة عنه أرست دعائم مبدإ حق تقرير المصير للشعوب التي ترزح تحت نير الاستعمار، وفاصلا بين مرحلتين متباينتين من تاريخ الإنسانية جمعاء .

   فمؤتمر أنفا، أعتبره محطة مفصلية  في تاريخ المغرب المعاصر وعلامة فارقة في الذاكرة الجماعية ليس فقط بالنسبة للمغاربة، بل لشعوب العالم أجمع، فهو تجسيد فعلي للثوابت التي قامت عليها المملكة المغربية ودورها، الذي شهد به زعماء العالم حينذاك، كدولة تحرص على ترسيخ وتكريس وإشاعة مبادئ وقيم الحرية والديمقراطية والسلم العالمي .

عريضة المطالبة بالاستقلال: من المطالبة بالإصلاح إلى الجهر باستقلال المغرب

س:    في سنة 1944 قدم ثلة من الوطنيين وثيقة المطالبة بالاستقلال  ماذا حملت هذه الوثيقة، وكيف كان التنسيق بين الوطنيين والمغفور له محمد الخامس؟

ج: لابد في البداية أن  أذكر بأن المغرب خاض عبر تاريخه الطافح بالأمجاد والمكارم نضالات مريرة وملاحم بطولية في مواجهة الوجود الأجنبي والتسلط الاستعماري الذي لم يفوت فرصة لبسط نفوذه وهيمنته على التراب الوطني قرابة نصف قرن، وقسم البلاد إلى مناطق نفوذ موزعة بين الحماية الفرنسية بوسط المغرب، والحماية الإسبانية بشماله والنفوذ الاستعماري على أقاليمه الجنوبية، فيما خضعت منطقة طنجة لنظام حكم دولي. وتواصلت وتعززت مطالب المغرب في الحرية والاستقلال بإعلان العزم الأكيد على إنهاء الوجود الاستعماري وتمسك المغرب بثوابته ومقدساته ومقوماته التاريخية والحضارية وهويته الوطنية، ودفاعه المستميت عن حدوده وحياضه وحوزته .

    وهكذا، يسجل التاريخ بحروف من نور ونار مواجهة المغرب للأطماع الأجنبية، وتصديه بإيمان وعزم وحزم وإصرار، لإنهاء الوجود الاستعماري على ترابه. وفي هذا المقام ،أستحضر غيضا من فيض روائع وأمجاد المقاومة المغربية لقوات الاحتلال الأجنبي بكافة جهات المملكة . 

معارك خلدها تاريخ الكفاح الوطني

ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر، معركة الهري بالأطلس المتوسط سنة 1914، التي خلدنا ذكراها الأخيرة التاسعة بعد المائة يوم الأربعاء 8 يناير 2023 بجماعة لهري بإقليم خنيفرة، معركة أنوال بالريف من 1921 إلى 1926، ومعركة بوغافر بورزازات، ومعركة جبل بادو بالرشيدية سنة 1933، وما إليها من الملاحم والمعارك البطولية. وتواصل بعد ذلك العمل السياسي الذي ظهرت أولى تجلياته في مناهضة ما سمي بالظهير البربري سنة 1930 الذي كان من أهدافه شق الصف الوطني والتفريق بين أبناء الشعب المغربي الواحد لزرع التمييز العنصري والنعرات القبلية والطائفية. وتلا ذلك تقديم سلسلة من المطالب الإصلاحية ومنها برنامج الإصلاح الوطني. كما استمرت التعبئة الوطنية وإشاعة الوعي الوطني والتمسك بالقيم الدينية والوطنية ونشر التعليم الحر الأصيل وتنوير الرأي العام الوطني وأوسع فئات الشعب المغربي وشرائحه الاجتماعية بالحقوق المشروعة وبعدالة المطالب الوطنية .

وتوج هـذا العمل الدؤوب بتقديم الوثيقة التاريخية، وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944، وجسدت في تلك الظرفية التاريخية، وضوح الرؤيا والأهداف وعمق وقوة إرادة التحرير، حيث تمت بتنسيق تام بين بطل التحرير والاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه وقادة الحركة الوطنية .
 
وثيقة الاستقلال: تجسيد لكفاح مشترك بين العرش والشعب

  وهنا، ينبغي الإشارة إلى أن هذه الوثيقة التاريخية تضمنت جملة من المطالب السياسية والمهام النضالية، أولا، ما يتعلق بالسياسة العامة أي استقلال المغرب، تحت قيادة ملك البلاد الشرعي سيدي محمد بن يوسف، والسعي لدى الدول التي يهمها الأمر لضمان هذا الاستقلال، وكذا طلب انضمام المغرب للدول الموافقة على وثيقة الاطلنطي (الأطلسي) والمشاركة في مؤتمر الصلح .
 
ثانيا، ما يتعلق بالسياسة الداخلية أي الرعاية الملكية لحركة الإصلاح وإحداث نظام سياسي شوري شبيه بنظام الحكم في البلاد العربية والإسلامية بالشرق، تحفظ فيه حقوق وواجبات كافة فئات وشرائح الشعب المغربي . 

دعني أقول بأن وثيقة المطالبة بالاستقلال في سياقها التاريخي والظرفية التي صدرت فيها، جسدت ثورة وطنية بكل المعاني والمقاييس وعكست وعي المغاربة ونضجهم، وأعطت الدليل والبرهان على قدرتهم وإرادتهم للدفاع عن حقوقهم المشروعة وتقرير مصيرهم وتدبير شؤونهم بأنفسهم وعدم رضوخهم لإرادة المستعمر وإصرارهم على استكمال  مسيرة النضال التي تواصلت فصولها بعزم وإصرار في مواجهة النفوذ الأجنبي إلى أن تحقق النصر المبين بفضل ملحمة ثورة الملك والشعب المجيدة في 20 غشت 1953 التي توجت بالعودة المظفرة لجلالة المغفور له محمد الخامس من المنفى إلى أرض الوطن، معلنا عن بزوغ فجر الحرية والاستقلال وأفول عهد الحجر والحماية .

 
زيارة محمد الخامس لطنجة:  رمز لتحدِي محمد الخامس للاستعمارين الفرنسي والإسباني 

ج:  شكلت زيارة المغفور له محمد الخامس لطنجة حدثا مفصليا في المطالبة بالاستقلال ، ماهي دلالات وأبعاد  هذه الزيارة في تاريخ  النضال الوطني من أجل الاستقلال ؟

    ج:  لا يمكننا الحــديث عن الزيـارة الميمونــة للعاهـل المفدى سيدي محمد بن يوسف بمعية الأمراء لمدينة طنجة أيام 9 و10 و11 أبريل 1947، للمطالبة جهرا بالاستقلال الوطني،  دون استحضار الأحداث الدامية التي شهدتها مدينة الدار البيضاء يوم 7 أبريل 1947.


 ففـي هذا اليوم، أقدمت قوات الاحتـلال الأجنبي على اقتراف مجزرة رهيبة في حق ساكنة الدار البيضاء للحيلولة دون قيام جلالـة المغفـور له محمد الخــامس رضوان الله عليه بزيـارة الوحـدة التاريخيـة لمدينة طنجـة يوم 9 أبريل 1947، لما كانت تهدف إليه تلك الرحلة الميمونة من تأكيد مطالب المغرب المشروعة في نيل حريته واستقلاله وتحقيق وحدة ترابه الوطني وتمسكه بانتمائه العربي والإسلامي .


وإن الذاكرة التاريخية الوطنية لتختزن أحداثا مشهودة من أيام هذه المدينة المناضلة، المشهود لها بالغيرة الوطنية ونكران الذات والتضحيات الجسام التي بذلها أبناؤها في رياض العمل الوطني والمقاومة والتحرير، دفاعا عن المقدسات الدينية والثوابت الوطنية، وتحديا لسلطات وقوات الاحتلال الأجنبي خلال مواجهات يوم 7 أبريل 1947، إذ تصدى البيضاويون بكل إيمان وشجاعة وإقدام لحملات التنكيل والتقتيل التي شنتها عليهم القوات الاستعمارية بدوافع انتقامية وعدوانية . 

 فقد اختلقت السلطات الاستعمارية أسبابا واهــية ليدفع فيليب بونيفاص، رئيس ناحـية الدار البيضاء آنذاك جنوده وزبانيته إلى ترويع وتقتيل المواطنين بكل من أحياء ابن مسيك وكراج علال ومديونة ودرب الكبير والأحياء المجاورة دون تمييز بين أطفال وشيوخ ونساء، فسقط المئات من المواطنين بين شهداء وجرحى ومعطوبين، واعتقل العديد من النشطاء الوطنيين والنقابيين والمناضلين وعموم المواطنين .

بيد أن بطل التحرير والاستقلال والمقاوم الأول، جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، تحدى قوات الاحتلال الغاشم، وأدرك أبعاد وأهداف المؤامرة الدنيئة التي أقدمت عليها سلطات الإقامة العامة للحماية الفرنسية، فتوجه إلى مدينة الدار البيضاء ليواسي عائلات الضحايا ثم ليتوجه بعد ذلك إلى مدينة طنجة للقيام بزيارته في موعدها المقرر، محبطا بذلك مناورات السلطات الاستعمارية. وألقى جلالته خطابـه التاريخي الذي أكد فيه للعالم أجمع إرادة الشعب المغربي وعزمه على المطالبة بحريته واستقلاله، معلنا أن المغرب متمسك بسيادته ووحدته وصون كيانه الوطني .

كما كان لهذه الزيارة جانب روحي، إذ ألقى أمير المؤمنين جلالة المغفور له محمد الخامس يوم الجمعة 10 أبريل 1947 خطبة الجمعة، وأمّ المؤمنين في الصلاة في المسجد الأعظم بطنجة، حاثا الشعب المغربي على التمسك برابطة الدين، فهي الحصن الحصين لأمتنا ضد مطامع الغزاة. لذلك، نجد أن الرحلة الملكية التاريخية إلى طنجة كان لها وقع بمثابة الصدمة بالنسبة لسلطات الحماية التي أربكت حساباتها، فأقدمت على الفور على عزل المقيم العام الفرنسي "ايريك لابون"، ليحل محله الجنرال "جوان" الذي بدأ حملته المسعورة على المغرب بتضييق الخناق على القصر الملكي وتنفيذ مؤامرة النفي .


كما كان للخطاب الذي ألقته صاحبة السمو الملكي الأميرة للا عائشة بدار المخزن بالقصبة يوم 11 أبريل 1947 الأثر البالغ والوقع العميق في نفوس نساء وفتيات طنجة، لما حمله خطاب سموها من دعوات إلى واجب إشاعة العلم ونشر المعرفة وتعميم التمدرس في صفوف النساء والفتيات المغربيات بكافة أرجاء البلاد باعتبار الدور الذي يضطلعن به في المجتمع كأمهات ومربيات لأجيال المستقبل .

و تميزت الرحلة الملكية التاريخية لمدينة طنجة أيضا باللقاءات التواصلية الكثيرة للأمراء الأجلاء مولاي الحسن ومولاي عبد الله وللاعائشة مع شرائح عريضة من المواطنين لتفقد أحوالهم والإنصات لتطلعاتهم وانتظاراتهم، حيث أبان جلالة المغفور له الحسن الثاني رضوان الله عليه، وهو يومها ولي للعهد، في لقاءاته مع ساكنة طنجة عامة ومع شبيبة الكشفية الحسنية وناشئتها وطلائعها في التربية والتعليم، عن حصافة الرأي وقوة الشخصية والقدرة العالية على تحليل أوضاع البلاد وما تستلزمه المرحلة من تمسك بالهوية الوطنية والمقومات الحضارية وتحصيل العلم والمعرفة وتضافر الجهود للقضاء على مظاهر الجهل والتخلف، مشدداً على أن الوحدة الوطنية والترابية حق يعلو ولا يعلى عليه وسيتحقق بإذن الله في القريب العاجل .

     س: كان قمع المظاهرات المنددة باغتـيال الزعيم والقائد النقابي التونــسي فرحات حـشاد سنة 1952 بالدار البيضاء، إحدى شرارات المقاومة، هل تحدثونا عن هذه المرحلة من الكفاح؟

  ج : سؤال وجيه، يؤكد الحضور الدائم للقضايا المغاربية في وجدان وأذهان كافة مكونات وشرائح وأطياف الشعب المغربي. فانتفاضة 7 و8 دجنبر 1952 بالدار البيضاء، اندلعت تضامنا مع الشعب التونسي الشقيق بعد أن امتدت أيدي المستعمر الفرنسي الغاشم لاغتيال الزعيم والقائد النقابي التونسي والمغاربي فرحات حشاد يوم 5 دجنبر 1952، تعبيرا من الشعب المغربي عن الروح الوحدوية والحس التضامني وقيم النضال المشترك التي تحلى بها وتمسك بها في مواجهة الاحتلال الأجنبي، وذودا عن وحدة الأوطان وعزتها، ووفاء للمثل والمبادئ والوشائج التي يتشكل منها الوجدان المغاربي . 

لقد حاصرت القوات الاستعمارية العمال المتجمهرين بمقر المركزية النقابية وعرضتهم لشتى أنواع البطش والقمع والاضطهاد، واعتقلت المئات منهم، وزجت بهم في غياهب السجون، وسخرت عصاباتها المدججة بمختلف أنواع الأسلحة لمواجهة المتظاهرين العزل والتنكيل بهم، ومهاجمة مواكب جنائز الشهداء وجثامينهم الطاهرة في تحد سافر وخرق صارخ لأبسط حقوق الإنسان والحريات العامة والكرامة الإنسانية .

مرت على هذه المحطة التاريخية البطولية 71سنة، وهي الذكرى التي سنخلدها  إن شاء الله قريبا في 7 دجنبر 2023، وكلما استحضرناها، عادت إلى ذاكرتنا صور التضامن العميق والتلاحم الوثيق بين الأشقاء بالمغرب الكبير وتكاثفهم وتآزرهم في مواجهة الشدائد ومقارعة النوائب، إدراكا منهم لأهمية الكفاح المشترك سبيلا لصون مقدساتهم الدينية وثوابتهم الوطنية، وإيمانا من الشعوب المغاربية التواقة إلى التحرر والكرامة بوحدة المصير، واقتناعها الراسخ بأن قوتها تكمن في تكتل كياناتها والتنسيق بين أقطارها. فالقوى الوطنية الحية والحركة النقابية لم تستكن أمام حجم الفاجعة ولم تتراجع بفعل هول المصاب، بل إن اغتيال الزعيم النقابي التونسي والمغاربي فرحات حشاد كان بمثابة النقطة التي أفاضت كأس الغضب والاستنكار في الأوساط الشعبية جراء الفظاعات التي ارتكبها المحتل الأجنبي في حق الساكنة من مصادرة للأراضي، وتشريد للعائلات، واعتقال للمناهضين لسياسته، ومصادرة للحريات العامة، الفردية والجماعية، ولحقوق الإنسان .

لقد نذر الزعيم النقابي التونسي والمغاربي فرحات حشاد حياته للعمل النضالي في سبيل إرساء دعائم العدالة الاجتماعية وتثبيت الحقوق النقابية والسياسية وحمايتها وضمان ممارستها وتأسيس اتحادات وتكتلات نقابية قوية، والانفتاح على العالم الخارجي، ومد جسور التواصل مع التنظيمات النقابية النظيرة إلى الحد الذي أصبح معه مصدر إزعاج للسلطات الفرنسية التي قررت الحد من طموحات هذه الشخصية الفذة المتميزة بنضالها وديناميتها وايمانها، والقوية بحضورها وإشعاعها في المشهد النقابــي، وطنيا وقاريا وعالميا. فكان أن ترصد الإرهاب الاستعماري لهذا المناضل الوطني والنقابي الشهم صباح يوم 5 دجنبر 1952 لإخماد أنفاسه متوهما انه بجريمته النكراء تلك، سيتمكن من وضع حد للروح الوطنية ولشعلة الأفكار التحررية بالمنطقة المغاربية التي اهتزت شعوبها لهذا الفعل الشنيع، فعمت المظاهرات والانتفاضات ومظاهر الاستنكار الحواضر والبوادي في المنطقة المغاربية، واندفعت الجماهير غير مبالية بجبروت المستعمر ووسائل ترهيبه وآليات قمعه، ملتحمة على درب النضال، مسجلة أروع صور التضامن والتكافل والوفاء للأواصر الوطيدة والوشائج القوية التي تجمع بين الأشقاء، والنابعة من قيم الدين واللغة والجغرافية والتاريخ المشترك والمصير الواحد .

         ونحرص دوما على تخليد هذه الذكرى الغالية، مستحضرين الآمال التي ظلت الشعوب المغاربية تتطلع إليها منذ عدة عقود بتحقيق الوحدة والتكامل، والتي ظلت مجرد مشروع يتأجل باستمرار جراء نزاعات هامشية مفتعلة ومواقف مزاجية وأطماع وهمية لفرض الهيمنة والتوسع في منطقة المغرب الكبير . 

وإن المغرب الذي ظل دائما قلعة شامخة للجهاد وعرينا منيعا للمقاومة والنضال، ليجدد استعداده وجاهزيته للتعاضد والتضامن مع الأشقاء المغاريين في أفق بناء الوحدة المنشودة والسعي لتدارك الفرص الضائعة وتجاوز النزاعات المجانية التي ظلت تقف حجر عثرة في وجه تكامل واندماج اقتصادي حقيقي بمنطقة المغرب الكبير، كما أننا مدعوون لصيانة الذاكرة التاريخية المغاربية المشتركة وإبراز أمجادها وملاحمها، واستلهام قيمها وعبرها بما يشحذ الهمم ويذكي العزائم ويوطد العلاقات والمصالح بين بلدانها مجتمعة .


نفي المغفور له محمد الخامس :  نقطة اللاعودة في الكفاح الوطني من أجل الاستقلال

س : شكل نفي جلالة المغفور له محمد الخامس سنة 1953 نقطة اللاعودة في الكفاح الوطني من أجل الاستقلال، في تلاحم بين العرش والشعب. ماذا مثل هذا الحدث بالنسبة للمقاومة ولعموم المغاربة. وكيف عاش المغاربة حدث نفي محمد الخامس وبما تميزت به هذه الفترة من الكفاح الوطني؟  

    ج :  على إثر الزيارة الملكية الميمونة لمدينة طنجة وما بلورته من مواقف بطولية لبطل التحرير والاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله مثواه، احتدم الصراع بين القصر الملكي وسلطات الإقامة العامة للحماية الفرنسية التي وظفت كل أساليب التضييق على رمز الوحدة المغربية والسيادة الوطنية، محاولة الفصل بين الملك وشعبه وطلائع الحركة الوطنية والتحريرية. ولكن كل ذلك لم يثن العزائم والهمم، فاحتدم الصراع والنزال وارتفع إيقاع المواجهة المباشرة مع السلطات الاستعمارية .


وهكذا، وأمام التحام العرش والشعب والمواقف البطولية لجلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه الذي ظل ثابتا في مواجهة مخططات الإقامة العامة للحماية الفرنسية، لم تجد السلطات الاستعمارية من اختيار لها سوى الاعتداء على رمز الأمة وضامن وحدتها ونفيه هو والعائلة الملكية في يوم 20 غشت 1953، متوهمة بأنها بذلك ستخمد روح وشعلة الوطنية والمقاومة. لكن المقاومة المغربية تصاعدت  وتيرتها واشتد أوارها لتبادل ملكها حبا بحب وتضحية بتضحية، ووفاء بوفاء، مثمنة عاليا الموقف الشهم لبطل التحرير والاستقلال الذي آثر المنفى على التنازل بأي حال من الأحوال عن العرش أو التراجع عن قناعاته واختياراته في السيادة الوطنية وفي صون عزة وكرامة شعبه الأبي والوفي الذي أربك حسابات سلطات الاحتلال وبعثر أوراقها، باكتساح المظاهرات الحاشدة والانتفاضات العارمة أرجاء المملكة دفاعا عن عودة الملك الشرعي إلى ارض الوطن وإعلان الاستقلال، فتكونت لهذه الغاية خلايا وتشكيلات المقاومة المسلحة في المدن تكلفت بتأطيرها صفوة من الوطنيين الأفذاذ الذين أخذوا على عاتقهم خوض غمار المواجهة المباشرة والكفاح المسلح دفاعا عن المقدسات الدينية والثوابت الوطنية. وبفضل هذه الثورة المباركة والعارمة، لم يكن من خيار للإدارة الاستعمارية سوى الرضوخ لإرادة العرش والشعب، فتحقق النصر المبين، وعاد الملك المجاهد وأسرته الشريفة في 16 نونبر 1955 من المنفى إلى أرض الوطن، لتعم أفراح العودة وأجواء الاستقلال وتباشير الخير واليمن والبركات سائر ربوع وأرجاء الوطن، وتبدأ معركة الجهاد الأكبر الاقتصادي والاجتماعي لبناء وإعلاء صروح المغرب الحر المستقل وتحقيق وحدته الترابية .


س :   اضطر المستعمر بعد اشتداد المقاومة إلى فتح مفاوضات مع شخصيات وطنية من أجل الاستقلال، كيف كانت هذه المفاوضات، وماذا كانت شروطها؟

       ج : انعقدت  مفاوضات "إيكس ليبان" بين 20 و30 غشت 1955 بمدينة "إيكس ليبان"، وهي مدينة صغيرة في مقاطعة سافوا جنوب شرق فرنسا، وجمعت بين قادة الحركة الوطنية المغربية والسلطات الفرنسية، لتمهيد الطريق لعودة جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه من المنفى إلى أرض الوطن، والتفاوض حول صيغة إنهاء الحماية الفرنسية ورسم خارطة لمستقبل العلاقة بين البلدين بعد الاستقلال .    


     وتؤكد بعض الكتابات أن المفاوضات - التي ضمت 37 شخصية سياسية وحزبية مغربية - لم تدم في الواقع سوى خمسة أيام عوض عشرة أيام، وأنها انطلقت متأخرة في 22  غشت ، ثم انتهت في الـ27 من الشهر نفسه . 

     بنبغي التذكير في هذا السياق بأن المفاوضات عرفت مشاركة أطياف واسعة من الحركة الوطنية المغربية، إذ ضم الوفد كلا من ممثلي حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال، بالإضافة إلى شخصيات عديدة من  رموز  المقاومة وغيرها .

   وفي الأصل، حاولت باريس إقحام بعض القادة الكبار المحسوبين عليها، من أمثال الباشا التهامي الكلاوي، لكن رد فعل الشخصيات الحزبية المغربية الرافض لحضورها أقنع فرنسا بالاستغناء عنهم .

         وفي هذا السياق، تشير بعض المصادر التاريخية إلى أن الوفد المغربي ضم 41 شخصية، وكان أبرزها أول رئيس حكومة في المغرب المستقل، مبارك البكاي، والمهدي بن بركة، وعبد الهادي بوطالب، وشخصيات أخرى وازنة، مثل الحاج الفاطمي بنسليمان .

     أما بالنسبة لنتائج مفاوضات "إيكس ليبان"، فقد خلفت ردود فعل متباينة، إذ تم رفضها من لدن بعض الشخصيات التي اعتبرت أن المغرب نال استقلالا منقوصا .

س :   شكلت عودة المغفور له محمد الخامس من المنفى سنة 1955مرحلة جديدة من مراحل المغرب الجديد.  ماذا تشكل هذه العودة بالنسبة لكم؟

ج : لم تكن العودة الميمونة لجلالة المغفور له محمد الخامس ورفيقه في الكفاح والمنفى إلا مفتتحا لانطلاق ملحمة الجهاد الأكبر واستكمال الاستقلال الوطني وبناء المغرب الجديد، الذي كان من أولى قضاياه ومهامه الأساسية تحرير ما تبقى من التراب الوطني من براثن الاحتلال الأجنبي، فكان انطلاق طلائع وقوات جيش التحرير بالجنوب المغربي سنة 1956، كما تفضلتم بذكر ذلك، تعبيرا قويا يجسد إرادة العرش والشعب في استكمال الاستقلال الوطني وتحقيق الوحدة الترابية.
وهكذا، خاض أبناء القبائل الصحراوية وإخوانهم المجاهدون الوافدون من كافة الجهات والمناطق المحررة غمار معارك ضارية على امتداد ربوع الساقية الحمراء ووادي الذهب، وحققوا انتصارات باهرة في عدة معارك كالدشيرة والبلايا والمسيد وأم العشار والرغيوة ومركالة وسواها من الملاحم الخالدة التي يحفظها سجل الذاكرة التاريخية الوطنية فضلا عن انتفاضة قبائل آيت باعمران في 23 نونبر 1957 .

            وتواصلت مسيرة التحرير المباركة في كافة الواجهات الوطنية وفي المحافل الدبلوماسية الدولية، وظل الملك المجاهد جلالة المغفور له محمد الخامس رضوان الله عليه يجاهر بحق المغرب في تحرير صحرائه، ومن ذلك خطابه التاريخي بمحاميد الغزلان في 25 فبراير 1958 .

ولم يكن المغرب لينكفئ ويتوانى عن الدفاع عن مطلب استكمال باقي أراضيه، وتمكنت بلادنا بفضل الالتحام الوثيق بين العرش والشعب من استعادة مدينة سيدي إفني في 30 يونيو 1969، ليكسب بذلك رهان مسيرة استكمال الوحدة الترابية، وتكللت المساعي والمبادرات والتحركات النضالية بالمسيرة الخضراء المظفرة، مسيرة فتح الغراء في 6 نونبر 1975 والتي نخلد هذه السنة ذكراها  الثامنة والأربعين بكل مظاهر التعبئة الشاملة واليقظة الموصولة، تحت القيادة الحكيمة والمتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وفعلا جسدت هذه الملحمة حلقة ذهبية في العقد المنضود لحلقات ملحمة ثورة الملك والشعب الخالدة، في التحام مكين بين القمة والقاعدة، بين العرش العلوي المنيف والشعب المغربي الوفي، ف"الشعب بالعرش والعرش بالشعب"، كان هو الشعار الذي يردده أبناء هذا الوطن الوفي المخلص لمقدساته الدينية وثوابته الوطنية .

علينا أن نستظهر دائما، سيما في صفوف ناشئتنا وشبابنا وأجيالنا الصاعدة فلسفة وأبعاد هذه الملحمة العظيمة في تاريخ المغرب، والتي يشهد بها القاصي والداني، كما جسدت عبقرية ملك شجاع بفضل عبقريته وحكمته وحنكته السياسية وبعد نظره استطاع أن يحقق استرجاع الأجزاء السليبة من الوطن .
 

9س:  نخلد هذه الأيام ذكرى الأعياد المجيدة الثلاثة، ما هو مغزى تخليد هذه الذكريات؟

ج : ذكرى الأعياد المجيدة الثلاثة: عيد العودة وعيد الانبعاث وعيد الاستقلال ،  تعتبر بحق منارة وضاءة في تاريخ المغرب الحافل بالأمجاد والبطولات، لما تجسده من انتصار لإرادة العرش والشعب من أجل الحرية والاستقلال، في سياق مسار تعاقبت أطواره وتعددت أنماطه وأشكاله في مواجهة الوجود الاستعماري، دفاعا عن مقدسات البلاد الدينية وثوابتها الوطنية ومقوماتها التاريخية والحضارية .

       ونحن إذ نحتفي على مألوف عادتنا في المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بهذه الذكرى الغراء، ذكرى الأعياد الثلاثة المجيدة، عيد العودة وعيد الانبعاث وعيد الاستقلال  في 16 و 17 و18 نونبر الجاري،  نستحضر المواقف الخالدة لرجال أوفياء لم يتوانوا لحظة واحدة في الاستجابة لنداء الوطن، مؤدين دورهم النضالي والوطني باستماتة ورباطة جأش، فكتبوا بدمائهم الطاهرة أروع صفحات المجد والسؤدد التي ستظل موشومة في الذاكرة الجماعية تؤكد على الدوام الأواصر المتينة والوشائج القوية التي تجمع القمة بالقاعدة، وتجسد بالملموس البرهان الساطع على تلاحم كافة أفراد الشعب المغربي لمواجهة الوجود الاستعماري والدفاع عن حياض الوطن ومقدساته .

وهي مناسبة للناشئة والأجيال الجديدة لاستلهام دروسها وعبرها لتتربى على حب الوطن والاعتزاز بالانتماء الوطني، وفرصة لترسيخ قيم الوطنية الحقة والمواطنة الايجابية في وجدانها وأذهانها وتأهيلها لمواجهة تحديات العصر ولكسب رهانات المستقبل .

إن عظمة هذه الذكرى تستوجب بل تُحتم علينا وقفة تأمل وتدبر في تاريخ المغرب الغني بالأمجاد وبالمحطات المشرقة، وهي تشكل من جانب آخر برهانا ساطعا على إجماع كل المغاربة قمة وقاعدة وتعبئتهم للتغلب على الصعاب وتجاوز المحن. وتظل الميزة الأساسية لهذا الكفاح البطولي كامنة في ذلك الإجماع الوثيق على التشبث بمقدسات الوطن الذي أبان عنه المغاربة بمختلف شرائحهم الاجتماعية وانتماءاتهم المجالية والفكرية والسياسية ،والدفاع عن ثوابته والإسهام الجاد في مسيرة البناء والنماء .

       ومما لا ريب فيه، أن مبادرات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، على مألوف عادتها، باغتنام مناسبة الذكرى 68 للأعياد المجيدة الثلاثة ،وسواها من الذكريات  الوطنية والمناسبات التاريخية ،لتنظيم احتفالات وبرامج تنشيطية تربوية وثقافية وتواصلية مع رصيد الذاكرة الوطنية، تشهدها مجموع ولايات وعمالات وأقاليم المملكة ،لا تنحصر مقاصدها في إنعاش الذاكرة  التاريخية الوطنية باستحضار رموز و أبطال وملاحم  وأمجاد الاستقلال والتحرير والوحدة الوطنية و الترابية، وحسبنا أن مغازي  إحيائها  تمتد إلى  استجلاء واستلهام روح مسيرة التحرير والوحدة، وإبقائها شعلة متقدة ومتألقة في  صفوف الناشئة والشباب والاْجيال الصاعدة واللاحقة، وذلك لتأصيل وترسيخ القيم الوطنية ومواقف المواطنة الإيجابية والسلوك المدني القويم من خلال تنظيم وتأطير ندوات علمية ولقاءات دراسية وتواصلية وعروض ومحاضرات ومسابقات تربوية ورياضية وفنية، تتناول فصول وأطوار ملحمة الكفاح الوطني ،وما توحي به من دروس وعبر وما تطفح به من معاني وعظات في حب الوطن والاعتزاز بالانتماء إليه وبأمجاده ومقوماته وهويته .


مثل هذه المبادرات تؤكد مدى حرص المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير على توثيق ما يهم تاريخ الكفاح الوطني ليسهل الاطلاع عليه من لدن المهتمين وهي تواصل جهودها لإغناء هذا الرصيد توثيقا ودراسة فضلا عن تنظيمها ومساهمتها في تنظيم ندوات علمية وملتقيات دراسية وحرصها على نشر وإصدار أشغال وفعاليات هذه الندوات في كتب جامعة وتعميمها وترويجها لمؤلفات وثائقية ومذكرات وبحوث قيمة لشخصيات وازنة من المغرب ومن خارجه، بهدف توثيق وصيانة ذاكرتنا التاريخية الوطنية والمتقاسمة والمشتركة مع العديد من الدول الشقيقة والصديقة، إشاعة لقيمها ومضامينها في أوساط الناشئة والأجيال الجديدة وتيسيرا لسبل إفادتهم وإثراء لمداركهم بما تتميز به من معارف تاريخية ترتبط بفصول ومعاني ملحمة الاستقلال والوحدة .


كما يتجه اهتمام المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير إلى تركيز مبادراتها في مجال الدراسات التاريخية وتقوية فرص التعاون والتشارك وإمكانيات البحث العلمي للوصول إلى أداء أفضل وأنجع في مجال صيانة الذاكرة الوطنية والعناية بتاريخ الكفاح الوطني والمقاومة والتحرير والتعريف به على نطاق واسع وبصورة مثلى، وهي مهمة نبيلة لا جدال في ضرورة إسهام كل الفعاليات المعنية للنهوض بها، كل من موقعه وحسب اختصاصه وقدراته .


إن هذه الذكرى المجيدة ومثيلاتها من الذكريات الوطنية التي يطفح بها تاريخنا التليد تعتبر فسحة لاستيعاب الدروس والعبر التي تطفح بها وتزخر بها هذه المحطات النضالية الخالدة والتي يتوجب علينا ترسيخ ما تختزنه من قيم المواطنة الايجابية وشمائل الوطنية الصادقة في وجدان الأجيال الحاضرة والقادمة وحثها على التزود من ملاحم الكفاح الوطني والنهل من ينابيعه الفياضة في ظل مسيرات البناء والنماء التي يحمل لواءها بعزم وإيمان صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله الذي لا يدخر جهدا ولا يألو وسعا في سبيل إرساء دعائم المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي والنهضوي وتأهيل البلاد لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية وكسب رهانات التنمية الشاملة والمستدامة والمندمجة .

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الثلاثاء 21 نونبر 2023

              

















تحميل مجلة لويكاند


القائمة الجانبية الثابتة عند اليمين





Buy cheap website traffic