كتاب الرأي

​الرياضة المغربية بين وهج الإنجاز ومسؤولية بناء الإنسان


لم تعد الرياضة في المغرب مجرد مساحة للتنافس أو مجالاً لصناعة الفرجة الجماهيرية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مرآة تعكس طموح المجتمع، وقدرة المؤسسات، وقوة الهوية الوطنية حين تلتقي حول هدف مشترك. وبين مشاركة المنتخب الوطني في كأس العالم 2026، والاستعداد لاحتضان مونديال 2030، يبرز سؤال أساسي: هل نريد إنجازاً كروياً عابراً، أم مشروعاً مجتمعياً يجعل من الرياضة رافعة مستدامة لبناء الإنسان؟



المونديال ينتهي… لكن مشروع بناء الإنسان يجب أن يبدأ

هذا السؤال كان في صلب النقاش الذي قدمته السيدة سميرة الريسوني، المديرة العامة لمؤسسة نور للنجاعة البشرية والمتخصصة في التنمية الذاتية وتطوير المهارات، خلال مشاركتها في برنامج «بانوراما سبورت». فقد أعادت النقاش إلى جوهره الحقيقي: اللاعب ليس مجرد جسد مدرب، والمنتخب ليس مجرد أسماء فوق ورقة تقنية، والمونديال ليس مجرد ملاعب وطرق ومطارات. النجاح الرياضي يبدأ من الإنسان، من نفسيته، وقيمه، وقدرته على العمل داخل المجموعة، ثم يتوسع ليشمل الأسرة والمدرسة والإعلام والجمعيات والمؤسسات.

ما يميز كرة القدم المغربية أنها أصبحت واحدة من أقوى لغات التواصل بين المغاربة، داخل الوطن وخارجه. حين يخوض المنتخب الوطني مباراة كبرى، تتراجع الفوارق الاجتماعية واللغوية والمجالية مؤقتاً، ويلتقي الجميع حول القميص ذاته والعلم ذاته والحلم ذاته.

هذا الشعور بالانتماء ليس تفصيلاً عاطفياً عابراً. إنه رصيد اجتماعي حقيقي يمكن استثماره في تعزيز الثقة الجماعية وتكريس الإحساس بالمصير المشترك. فالمغربي المقيم في أوروبا أو أمريكا أو الخليج يجد في المنتخب جسراً فورياً يعيده إلى وطنه، بينما يشعر الشاب داخل المغرب أن نجاح اللاعبين امتداد لطموحه الشخصي.

لكن هذا التماسك الوطني يحتاج إلى خطاب مسؤول يحميه من المبالغة ومن تحويل الانتصار إلى غرور أو الهزيمة إلى جلد للذات. الرياضة تعلمنا أن الوطنية لا تقاس فقط بالصراخ بعد الفوز، بل أيضاً باحترام المنافس، وتقبل النتيجة، ودعم الفريق في اللحظات الصعبة.

كثيراً ما يركز النقاش الرياضي على القوة البدنية، والسرعة، والخطط التكتيكية، ونسب الاستحواذ. غير أن الأداء العالي يحتاج أيضاً إلى التوازن النفسي والقدرة على التحكم في الضغط واتخاذ القرار في اللحظات الحاسمة.

لاعب يمتلك مهارات فنية كبيرة لكنه ينهار أمام الضغط، قد يعجز عن تقديم مستواه الحقيقي. وفي المقابل، يستطيع لاعب أقل موهبة أن يحقق مساراً أفضل بفضل الانضباط والثقة بالنفس والقدرة على تجاوز الأخطاء.

من هنا تأتي أهمية إدماج التأهيل النفسي والتنمية الذاتية ضمن التكوين الرياضي منذ الفئات الصغرى، لا باعتبارهما علاجاً عند ظهور المشكلات، بل جزءاً أصيلاً من صناعة الرياضي. يجب أن يتعلم الطفل كيف يفوز دون غرور، ويخسر دون تحطم، ويتعامل مع النقد، ويحترم المجموعة، ويضبط انفعالاته، ويوازن بين الدراسة والتدريب والحياة الشخصية.

كما يحتاج المدربون والمؤطرون إلى تكوين يساعدهم على فهم الجوانب النفسية والتربوية للاعبين. فالمدرب ليس فقط واضعاً للخطة، بل قائد ومربٍّ وصانع للثقة. وكلمة واحدة منه قد ترفع لاعباً أو تدمره، خصوصاً في مراحل التكوين الأولى.

لا يمكن بناء رياضي متوازن من دون أسرة واعية. بعض الأسر تضغط على الطفل بشكل مفرط، وتختزل مستقبله كله في عقد احترافي أو شهرة سريعة. هذا النوع من الضغط قد يحول الرياضة من فضاء للمتعة والتطور إلى مصدر للخوف والإحباط.

الدور الحقيقي للأسرة هو المرافقة، لا السيطرة. عليها أن تشجع الطفل على التدريب والانضباط، لكنها مطالبة أيضاً بحماية تعليمه وصحته النفسية وتوازنه الاجتماعي. ليس كل طفل يمارس كرة القدم سيصبح لاعباً محترفاً، لكن كل طفل يمكن أن يتعلم منها احترام الوقت، والعمل الجماعي، والالتزام، والقدرة على النهوض بعد الفشل.

كما ينبغي ألا يكون الدعم الأسري مشروطاً بالانتصار. الطفل يحتاج إلى الشعور بأن قيمته لا تختفي بعد مباراة سيئة، وأن الخطأ فرصة للتعلم لا سبباً للإهانة.

لا تزال العلاقة بين التعليم والرياضة في كثير من الحالات علاقة ضعيفة أو مضطربة. ينظر البعض إلى الرياضة باعتبارها نشاطاً ثانوياً يمكن الاستغناء عنه، بينما ينظر آخرون إلى الدراسة كعائق أمام المسار الرياضي. والحقيقة أن الفصل بين المجالين يضر بالطفل وبالمجتمع معاً.

المدرسة قادرة على اكتشاف المواهب وتوسيع قاعدة الممارسة وترسيخ ثقافة صحية وتربوية. لكنها تحتاج إلى تجهيزات مناسبة، وأطر مؤهلة، وبرامج منتظمة، وروابط واضحة مع الأندية والجمعيات والجامعات الرياضية.

والرهان لا يتعلق فقط بصناعة أبطال، بل بتكوين مواطنين أكثر توازناً. فالرياضة المدرسية يمكن أن تساهم في محاربة العنف والعزلة والخمول، وتعليم الأطفال احترام القواعد والاختلاف والعمل الجماعي.

كما أن اللاعب المحترف نفسه يحتاج إلى مستوى تعليمي وثقافي يحميه بعد نهاية مسيرته، ويساعده على إدارة أمواله وصورته وعلاقاته وقراراته المهنية.

استضافة كأس العالم 2030 تمثل فرصة تاريخية، لكنها قد تتحول إلى لحظة عابرة إن اختُزلت في المنشآت الرياضية والاحتفالات. المونديال الحقيقي يبدأ قبل صافرة الافتتاح، ويستمر بعد المباراة النهائية.

نجاح الاستضافة ينبغي أن يقاس بما ستتركه من أثر على المدن، والنقل، والسياحة، والتكوين، والتشغيل، والرياضة القاعدية، والاندماج الاجتماعي. يجب ألا تكون الملاعب جزرًا معزولة عن محيطها، بل جزءاً من مشاريع حضرية وتنموية تستفيد منها الساكنة قبل الجمهور الدولي وبعده.

كذلك، ينبغي استثمار الاستضافة في تكوين آلاف الشباب في التنظيم، والتواصل، والتطوع، والأمن، والخدمات، واللغات، والتكنولوجيا، والتدبير الرياضي. فالمونديال يمكن أن يكون مدرسة وطنية ضخمة للكفاءة والانضباط والعمل الجماعي.

لكن النجاح يتطلب أيضاً وضوحاً في الحكامة، وتنسيقاً بين القطاعات، وربطاً للمشاريع بالحاجات الفعلية للمواطنين. فالصورة الدولية مهمة، لكن الأهم أن يشعر المغربي بأن هذا الحدث حسّن حياته ووسع فرصه ولم يمر فوق واقعه اليومي.

للإعلام الرياضي دور محوري في هذه المرحلة. المطلوب ليس فقط تغطية النتائج، بل تفسير التحولات، ومساءلة السياسات، وإبراز العمل القاعدي، وتقديم نماذج ناجحة بعيداً عن تقديس النجوم أو تحويلهم إلى ضحايا عند أول تعثر.

الإعلام المسؤول يدعم المنتخب دون أن يتحول إلى جهاز للدعاية، وينتقد الاختلالات دون أن يهدم الثقة. كما يفتح النقاش حول الرياضة النسوية، ورياضة الأشخاص في وضعية إعاقة، والبنيات المحلية، والتكوين، والحكامة، ومصير الرياضيين بعد الاعتزال.

ومن واجبه أيضاً حماية الناشئة من ثقافة الشهرة السريعة، وشرح أن النجاح الرياضي ثمرة سنوات من العمل والانضباط والتضحية، لا مجرد صورة منتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

الجمعيات الرياضية هي الخلية الأقرب إلى الأحياء والقرى والشباب. وفي كثير من المناطق، تؤدي أدواراً تتجاوز التدريب، فتمنح الأطفال فضاءً آمناً، وتبعدهم عن الانحراف والعزلة، وتزرع فيهم الانضباط والانتماء.

لكن هذه الجمعيات تحتاج إلى الدعم والتكوين والشفافية. لا يكفي منحها مساعدات متفرقة، بل ينبغي إدماجها ضمن سياسة رياضية محلية واضحة، مع تقييم النتائج ومواكبة المؤطرين وفتح البنيات الرياضية أمامها بشروط عادلة.

والأندية مطالبة بدورها بالتعامل مع مراكز التكوين باعتبارها مؤسسات تربوية، لا مجرد مصانع للاعبين. فالنجاح الحقيقي ليس في بيع موهبة واحدة، بل في تكوين عشرات الشباب القادرين على النجاح داخل الملعب وخارجه.

المغرب راكم إنجازات رياضية مهمة، لكن التحدي الأصعب هو تحويلها إلى ثقافة دائمة. لا نريد جيلاً يتذكر الرياضة فقط أثناء المونديال، بل مجتمعاً يمارسها ويؤمن بقيمها ويستثمر فيها.

الرياضة تستطيع أن تعلمنا أشياء يحتاجها المغرب كله: احترام القانون، قبول المنافسة، الاعتراف بالخطأ، العمل ضمن الفريق، وربط النجاح بالمجهود. وهذه القيم ليست رياضية فقط؛ إنها أساس الإدارة الجيدة، والمدرسة الناجحة، والمقاولة المنتجة، والمجتمع المتماسك.

لذلك، فإن الطريق إلى 2030 لا ينبغي أن يكون سباقاً نحو تنظيم حدث ضخم فحسب، بل مساراً لبناء إنسان مغربي أكثر ثقة وانضباطاً وانفتاحاً. فالكؤوس تلمع لسنوات، لكن القيم تبني الأوطان لأجيال.




الجمعة 24 يوليو 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic