صحتنا

هل تساعد الكلمات المتقاطعة على الحفاظ على صحة الدماغ؟


بالنسبة إلى كثير من الأشخاص، تمثل الكلمات المتقاطعة أو الكلمات الموجهة هواية ممتعة تساعد على قضاء الوقت، سواء في المنزل أو أثناء السفر ووسائل النقل. لكن هذا النشاط البسيط قد يكون أكثر من مجرد وسيلة للتسلية، إذ تشير أبحاث علمية إلى أنه يحفز عدداً من الوظائف العقلية، من بينها الذاكرة والانتباه واللغة والقدرة على التفكير.



فهل يمكن لهذه الألعاب أن تساعد فعلاً في الحفاظ على القدرات المعرفية مع التقدم في العمر؟ وهل يمكن أن تحمي من مرض ألزهايمر؟ الإجابة العلمية تبدو مشجعة، لكنها تحتاج إلى بعض التوضيح.

 تمرين للذاكرة والانتباه واللغة

عند حل الكلمات المتقاطعة، لا يبحث الدماغ عن الكلمات فحسب، بل يستدعي معلومات ومعارف مخزنة منذ سنوات، ويربط بينها، ويحاول الاحتفاظ بعدة عناصر في الوقت نفسه للوصول إلى الإجابة الصحيحة.

وتشير أبحاث إلى أن الأشخاص الذين يمارسون هذه الأنشطة بانتظام قد يحققون نتائج أفضل في بعض الاختبارات التي تقيس الانتباه والذاكرة والقدرة على الاستدلال.

ومن بين الدراسات اللافتة في هذا المجال دراسة بريطانية ضمن مشروع PROTECT، شملت أكثر من 17 ألف شخص تجاوزوا سن الخمسين. ووجد الباحثون ارتباطاً بين الممارسة المنتظمة للكلمات المتقاطعة وتحسن الأداء في بعض الاختبارات المعرفية.

لكن الباحثين شددوا على نقطة أساسية: وجود هذا الارتباط لا يعني بالضرورة أن الكلمات المتقاطعة هي التي تسببت مباشرة في تحسن القدرات العقلية.

ماذا يحدث للدماغ أثناء البحث عن كلمة؟

قد يبدو العثور على كلمة مناسبة أمراً بسيطاً، لكنه في الواقع يستدعي مجموعة من العمليات الذهنية.

فعندما تكون كلمة ما «على طرف اللسان»، يبدأ الدماغ في استكشاف شبكات مختلفة من المعلومات والمعارف إلى أن يصل إلى الإجابة. وخلال هذه العملية يتم تشغيل ما يعرف بـالذاكرة العاملة، التي تسمح بالاحتفاظ بالمعلومات مؤقتاً ومعالجتها، إلى جانب الذاكرة الدلالية التي تختزن المعارف والمفردات التي اكتسبها الإنسان طوال حياته.

وتساهم الأنشطة الفكرية المتكررة في الحفاظ على **المرونة العصبية**، أي قدرة الدماغ على التكيف وتكوين روابط عصبية جديدة طوال الحياة.

هل الكلمات المتقاطعة تمنع ألزهايمر؟

هنا يجب التمييز بين أمرين: تحفيز الدماغ والوقاية المؤكدة من مرض ألزهايمر.

حتى الآن، لا توجد أدلة علمية تثبت أن حل الكلمات المتقاطعة وحده يمنع الإصابة بمرض ألزهايمر. لكن عدداً من الدراسات يشير إلى أن ممارسة الأنشطة الفكرية بانتظام قد تساعد في بناء ما يسمى الاحتياطي المعرفي.

ويُقصد بالاحتياطي المعرفي قدرة الدماغ على الاستفادة من شبكاته ووظائفه للتكيف مع آثار التقدم في العمر أو بعض التغيرات والآفات الدماغية، ما قد يساعد على الحفاظ على الأداء العقلي لفترة أطول.

وفي تجربة سريرية نشرت عام 2022، شارك أشخاص يعانون من اضطراب معرفي بسيط في برامج تدريبية مختلفة، من بينها التدريب باستخدام الكلمات المتقاطعة. وبعد متابعة استمرت 18 شهراً، حققت مجموعة الكلمات المتقاطعة نتائج أفضل في بعض الاختبارات المعرفية، كما ظهر لديها تراجع أقل في بعض مؤشرات الذاكرة والقدرات الوظيفية. ومع ذلك، يرى الباحثون أن هذه النتائج تحتاج إلى مزيد من التأكيد من خلال دراسات أخرى.

 الفائدة ليست في الكلمات وحدها

ترى أخصائية الأعصاب دونيا محجوب أن للكلمات المتقاطعة قيمة معرفية حقيقية، لكنها تظل مرتبطة بالوظائف التي يتم تدريبها تحديداً.

بمعنى آخر، قد يصبح الشخص أكثر مهارة في حل الكلمات المتقاطعة نتيجة ممارستها المتكررة، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن جميع قدراته العقلية ستتحسن بالمستوى نفسه.

ولهذا فإن الحفاظ على صحة الدماغ لا ينبغي أن يعتمد على نشاط واحد فقط، مهما كان مفيداً.

 تنويع الأنشطة.. مفتاح التحفيز

يمكن أن يكون من المفيد الجمع بين ألعاب الكلمات وأنشطة عقلية أخرى، مثل القراءة، وتعلم لغة جديدة، والكتابة، والموسيقى، والألعاب التي تتطلب التفكير وحل المشكلات.

كما أن صحة الدماغ لا تنفصل عن صحة الجسم؛ فالنشاط البدني المنتظم، والنوم الجيد، والتغذية المتوازنة، والعلاقات الاجتماعية، كلها عناصر تدخل في نمط حياة أكثر دعماً للصحة المعرفية.

ومن المهم أيضاً الانتباه إلى تغير السلوك المعتاد. فإذا كان شخص ما معتاداً على ممارسة أنشطة فكرية معينة ثم بدأ يتخلى عنها تدريجياً بسبب صعوبة لم تكن موجودة من قبل، فقد يستحق الأمر الانتباه، خصوصاً إذا رافق ذلك ظهور تغيرات أخرى في الذاكرة أو التفكير.

 هواية بسيطة.. وفائدة محتملة

في النهاية، لا يمكن اعتبار الكلمات المتقاطعة علاجاً أو وسيلة مضمونة للوقاية من ألزهايمر. لكنها تمثل نشاطاً ذهنياً ممتعاً يمكن أن يحفز الذاكرة والانتباه واللغة، وربما يساهم، إلى جانب نمط حياة صحي وأنشطة معرفية متنوعة، في الحفاظ على الاحتياطي المعرفي.

وربما تكمن أجمل فائدة في أن هذا التمرين لا يحتاج إلى تجهيزات معقدة: ورقة، قلم، وبعض الكلمات التي تبحث عنها الذاكرة نشاط بسيط، لكنه يمنح الدماغ فرصة متكررة للتفكير والتذكر والتعلم.

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الجمعة 2 أكتوبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ





















Buy cheap website traffic