كتاب الرأي

نموذج التنمية الجديد : الحكومة المقبلة أمام اختبار الحقيقة


مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يبدو أن النقاش العمومي سيتجه أكثر نحو الوعود والشعارات والبرامج الانتخابية السخية، وهو أمر طبيعي في أي محطة ديمقراطية. غير أن المغرب لا ينطلق هذه المرة من فراغ، بل يتوفر بالفعل على خارطة طريق واضحة تتمثل في “النموذج التنموي الجديد”.



بقلم : عدنان بنشقرون

لذلك، لم يعد السؤال الحقيقي مرتبطاً فقط بما تعد به الأحزاب السياسية، بل بكيفية استكمال الأوراش التي تم إطلاقها، وتصحيح الاختلالات التي ظهرت، وتسريع وتيرة الإصلاحات التي ما تزال تسير ببطء.


بعد خمس سنوات على إطلاقه، لا يمكن اعتبار النموذج التنموي الجديد فشلاً كاملاً ولا نجاحاً مكتمل الأركان، بل يظل ورشاً مفتوحاً. فبعض الأسس التي بُني عليها أصبحت أكثر صلابة، فيما لا تزال جوانب أخرى تحتاج إلى مزيد من التثبيت، بينما تنتظر عدة وعود أن تتحول إلى نتائج ملموسة في الحياة اليومية للمواطنين.


ومن هنا، ستكون الحكومة المقبلة أمام مسؤولية أساسية تتمثل في تحويل الرؤية إلى نتائج حقيقية.


ما الذي تحقق؟


حقق المغرب تقدماً في عدد من الملفات الكبرى.


فقد تعززت أسس الدولة الاجتماعية عبر توسيع الحماية الاجتماعية، وإطلاق نظام الدعم المباشر، واعتماد السجل الاجتماعي الموحد، إلى جانب التدرج في تعميم التغطية الصحية.


كما واصلت البنيات التحتية تطورها، وشهدت سياسات الماء تحولاً مهماً، فيما تقدمت رقمنة الإدارة، وحافظ المغرب على جاذبيته الصناعية، مع استمرار عدة قطاعات اقتصادية في تعزيز تموقع المملكة داخل سلاسل القيمة العالمية.


ولا ينبغي التقليل من أهمية هذه المكتسبات.


فقد تحققت في سياق دولي صعب اتسم بتوالي سنوات الجفاف، وارتفاع التضخم العالمي، والأزمات الطاقية، والحرب في أوكرانيا، إضافة إلى الضغوط المتزايدة على القدرة الشرائية. ورغم ذلك، تمكن المغرب من الحفاظ على توازنه ومواصلة الإصلاحات.


لكن الصمود وحده لا يكفي، لأن التنمية تُقاس أيضاً بمدى انعكاسها على حياة المواطنين.


ما الذي أوشك على الاكتمال؟


هناك أوراش تم إطلاقها بالفعل، غير أن آثارها لا تزال غير مكتملة.


فقطاع التعليم يشهد إصلاحات مستمرة، لكن نتائج التعلمات لم تتحسن بالسرعة المطلوبة. كما توسعت التغطية الصحية، إلا أن الولوج الفعلي للعلاج ما يزال متفاوتاً بين المناطق والفئات. أما التحول الرقمي فقد تقدم داخل الإدارة، لكنه لم يبلغ بعد المستوى المطلوب لدى المقاولات الصغرى والمتوسطة وفي الجهات البعيدة.


كما أن الجهوية المتقدمة أصبحت واقعاً مؤسساتياً، غير أن العدالة المجالية ما تزال تواجه تحديات واضحة.


أما الحكامة العمومية، فقد أصبحت أكثر حضوراً على مستوى التخطيط والرؤية، لكنها ما تزال بحاجة إلى تطوير أكبر في جانب التنفيذ والمتابعة.


وهنا تكمن الإشكالية الأساسية.


فالمغرب قادر على إنتاج التصورات الكبرى، وإطلاق الاستراتيجيات، والإعلان عن الطموحات، لكنه مطالب اليوم بتحسين التنسيق والتقييم والتصحيح وربط المسؤولية بالنتائج. لذلك، سيكون على الحكومة المقبلة الانتقال من ثقافة الإعلان إلى ثقافة الإنجاز.


ما الذي لم يتحقق بعد؟


ثلاثة ملفات كبرى ما تزال بعيدة عن تحقيق الأهداف المنتظرة.


أولها ملف التشغيل، إذ إن الاقتصاد المغربي، رغم الاستثمارات المهمة، لا يخلق بعد ما يكفي من فرص العمل المستدامة لفائدة الشباب والنساء والخريجين.


أما الملف الثاني فيتعلق بالطبقة المتوسطة، التي تواجه ضغوطاً متزايدة، حيث تشتغل وتستهلك وتؤدي الضرائب، لكنها تجد صعوبة في الادخار أو التخطيط للمستقبل.


في حين يرتبط الملف الثالث بالمنافسة الاقتصادية، إذ ما تزال اقتصاد الريع، وهيمنة بعض الفاعلين، وصعوبات الولوج إلى الأسواق، وتأخر آجال الأداء، عوامل تعرقل المبادرة الاقتصادية وتغذي الإحساس بعدم تكافؤ الفرص.


وتظل هذه الملفات حاسمة، لأن أي نموذج تنموي لا يمكن أن ينجح بشكل مستدام إذا ظل التشغيل محدوداً، والطبقة المتوسطة تحت الضغط، والاقتصاد مغلقاً أمام جزء من المواطنين والمقاولين.


ما الذي ينبغي على الحكومة المقبلة القيام به؟


ستكون الحكومة المقبلة مطالبة بتجنب منطق الوعود الانتخابية غير القابلة للتنفيذ، والتركيز على تحديد الأولويات.


أولى هذه الأولويات يجب أن تكون التشغيل، عبر جعل خلق فرص العمل معياراً أساسياً لتقييم السياسات العمومية والاستثمارات والاستراتيجيات القطاعية.


أما الأولوية الثانية فتتمثل في تعزيز الدولة الاجتماعية وضمان استدامة تمويلها، من خلال دعم النمو، وتوسيع التشغيل المهيكل، وتقليص الاقتصاد غير المنظم، وتحسين فعالية الإنفاق العمومي.


كما سيكون من الضروري تحسين جودة الخدمات العمومية الأساسية، خصوصاً في مجالات التعليم والصحة والنقل والعدالة والإدارة، باعتبارها أساس الثقة اليومية بين المواطن والدولة.


ومن بين الأولويات أيضاً حماية الطبقة المتوسطة، عبر تخفيف الأعباء المرتبطة بالسكن والتعليم والصحة والنقل والطاقة والضرائب.


وسيكون المغرب مطالباً كذلك بتسريع الانتقال المائي، ليس فقط عبر إنتاج المزيد من الموارد غير التقليدية، بل أيضاً من خلال تحسين تدبير الموارد المتاحة.


كما يتعين تحرير إمكانات المقاولات الصغرى والمتوسطة، عبر تسهيل التمويل، وتقليص آجال الأداء، وتوسيع الولوج إلى الصفقات العمومية، وتعزيز التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.


وفي السياق نفسه، تبرز ضرورة إخضاع السياسات العمومية للتقييم المنتظم، عبر تحديد أهداف واضحة، وآجال دقيقة، ومؤشرات قابلة للقياس.


الخلاصة


ما تحقق فعلاً هو أن المغرب وضع أسساً مهمة تتعلق بالدولة الاجتماعية، والبنيات التحتية، والحماية الاجتماعية، والانتقال المائي، والرقمنة، والجاذبية الاقتصادية.


أما الإصلاحات المرتبطة بالتعليم والصحة والحكامة والرقمنة والعدالة المجالية، فهي أوراش انطلقت لكنها لم تحقق بعد نتائج متوازنة وملموسة بالكامل.


في المقابل، تظل تحديات التشغيل، وحماية الطبقة المتوسطة، وتقليص الريع، وتحقيق تكافؤ الفرص الحقيقي، من أبرز الملفات التي لم تُحسم بعد.


لذلك، فإن الحكومة المقبلة ليست مطالبة بابتكار نموذج جديد لتجاوز النموذج الحالي، بل مطالبة أساساً بإنجاح ما تم تشخيصه وتحديده مسبقاً.


فبعد الانتخابات، لن يكون المغرب بحاجة فقط إلى برنامج حكومي جديد، بل إلى “عقد تنفيذ” حقيقي.


لأن السؤال الأهم لن يكون : من سيقدم وعوداً أكثر؟


بل : من يستطيع تنفيذ ما أصبح مستعجلاً بالفعل؟





الخميس 2 يوليو 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic