كتاب الرأي

من التوظيف الرمزي للدين إلى الاستغلال الانتهازي للأزمات


في الديمقراطيات المعاصرة، يرتكز التنافس السياسي عادةً على مقارنة البرامج السياسية، وتقييم السياسات العمومية، وقدرة الفاعلين السياسيين على تقديم حلول مقنعة لمخاوف المواطنين والاستجابة لتطلعاتهم. مع ذلك، قد يحدث أحيانًا أن تُعطي بعض الأحزاب، التي تواجه تراجعًا في شعبيتها أو ضبابية في صورتها العامة، الأولوية لاستراتيجيات التواصل العاطفي ودغدغة المشاعر وفي بعض الأحيان استغلال الازمات والمشاكل، بأقصى درجات الانتهازية، ويكون هدف هذه الأحزاب هو إعادة بناء رصيدها السياسي المتهاوي أكثر من الانخراط في نقاش عمومي جاد حول الحلول المناسبة لإكراهات وتحديات البلاد.



بقلم : عبد الفتاح الصادقي

من الواضح أن المشهد السياسي المغربي عرف، في السنوات الأخيرة، تحولات عميقة تميزت بظهور أولويات اجتماعية واقتصادية جديدة. فقد أدى ارتفاع تكاليف المعيشة، وتحديات التشغيل، والتفاوتات المجالية، وتزايد توقعات المواطنين من الخدمات العمومية، إلى تحويل محور النقاش السياسي تدريجياً نحو قضايا القدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية، ولكن مع لجوء بعض السياسيين إلى  استغلال هذه القضايا بشكل، أقل ما يقال عنه أن فج وانتهازي.


في هذا السياق، يلاحظ أن  بعض الفاعلين السياسيين الذين لطالما بنوا حشدهم على الهوية الوطنية والمرجعية الدينية، يسعون، اليوم، إلى إعادة توجيه خطابهم نحو الاهتمامات الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين. ويمكن تفسير هذا التحول "الاستراتيجي" الانتهازي على أنه محاولة يائسة للتكيف مع انتظارات المواطنين  والتوقعات العامة الجديدة.

 ولاشك أن هذا التوجه يثير تساؤلاً جوهرياً مشروعا: هل يتعلق الأمر بتطور حقيقي في رصد الأولويات السياسية واقتصادية، أم مجرد عملية تواصلية شعبوية لاستعادة الأصوات الانتخابية الضائعة ؟

 الواقع أن هناك الكثير من الملاحظات والانتقادات يمكن توجيهها لهؤلاء الفاعلين، وهي تستند، بشكل أساسي، إلى ملاحظة أساسية: عندما تحملوا مسؤولية التدبير الحكومي أو تسيير الجماعات الترابية للمدن الكبرى، لم تكن النتائج المحققة في مستوى الوعود المقدمة  والتوقعات المعلنة، حيث إن وعود الإصلاح ومحاربة الفساد، ومكافحة عدم المساواة، وتحسين ظروف عيش المواطنين، التي التزم بها هؤلاء الفاعلين، كلها باءت بالفشل، وكلن ذلك، في كثير من الأحيان، بسبب ضعف كفاءتهم وإكراهات الواقع الاقتصادي، وأيضا بسبب الإجراءات المتهورة التي اتخذوها والخيارات السياسية المثيرة للجدل التي ظلوا يدافعون عنها.

نتيجةً لذلك، من السهل أن يلمس المتتبع لتدبير الشأن العام وجود مفارقةً غريبة،  في أن أولئك الذين انخرطوا في تدبير الشؤون العامة لسنوات طويلة يُقدّمون أنفسهم، الآن، كمتحدثين باسم السخط الاجتماعي، وك"ملائكة" منقذين للمواطنين من تدهور قدرتهم الشرائية. إن هذا السلوك يفتح المجال أمام  نقاش مشروع حول المساءلة السياسية وضرورة أن يتحمّل كل طرف مسؤولية سجله قبل ادّعاء تمثيل البديل، وبأنه المُخَلٍّص المُنْقٍذ.

والمؤكد أن الاستغلال السياسي للصعوبات الاقتصادية لمهاجمة الخصوم السياسيين، عوض الانكباب على تحليل طبيعة هذه الصعوبات والبحث عن الحلول المناسبة لها، رهان خاسر لكسب ثقة المؤمن "الذي لا يلدغ من جحر مرتين". فلا يمكن  للأزمات الاجتماعية أن تُصبِح مجرد فرص لإعادة التموضع الحزبي، ولا يمكن للمخاوف الحقيقية للمواطنين أن تكون مُعرّضةً للاختزال في أدوات تواصل أو شعارات مُصمّمة لتأجيج الاستقطاب السياسي بدلًا من تعزيز البحث عن حلول مستدامة.

والحقيقة أن قضايا القدرة الشرائية تستحق معالجةً أفضل من المزايدات السياسية والصراعات الحزبية. فهي تؤثر بشكل مباشر على الاستقرار الاجتماعي، والتماسك الوطني، وثقة المواطنين بالمؤسسات، وتتسبب في تعطيل التنمية الاقتصادية. ويتطلب حلها اتباع نهج قائم على البيانات، وتقييم دقيق للسياسات العمومية، والسعي إلى حلول حقيقية تُحسّن بشكل ملموس ظروف معيشة الناس.

لا تُبنى المصداقية السياسية على مجرد انتقاد الخصوم أو استغلال الصعوبات الراهنة، بل تستند أيضاً إلى القدرة على الاعتراف بالأخطاء، والتعلم من التجارب، واقتراح بدائل واقعية وقابلة للتنفيذ. في مجتمع يزداد وعياً وتطلعاً، يتوقع المواطنون من القادة السياسيين تقديم حلول عملية بدلاً من اعتماد سرديات مُنمّقة ترتكز على الشعارات فقط، سواء ارتكزت على مرجعية دينية أو على دغدغة العواطف عبر المتاجرة بالأزمات الاجتماعية .

والواقع أن التحدي الحقيقي أمام المتاجرين بالدين أو المتاجرين بالأزمات الاجتماعية، و أمام جميع القوى السياسية المغربية يكمن في تجاوز التكتيكات الانتهازية والمساهمة في حوار عام يركز على إبداع الحلول والشجاعة على قول الحقيقية مهما كانت صادمة. فمكافحة غلاء المعيشة، ودعم الفئات الأكثر ضعفاً، وخلق فرص الشغل، وتعزيز الخدمات العمومية، تتطلب سياسات متماسكة، وخطط وبرامج قابلة للتنفيذ وموارد مالية وبشرية كافية، ورؤية طويلة الأمد، وليس الكذب على المواطنين بالشعارات.




الاربعاء 24 يونيو 2026

في نفس الركن
< >

الاربعاء 24 يونيو 2026 - 15:38 أكبر كذبة سياسية..!


              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic