كتاب الرأي

من التحالفات التقليدية إلى الشراكات المرنة في هندسة النظام الدولي الجديد


الدكتور إدريس قريش
وزير مفوض في التقاعد



إذا كانت التحالفات الإقتصادية والأمنية الكبرى قد شكلت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية الركيزة  الأساسية التي قام عليها النظام الدولي ، فإن التحولات الجيوسياسية والإقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم  بدأت تعيد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل هذه التحالفات وقدرتها على الاستمرار بالفاعلية نفسها التي ميزت العقود السابقة. 

لقد تأسست التحالفات التقليدية في سياقات تاريخية محددة ، فرضتها الحرب الباردة وما تميزت به من الاستقطاب في إطار الصراع الإيديولوجي الحاد بين الشرق والغرب، حيث كانت المصالح الاستراتيجية للدول الأعضاء متقاربة إلى حد كبير . غير أن المتغيرات الدولية الراهنة أفرزت واقعا مختلفا ، أصبحت فيه المصالح الوطنية أكثر تعقيدا وتباينا ، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على تماسك هذه التحالفات وقدرتها على اتخاذ مواقف موحدة تجاه القضايا الدولية.

وقد كشفت الأزمات الدولية الأخيرة، وفي مقدمتها الحرب الأوكرانية  و التوازنات المتصاعدة في الشرق الأوسط و الصراع الأمريكي الصيني ، عن وجود تصدعات و تباينات واضحة في الرؤى والمصالح داخل العديد من التكتلات السياسية والاقتصادية والأمنية . فالدول الأعضاء لم تعد تنظر إلى التحديات من الزاوية نفسها، بل أصبحت تفضل تغليب مصالحها الوطنبة على الإلتزامات الجماعية ، وهو ما أدى إلى تراجع درجة الانسجام التي كانت تميز هذه التحالفات في السابق.

وفي المقابل برزت قوى إقليمية ودول صاعدة pays émergents اختارت نهجا مختلفا يقوم على المرونة الاستراتيجية وتنويع الشراكات وعدم الانحياز لمحور دولي واحد . فهذه الدول تدرك أن عالم اليوم لم يعد يسمح بالاصطفافات الجامدة ، وان حماية المصالح الوطنية تقتضي الانفتاح على مختلف مراكز القوة والتفاعل معها وفق منطق براغماتي تحكمه المصالح المتبادلة لا الاعتبارات الإيديولوجية. 

لقد أصبح من الممكن لدولة واحدة أن تطور علاقاتها الإقتصادية مع الصين ، وتحافظ في الوقت ذاته على شراكاتها الأمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وان تنسج علاقات استثمارية وتجارية مع أوروبا، دون ان تجد نفسها ملزمة بالانخراط الكامل في اي محور من هذه المحاور. 

وهذه المرونة أصبحت إحدى أهم مصادر القوة في البيئة الدولية الجديدة. 

ومن منظور استشرافي ، فإن العالم سيشهد انتقالا تدريجيا من عصر التحالفات الدائمة الى عصر الشراكات المتغيرة ، ومن منطق الكتل المغلقة إلى منطق شبكات النفوذ المفتوحة . 
وبذلك يصبح تراجع صلابة التحالفات التقليدية وتقليصها ، وصعود الدول المرنة  القادرة على إدارة التوازنات الدولية، أحد أهم العناوين المفسرة للتحولات التي تعيد اليوم تشكيل هندسة المشهد الدولي وتحدد ملامحه.

ومن خلال تجربتي الدبلوماسية . ومواكبتي المباشرة للتحولات التي عرفها النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة وسقوط الإتحاد السوفياتي إلى المرحلة الراهنة ، أتيحت لي فرصة استيعاب الكثير من ديناميات التغير التي تعيد اليوم رسم موازين القوى العالمية . وقد عززت هذه التجربة ، قناعتي بأننا أمام مرحلة انتقالية تاريخية تتراجع فيها صلابة التحالفات التقليدية لصالح أنماط أكثر
مرونة وسيولة في إدارة العلاقات الدولية. حيث أصبحت القدرة على التكيف وحسن قراءة المتغيرات وتعدد الشراكات ، عوامل حاسمة في تحديد مكانة الدول وتموقعها داخل النظام الدولي الجديد. 

ومن هنا بدأت تتبلور ملامح نظام دولي مختلف ، لا تقوم فيه القوة حصريا على التحالفات الكلاسيكية، بل على القدرة على بناء شبكات واسعة ومتعددة من المصالح والشراكات والنفوذ . فالدول التي تمتلك هامشا اكبر من الحركة والمناورة أصبحت أكثر قدرة على الاستفادة من التنافس بين القوى الكبرى وتحويله الى فرص اقتصادية واستراتيجية تخدم اهدافها الوطنية.

وفي هذا السياق ، فإن الرهان الحقيقي سيكون بين الدول الكبرى والدول الصاعدة التي تمكنت من فهم التحولات الجارية والتكيف معها. 

فالتاريخ يعلمنا ان موازين القوى لا تتغير فقط بسبب صعود قوى جديدة ، بل وبالخصوص بسبب عجز قوى قائمة على استيعاب التحولات العميقة التي تعيد تشكيل البيئة الدولية.

ومن هذا المنطق ، تطرح تساؤلات متزايدة حول مستقبل مكانة الإتحاد الأوروبي في النظام الدولي الجديد.  صحيح ان الاتحاد ما زال يمثل قوة ، ولايمكن تهميشها بالرغم من آثار الحرب الاوكرانية على اقتصاده وتماسكه . فالتحدي الكبير الذي يواجه الإتحاد يكمن في مدى قدرته على التحول من قوة اقتصادية إلى فاعل جيوسياسي موحد قادر على اتخاذ قرارات استراتيجية مستقلة في عالم يشهد  تصاعد المنافسة الشرسة بين القوى العظمى.

وبخصوص حلف شمال الأطلسي الذي يشهد اليوم مجموعة من التحديات البنيوية التي باتت تطرح تساؤلات جدية حول تماسكه وقدرته على الحفاظ على وحدة مواقفه الاستراتيجية. 

وقد برز هذا التباين في ترتيب الأولويات الأمنية  ، بشكل أوضح في ظل الأزمات الأخيرة  ، حيث لم تعد المواقف داخل الحلف متجانسة كما كانت في السابق ، بل أصبحت تخضع لحسابات وطنية أكثر  ، خصوصا في ما يتعلق بالعلاقة مع روسيا وإدارة الحرب في أوكرانيا ، ومستقبل التوازنات في الفضاء الأوروبي الأطلسي.  كما أن اختلاف الرؤى بين الولايات المتحدة وبعض الدول الأعضاء حول تقاسم الأعباء الدفاعية وحدود الإلتزام العسكري خارج المجال الجغرافي التقليدي للحلف ، زاد من حدة النقاش حول مستقبل التماسك لهذه المنظمة . 

ومع ذلك فإن الحلف مازال يرتكز على مصالح استراتيجية عميقة تجمع بين أعضاءه ، خاصة في مواجهة التحولات الجيوسياسية وصعود قوى دولية منافسة .

لكن المؤكد أن الحلف لم يعد ذلك الكيان المتجانس الذي يتحرك بمنطق واحد . وهو ما يعكس التحولات التي يعرفها النظام الدولي  نحو مزيد من المرونة والسيولة .

وفي هذا الإطار يندرج موقع المملكة المغربية كفاعل إقليمي صاعد ، يتبنى مقاربة براغماتية تقوم على تنويع الشراكات وتعدد الانفتاح الاستراتيجي ، سواء في علاقاته مع الفضاء الأوروبي او مع الولايات المتحدة او مع روسيا ومع قوى صاعدة في آسيا وأفريقيا. 

لقد تمكن المغرب من ترسيخ موقعه  كجسر استراتيجي بين اوروبا وافريقيا، وعزز تموقعه استنادا إلى انفتاحه الاقتصادي واستقراره السياسي وتنوع عقيدته الدبلوماسية ومن قدرته على تحويل التحولات الدولية إلى فرص لتعزيز جاذبيته الاقتصادية والدبلوماسية .

فالعالم يتجه نحو تعددية قطبية تتزايد فيها أدوار قوى فرضت وجودها كالصين والهند إلى جانب قوى صاعدة نجحت في توظيف مرونتها الاستراتيجية لتعزيز حضورها الدولي .
ان الدول الصاعدة التي تملك القدرة  على قراءة التحولات الدولية  واستباق اتجاهاتها والتكيف السريع معها ستكون الأوفر حظا في ربح رهانات المرحلة ، أما تلك التي تكتفي بردود الفعل فتجد نفسها مضطرة للتكيف مع مستقبل يصنعه الاخرون .

فالقوة في النظام الدولي الجديد لن تقاس فقط بحجم الموارد أو القدرات العسكرية ، بل أيضا بسرعة التكيف ،  ومرونة القرار السياسي ، والقدرة على بناء شراكات متعددة ومتوازنة مع مختلف مراكز النفوذ العالمية.




الاربعاء 10 يونيو 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic