الكاتب : عبد العزيز كوكاس
في هذا الأفق تتحرك تجربة التشكيلي يوسف سعدون، تجربةٌ تنقّب في هشاشة الصورة، وتضع سلطة المرئي موضع مساءلة. بحيث تصبح المادة التشكيلية كيانا حيّا يحمل ذاكرته الخاصة. اللون ليس كساءً للسطح، إنه طبقةٌ من الزمن، والملمس ليس حيلةً بصرية، وإنما سجلٌّ خفيّ لعبور التجربة الإنسانية، وكل تراكمٍ لوني هو، في جوهره، تراكمٌ للوجود نفسه.
لا يبدو الانتقال في تجربة الفنان المغربي يوسف سعدون من زرقة التأمل إلى حضور الجسد انتقالًا بين مرحلتين تشكيليتين، ولكنه انتقال من أفق بصري إلى أفق وجودي أكثر عمقًا.. لقد تغيرت العتبة البصرية، لكن الهاجس ظل واحدًا.
لقد عرف يوسف سعدون، في مرحلةٍ سابقة، كيف يجعل الأزرق فضاءً للتأمل الروحي، حيث كانت اللوحة تنزع إلى الإنصات لصمت الكون واتساعه. كان الأزرق زمنًا داخليًا تتوارى فيه الأشياء داخل ضوءٍ هادئ، وكانت اللوحة أشبه بنافذة مفتوحة على الذاكرة والروح. أما في هذه التشكيلة من اللوحات، فإن هذا الصمت نفسه يجد مأواه في الإنسان، باعتباره الكائن الأكثر قابليةً لحمل آثار الزمن. ولهذا فإن حضور الجسد أو الوجه في أعماله يُقرأ بوصفه انتقالًا من تأمل الفضاء إلى تأمل المصير. وإن لم يختف الأزرق وظل امتدادا لتجربته التشكيلية التي ازدادت عمقا وأصالة.
إن البني- الطيني، الإنسان نفسه، يغدو مركز هذا التأمل، يُقدَّم لنا الجسد ليكشف المبدع ما تخفيه الذاكرة في طبقاتها الأكثر صمتًا. لا يعود الجسد، في هذا الأفق، جسدًا بالمعنى التشريحي، كما لا يعود الوجه هويةً أو ملامح قابلة للتعيين. إنهما يفقدان صفتهما الوصفية ليغدوا أثرًا خالصًا، يدل على الزمن الذي عبَر الكائن، وعلى التجارب التي ترسبت فيه، وعلى ذلك التاريخ الصامت الذي تكتبه الندوب الخفية للوجود.
إن ما نراه في هذه الأعمال هو طبقاتٍ من الحضور والغياب تتنازعها الذاكرة والنسيان، وكأن الفنان يعيد الإنسان إلى حالته الأولى.. يغدو الكائن أثرًا أكثر منه صورة، ويصبح الزمن الرسام الخفي الذي يواصل عمله فوق سطح اللوحة. لا يرسم يوسف سعدون ما يظهر للعين، بل ما يظل عالقًا بعد انمحاء الصورة. كأن اللوحة تنتمي إلى تلك المسافة الغامضة التي يبدأ فيها البصر بالتحول إلى ذاكرة، والذاكرة إلى سؤال.
إن المادة التشكيلية في أعماله هنا هي الصورة نفسها. فكل تراكم لوني هو زمن متجسد، وكل خشونة في السطح هي مقاومة للنسيان، وكل طبقة من الصباغة تحمل في داخلها طبقة أخرى من الحياة، كما لو أن اللوحة تُنجز بضربات فرشاة تحمل داخلها ترسب العمر نفسه. لهذا تبدو اللوحات كما لو أنها خارجة من حفريات الذاكرة أكثر مما هي خارجة من محترف الرسم. تستدعي آثار عبور الأشخاص، وما يبقى فيها من ارتجاج حضورهم الذي يشبه رائحة المطر بعد انحباس الغيث. ولعل هذا ما يجعل الصمت هو العنصر الأكثر حضورًا في هذه التجربة. صمت الامتلاء الذي يسبق اللغة ويتجاوزها، حيث تصبح المادة التشكيلية شكلًا آخر من التفكير، ويغدو اللون طريقة لرؤية العالم وشكلا للإقامة داخله.
في هذه التجربة، يعود الملمس اختيارا تقنيا واعيا، فكل تراكم لوني هو طبقة من الزمن، وكل خدش في سطح اللوحة يشبه جرحًا صغيرًا في الذاكرة، وكل كثافة في المادة هي محاولة لإنقاذ ما يتآكل في الإنسان تحت وطأة الأيام. إن اللوحة تُبنى فوق الزمن ذاته قبل القماش.. زمن يترسب، يتشقق ويترك آثاره كما يترك البحر ملحه على الصخور.
ولذلك تتأرجح هذه اللوحات بين التجريد والإيحاء، بين ما يُرى وما يُستشعر، تمنح العين ارتيابًا جميلًا، لأن الفن، في جوهره، ليس إعادة إنتاج للعالم، بقدر ما هو إعادة اكتشاف غموضه.
لهذا تنتمي لوحات يوسف سعدون إلى شعرية الأثر. تستقبلنا الوجوه في هذه الأعمال وتدعونا إلى الإنصات إليها. وجوه خرجت من عبور الزمن، تحمل على سطحها ندوب الحياة، وترسبات الحزن والفرح وأصداء الغياب، كما لو أن اللون نفسه قد صار ذاكرة، وأن المادة التشكيلية احتفظت بما نسيته الكلمات.
يشتغل يوسف سعدون على الجسد باعتباره أرشيفًا خفيًا للألم والأمل، وللأسئلة التي لا تجد جوابًا إلا في الفن. وهكذا تغدو اللوحة مكانًا يلتقي فيه الشعر بالفلسفة.. الشعر لأنه يمنح الصمت لغة، والفلسفة لأنها تجعل من الأثر سؤالًا عن الكينونة نفسها. وما يواجهه المتلقي في نهاية المطاف ليس صورة لإنسان، بل مرآة لذاته، حيث يصبح كل وجه احتمالًا لوجهه، وكل أثر امتدادًا لأثره، وكل صمت صدى لذلك الصمت العميق الذي يسكن الإنسان منذ ولادته، ويظل يبحث عنه، دون أن يدرك أنه كان، منذ البدء، يقيم في داخله.
لا يبدو الانتقال في تجربة الفنان المغربي يوسف سعدون من زرقة التأمل إلى حضور الجسد انتقالًا بين مرحلتين تشكيليتين، ولكنه انتقال من أفق بصري إلى أفق وجودي أكثر عمقًا.. لقد تغيرت العتبة البصرية، لكن الهاجس ظل واحدًا.
لقد عرف يوسف سعدون، في مرحلةٍ سابقة، كيف يجعل الأزرق فضاءً للتأمل الروحي، حيث كانت اللوحة تنزع إلى الإنصات لصمت الكون واتساعه. كان الأزرق زمنًا داخليًا تتوارى فيه الأشياء داخل ضوءٍ هادئ، وكانت اللوحة أشبه بنافذة مفتوحة على الذاكرة والروح. أما في هذه التشكيلة من اللوحات، فإن هذا الصمت نفسه يجد مأواه في الإنسان، باعتباره الكائن الأكثر قابليةً لحمل آثار الزمن. ولهذا فإن حضور الجسد أو الوجه في أعماله يُقرأ بوصفه انتقالًا من تأمل الفضاء إلى تأمل المصير. وإن لم يختف الأزرق وظل امتدادا لتجربته التشكيلية التي ازدادت عمقا وأصالة.
إن البني- الطيني، الإنسان نفسه، يغدو مركز هذا التأمل، يُقدَّم لنا الجسد ليكشف المبدع ما تخفيه الذاكرة في طبقاتها الأكثر صمتًا. لا يعود الجسد، في هذا الأفق، جسدًا بالمعنى التشريحي، كما لا يعود الوجه هويةً أو ملامح قابلة للتعيين. إنهما يفقدان صفتهما الوصفية ليغدوا أثرًا خالصًا، يدل على الزمن الذي عبَر الكائن، وعلى التجارب التي ترسبت فيه، وعلى ذلك التاريخ الصامت الذي تكتبه الندوب الخفية للوجود.
إن ما نراه في هذه الأعمال هو طبقاتٍ من الحضور والغياب تتنازعها الذاكرة والنسيان، وكأن الفنان يعيد الإنسان إلى حالته الأولى.. يغدو الكائن أثرًا أكثر منه صورة، ويصبح الزمن الرسام الخفي الذي يواصل عمله فوق سطح اللوحة. لا يرسم يوسف سعدون ما يظهر للعين، بل ما يظل عالقًا بعد انمحاء الصورة. كأن اللوحة تنتمي إلى تلك المسافة الغامضة التي يبدأ فيها البصر بالتحول إلى ذاكرة، والذاكرة إلى سؤال.
إن المادة التشكيلية في أعماله هنا هي الصورة نفسها. فكل تراكم لوني هو زمن متجسد، وكل خشونة في السطح هي مقاومة للنسيان، وكل طبقة من الصباغة تحمل في داخلها طبقة أخرى من الحياة، كما لو أن اللوحة تُنجز بضربات فرشاة تحمل داخلها ترسب العمر نفسه. لهذا تبدو اللوحات كما لو أنها خارجة من حفريات الذاكرة أكثر مما هي خارجة من محترف الرسم. تستدعي آثار عبور الأشخاص، وما يبقى فيها من ارتجاج حضورهم الذي يشبه رائحة المطر بعد انحباس الغيث. ولعل هذا ما يجعل الصمت هو العنصر الأكثر حضورًا في هذه التجربة. صمت الامتلاء الذي يسبق اللغة ويتجاوزها، حيث تصبح المادة التشكيلية شكلًا آخر من التفكير، ويغدو اللون طريقة لرؤية العالم وشكلا للإقامة داخله.
في هذه التجربة، يعود الملمس اختيارا تقنيا واعيا، فكل تراكم لوني هو طبقة من الزمن، وكل خدش في سطح اللوحة يشبه جرحًا صغيرًا في الذاكرة، وكل كثافة في المادة هي محاولة لإنقاذ ما يتآكل في الإنسان تحت وطأة الأيام. إن اللوحة تُبنى فوق الزمن ذاته قبل القماش.. زمن يترسب، يتشقق ويترك آثاره كما يترك البحر ملحه على الصخور.
ولذلك تتأرجح هذه اللوحات بين التجريد والإيحاء، بين ما يُرى وما يُستشعر، تمنح العين ارتيابًا جميلًا، لأن الفن، في جوهره، ليس إعادة إنتاج للعالم، بقدر ما هو إعادة اكتشاف غموضه.
لهذا تنتمي لوحات يوسف سعدون إلى شعرية الأثر. تستقبلنا الوجوه في هذه الأعمال وتدعونا إلى الإنصات إليها. وجوه خرجت من عبور الزمن، تحمل على سطحها ندوب الحياة، وترسبات الحزن والفرح وأصداء الغياب، كما لو أن اللون نفسه قد صار ذاكرة، وأن المادة التشكيلية احتفظت بما نسيته الكلمات.
يشتغل يوسف سعدون على الجسد باعتباره أرشيفًا خفيًا للألم والأمل، وللأسئلة التي لا تجد جوابًا إلا في الفن. وهكذا تغدو اللوحة مكانًا يلتقي فيه الشعر بالفلسفة.. الشعر لأنه يمنح الصمت لغة، والفلسفة لأنها تجعل من الأثر سؤالًا عن الكينونة نفسها. وما يواجهه المتلقي في نهاية المطاف ليس صورة لإنسان، بل مرآة لذاته، حيث يصبح كل وجه احتمالًا لوجهه، وكل أثر امتدادًا لأثره، وكل صمت صدى لذلك الصمت العميق الذي يسكن الإنسان منذ ولادته، ويظل يبحث عنه، دون أن يدرك أنه كان، منذ البدء، يقيم في داخله.
الرئيسية















