بقلم : عدنان بنشقرون
طبعاً، لا ينبغي المبالغة في تفسير الأمر. فهذا الاختبار لا يعني أن الروبوت أصبح قادراً على التحقيق الصحافي، أو فهم أجواء الاجتماعات المغلقة، أو قراءة ما بين سطور البلاغات الرسمية، أو التقاط الصمت الذي يخفي المعنى. كما أنه لا يثبت أن الذكاء الاصطناعي أصبح صحافياً. ما يثبته فقط هو أن الآلة، في النصوص القصيرة والمنسقة جيداً، قادرة على إغراء القارئ بسرعة أكبر من الإنسان.
وهذا في حد ذاته أمر ضخم.
لأن القارئ المعاصر لا يملك دائماً الوقت للاحتفاء بـ”نبل” المهنة الصحافية. إنه يقرأ بسرعة، ويتنقل بين المحتويات بسرعة أكبر، ويحكم على النص خلال ثوان معدودة. فإذا كان واضحاً وسلساً وممتعاً استمر في القراءة، وإذا بدا ثقيلاً أو متكلفاً أو مرتبكاً غادر فوراً. وفي كثير من الأحيان، لا يهمه إن كانت الجملة خرجت من عقل صحافي مرهق أو من خادم إلكتروني شديد البرودة.
وهنا تكمن الصفعة.
فعلى مدى سنوات، اعتقد جزء من الصحافة أن الأسلوب وحده يكفي، وأن “القلم” هو الحصن الأخير للمهنة. لكن الخبر السيئ هو أن الذكاء الاصطناعي أصبح يقلد هذا القلم بالفعل، وأحياناً بأخطاء أقل، وجمل أقصر، واستعراض أقل، ودون تلك الفقرات الطويلة المكتوبة فقط لإبهار بعض الزملاء.
ومع ذلك، لا داعي للذعر : الذكاء الاصطناعي لم يستبدل الصحافي بعد، بل استبدل فقط ذلك الشعور المريح الذي كان يعيشه بعض الصحافيين.
لقد أجبر المهنة على العودة إلى جوهرها الحقيقي. فالمقال الصحافي ليس مجرد نص مرتب، بل زاوية معالجة، وتحقق، وترتيب للأولويات، وتقديم للرأي والرأي الآخر، وتحمل للمسؤولية. أحياناً يكون مكالمة هاتفية محرجة، أو مصدراً متردداً، أو وثيقة تحتاج إلى قراءتها مرتين، أو حدساً يجب التأكد منه قبل النشر.
الذكاء الاصطناعي يستطيع إنتاج المحتوى، لكن الصحافي مطالب بإنتاج المعنى.
المشكلة أن بعض المؤسسات الإعلامية قد تستخلص الدرس الخاطئ: إنتاج المزيد، بسرعة أكبر، وبتكلفة أقل. ملء المواقع كما تُملأ رفوف المتاجر. تحويل المعلومة إلى سلعة فاترة، بلا تحقيقات، ولا عمل ميداني، ولا شجاعة مهنية. حينها، لن يقتل الذكاء الاصطناعي الصحافة، بل سيكشف فقط أنها كانت مريضة أصلاً.
لذلك، فإن اختبار “نيويورك تايمز” لا يعلن نهاية غرف التحرير، بل نهاية الأعذار. فمن الآن فصاعداً، لن يكون بالإمكان تسويق تراكم الجمل السليمة على أنه “عمل صحافي”.
ربما لن يسأل القارئ غداً : “هل كتب هذا النص إنسان؟”، بل سيسأل: “هل تم التحقق منه؟ هل هو مفيد؟ هل يتحمل كاتبه مسؤوليته؟”
وعندها فقط، سيكون لدى الصحافيين الحقيقيين ما يقولونه.
الرئيسية















