كتاب الرأي

تراجع احتياطي العملة الصعبة: التهديد الاقتصادي والاجتماعي للجزائر


يواجه الاقتصاد الجزائري هشاشة هيكلية ناجمة عن اعتماده الكبير على المحروقات، وتقلبات الأسعار العالمية، وضعف تنوع القاعدة الإنتاجية. وتُفاقم هذه الصعوبات كلٌّ من البطالة، والضغوط التضخمية، وارتفاع الإنفاق العام. وقد سبق لصندوق النقد الدولي أن حذر من استمرار العجز في الميزانية والحسابات الخارجية، مما يضعف التوازنات الاقتصادية في البلاد. وقد برزت خلال السنوات الأخير مظهر جديد من مظاهر الأزمة التي يعاني منها هذا الاقتصاد الذي يرتهن، بشكل كبير، لعائدات الصادرات من الغاز والنفط، ويتمثل هذ المظهر في التراجع المستمر للأصول الاحتياطية الرسمية من العملة الصعبة..



بقلم: عبدالفتاح الصادقي، إعلامي وباحث في القانون العام و العلوم السياسية

لا شك أن الاحتياطي الوطني من العملة الصعبة تُعد مؤشراً جوهرياً على المتانة المالية لأي بلد؛ فهي تتيح تمويل الواردات، ومواجهة الصدمات الخارجية، والحفاظ على الاستقرار النقدي. وفي الجزائر، يثير انخفاض هذه الاحتياطيات تساؤلات حول مدى استدامة النموذج الاقتصادي الذي يعتمد بشكل كبير على  المحروقات وعائداتها.
 
ووفقاً لصندوق النقد الدولي، تراجعت احتياطيات النقد الأجنبي الرسمية الإجمالية من 68.9 مليار دولار في نهاية عام 2024 إلى 51 مليار دولار في نهاية عام 2025، ثم إلى 41.4 مليار دولار في أبريل 2026، قبل أن تسجل ارتفاعاً طفيفاً لتصل إلى 41.8 مليار دولار في شهر ماي. ومن المتوقع أن يستمر في الانخفاض ليصل إلى 33.4 مليار دولار في عام 2028. علما بأنه بلغ حوالي 68.9 مليار دولار في عام 2024. وتبعا لذلك تقلصت قدرة هذه الاحتياطيات على تغطية الواردات، حيث انخفضت من ما يعادل 11.1 شهراً من الواردات في عام 2024 إلى 8.6 أشهر في عام 2025. 
 
ويعرف الخبراء والمتتبعون أن نقطة الضعف الرئيسية في الاقتصاد الجزائري تكمن  في تركز صادراته على النفط والغاز الطبيعي. وتُعد هذه الموارد المصدر الرئيسي للإيرادات العامة، كما توفر الجزء الأكبر من العملة الصعبة اللازمة لتمويل الواردات. غير أن هذا الاعتماد يجعل البلاد عرضة لتقلبات الأسعار في الأسواق الدولية، وكذلك لتغيرات أحجام الصادرات.
 
وعندما تتراجع إيرادات الطاقة، تنخفض تدفقات العملة الصعبة، في حين تظل احتياجات البلاد مرتفعة. وفي عام 2025، ساهم انخفاض صادرات المحروقات في تدهور الوضع الخارجي. ويُظهر هذا التطور حدود نموذج اقتصادي لا يزال شديد التأثر بأسواق الطاقة.
 
والحقيقة أن مشكلة  هذا النموذج لا تكمن في تقلبات الأسعار فحسب، بل في عدم كفاية تنويع الصادرات. إذ يمكن لقطاعات الصناعة التحويلية والزراعة والخدمات أن تدرّ المزيد من الإيرادات بالعملة الصعبة، شريطة توفر استثمارات منتجة، وبنية تحتية ملائمة، وبيئة اقتصادية مواتية، وهو أمر يبدو صعب التحقيق في ظل الظروف الراهنة..
 
ويُعزى تراجع الاحتياطي من العملة الصعبة أيضاً إلى زيادة الواردات. ووفقاً لصندوق النقد الدولي، فقد شمل هذا الارتفاع، على وجه الخصوص، التجهيزات المرتبطة بالمشاريع الاستثمارية الكبرى للدولة والمؤسسات العامة، والسلع الاستهلاكية غير الغذائية، والسلع الوسيطة اللازمة للإنتاج. وفي الوقت ذاته، انخفضت صادرات المحروقات، مما أدى إلى تفاقم الاختلال الخارجي.
 
وتُشكّل النفقات العسكرية الجزائرية، المُقدَّرة بـ 25.4 مليار دولار في عام 2025، ضغطاً إضافياً على المالية العامة، وتتسبب في زيادة تدفقات العملة الصعبة إلى الخارج المخصصة لاستيراد المعدات العسكرية. 
 
والخطير في الأمر أن  هذه النفقات لا تؤدي إلى خلق قدرات إنتاجية جديدة كافية أو تحقيق إيرادات من الصادرات، بل تتسبب في استمرار استهلاك  مبالغ  كبيرة من العملات الأجنبية.
 
كما أن الاعتماد على الخارج في توفير المواد الغذائية والأدوية وبعض المدخلات الصناعية يزيد من حدة هذه الهشاشة. ومن ناحية أخرى، فإن خفض الواردات بشكل مفاجئ وحاد قد يؤدي إلى عرقلة الإنتاج والإضرار بالمستهلكين. لذلك لابد من التوجه نحو بلورة نموذج اقتصادي جديد، يتركز على تطوير إنتاج وطني تنافسي، وتوجيه الاستثمارات نحو الأنشطة القادرة على تقليل الاعتماد على الخارج، إلا أن هذا النموذج لا يمكن أن تظهر نتائجه بين عشية وضحاه، حيث يقدر الخبراء أن الأمر قد يستغرق ما بين 15 و20 عاما.
 
والواقع أن الاختلالات في المالية العامة تُعد عاملاً إضافياً يعزز الهشاشة. ونظراً لارتباط إيرادات الدولة الجزائرية  ارتباطاً وثيقاً بقطاع المحروقات، فإن أي انخفاض في هذه العائدات يؤدي إلى تراجع الموارد المتاحة، دون أن يقترن ذلك تلقائياً بخفضٍ مماثل في الإنفاق العام.
 
في هذا السياق ، ينبغي التمييز بين احتياطيات النقد الأجنبي والعجز في الموازنة؛ فالأولى تمثل أصولاً خارجية، بينما يقيس الثاني الفارق بين الإيرادات والنفقات العامة. ومع ذلك، ففي اقتصاد يعتمد على صادرات المحروقات، يرتبط هذان الأمران ارتباطاً وثيقاً.
 
فعندما تؤدي النفقات العامة إلى تحفيز طلب محلي قوي، يتجه جزء من هذا الطلب نحو المنتجات المستوردة. وإذا لم تنمُ إيرادات التصدير بالقدر الكافي، فإن هذه الديناميكية تزيد من الضغوط على الاحتياطيات. ورغم أن لجوء الدولة إلى التمويل عبر البنك المركزي قد يلبي بعض الاحتياجات الفورية، إلا أن تكرار هذا الإجراء يجعل من الصعب السيطرة على السيولة ومعدلات التضخم.
 
إن انخفاض الاحتياطي من العملة الصعبة يؤدي إلى تقليص قدرة الجزائر على استيعاب الصدمات الخارجية، وإلى تعقيد تمويل الواردات، وتزويد الشركات باحتياجاتها، وتوفير المعدات الضرورية للعملية الإنتاجية.
 
ومن ناحية أخرى، يمكن أن تؤدي الضغوط المتعلقة بالحصول على العملات الأجنبية عبر القنوات الرسمية إلى تعزيز نشاط السوق الموازية. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن الفارق في سعر الصرف (علاوة السوق الموازية) قد بلغ 84 في المائة بنهاية عام 2025، واستقر عند حوالي 80 في المائة اعتباراً من فبراير 2026. ويعكس هذا الوضع، بشكل خاص، الاختلالات القائمة بين العرض الرسمي للعملات الأجنبية والطلب عليها، فضلاً عن القيود المفروضة وتوقعات الفاعلين الاقتصاديين.
 
بالنسبة للشركات، قد تؤدي صعوبات الإمداد وعدم اليقين بشأن التكاليف إلى تأخير الإنتاج، وإرجاء الاستثمارات، والحد من عمليات التشغيل. وعلى المدى البعيد، تنطوي هذه القيود على مخاطر إبطاء التنويع الاقتصادي، رغم أن هذا التنويع يُعد أمراً لا غنى عنه لتقليل الاعتماد على المحروقات.
 
ومن المؤكد أن تبعات تراجع الاحتياطي من العملة الصعبة ستطال الأسرَ أيضاً؛ إذ يجعل الاعتمادُ على المنتجات المستوردةُ القدرةَ الشرائيةَ عرضةً لتقلبات الأسعار العالمية وصعوبات التوريد. كما أن ارتفاع تكاليف المواد الغذائية أو الأدوية أو التجهيزات قد يشكل عبئاً إضافياً على الأسر ذات الدخل المحدود، وقد يصل الأمر إلى فقدان بعض المنتجات، وهو ما ظهر، بشكل واضح، في أزمة النقص المهول في عجلات السيارات وفي غياب بعض المواد الاستهلاكية  الأساسية من السوق الجزائرية...
 
والحقيقة أن النموذج الاقتصادي الجزائري الذي ظهرعجزه أمام الاحتياجات الداخلية والصدمات الخارجية لا يعاني فقط من انخفاض الاحتياطي من العملة الصعبة؛ فهناك المشاكل المرتبطة بالتضخم والاعتماد على الإنتاج الزراعي، وتكاليف التوزيع، والدعم الحكومي، وآليات عمل الأسواق. وقد أشار صندوق النقد الدولي، على وجه الخصوص، إلى عودة التضخم العام للارتفاع، من -2 في المائة خلال شهر  شتنبر 2025 إلى 5.2 في المائة  خلال شهر أبريل 2026، وهو ما يعود جزئياً إلى تطور أسعار المواد الغذائية وارتفاع أسعار الذهب.
 
ومن ناحية أخرى، قد تؤدي الضغوط على الميزانية إلى تعقيد تمويل الخدمات العامة، والبنية التحتية، وأنظمة الحماية الاجتماعية. كما أن خفض الإنفاق أو تقليص الدعم بطريقة غير مدروسة بدقة قد يؤدي إلى تفاقم التفاوتات الاجتماعية. لذلك تفرض الضرورة مراعاة حماية الفئات الأكثر ضعفاً، واعتماد آليات دعم ملائمة وموجهة بشكل صحيح  لضمان نجاح أي إصلاح ولأي نموذج اقتصادي جديد.
 
وتتمثل الأولوية الأساس، لهذا النموذج، في تنويع الصادرات من خلال تطوير قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات ذات القيمة المضافة، إلى جانب أولوية ثانية تركز على تحسين إدارة المالية العامة، وتعزيز الإيرادات من خارج قطاع المحروقات، وتوجيه الاستثمار العام نحو مشاريع ذات جدوى اقتصادية وإنتاجية.
 
وبالمنطق الحسابات الاقتصادية،  تحتاج الجزائر إلى فترة تتراوح بين 10 و15 عاماً لتقليل اعتمادها على المحروقات بشكل ملموس، وربما من 15 إلى 20 عاماً لإحداث تحول جذري في نموذجها الاقتصادي، وذلك شريطة الشروع في إصلاحات هيكلية مستمرة.
 




الاربعاء 21 أكتوبر 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic