بقلم : بوشعيب حمراوي
ملك استثنائي اختار أن يهزم الاستعمار دون حرب
لم تكن المسيرة الخضراء مجرد حدث عابر في تاريخ المغرب، ولا مجرد تجمع بشري ضخم سار في اتجاه الصحراء يوم السادس من نونبر 1975. لقد كانت واحدة من أبرز المبادرات السياسية والاستراتيجية السلمية في تاريخ تصفية الاستعمار، وملحمة وطنية كشفت عن قوة التلاحم بين العرش والشعب، وعن رؤية الملك الراحل الحسن الثاني في إدارة واحدة من أعقد القضايا الترابية والسياسية التي واجهتها المملكة.
لقد واجه الحسن الثاني استعماراً إسبانياً مدججاً بالسلاح، في ظل توازنات دولية وإقليمية معقدة، لكنه لم يختر أن يجعل من المواجهة العسكرية الطريق الوحيد لاسترجاع الصحراء. بل أبدع وسيلة سلمية غير مسبوقة، تقوم على تحويل مئات الآلاف من المواطنين العزل إلى قوة شعبية ذات تأثير سياسي ودبلوماسي هائل.
كانت العبقرية في الفكرة، والجرأة في القرار، والدقة في التنفيذ، والحكمة في اختيار لحظة الانطلاق ولحظة التوقف.
فقد جعل الحسن الثاني من القرآن الكريم والعلم الوطني وصورته رموزاً لمسيرة واجهت بها الجماهير المغربية المدافع والدبابات،
سلاح ثلاثي فتاك يجسد شعار المملكة (الله الوطن الملك). وضع الاستعمار أمام امتحان أخلاقي وسياسي عسير.
وهكذا انتقلت القضية من حسابات الجيوش إلى قوة الإرادة الشعبية، ومن ساحات الحرب المحتملة إلى ميدان الضغط الدبلوماسي.
16 أكتوبر 1975.. قراءة ملكية غيرت مجرى الأحداث
بدأ الفصل الحاسم من هذه الملحمة يوم 16 أكتوبر 1975، عندما أصدرت محكمة العدل الدولية بلاهاي رأيها الاستشاري بشأن الصحراء.
فقد أقرت المحكمة بوجود روابط قانونية للبيعة والولاء بين سلطان المغرب وبعض القبائل الصحراوية، وإن لم تعتبر تلك الروابط إثباتاً للسيادة الترابية وفق المفهوم القانوني المعتمد لديها، وأكدت ضرورة احترام مبدأ تقرير المصير.
لكن الحسن الثاني قرأ في تلك الروابط التاريخية والقانونية أساساً لتعزيز الموقف المغربي، وأدرك أن اللحظة تتطلب مبادرة تتجاوز الانتظار والمرافعات.
وفي اليوم نفسه، ألقى خطاباً تاريخياً من مدينة مراكش أعلن فيه تنظيم المسيرة الخضراء بمشاركة 350 ألف مغربية ومغربي.
لم يكن الإعلان وليد ارتجال أو حماس ظرفي. فقد أوضح الملك لاحقاً أن المغرب قضى شهوراً في جمع الحجج التاريخية والقانونية وإعداد خطته السياسية.
كانت المبادرة ثمرة تفكير استراتيجي أدرك أن كسب المعركة الدبلوماسية يحتاج إلى فعل ميداني سلمي يمنح المطالب المغربية قوة إضافية.
لقد امتلك الحسن الثاني شجاعة الانتقال من الدفاع عن الموقف إلى صناعة الحدث نفسه.
لماذا اختار الحسن الثاني 350 ألف مشارك؟
لم يكن اختيار 350 ألف متطوع رقماً اعتباطياً.
فقد ربط الملك الراحل هذا العدد بالتقديرات المتعلقة بالمواليد السنوية في المغرب آنذاك، وكأنه أراد أن يجعل من المسيرة تعبيراً رمزياً عن حجم جيل كامل من المغاربة.
والأهم أنه حرص على مشاركة النساء بنسبة عشرة في المائة، أي نحو 35 ألف متطوعة، تأكيداً على أن الدفاع عن الوطن مسؤولية مشتركة بين الرجال والنساء.
وفتحت مكاتب التسجيل بمختلف الأقاليم والعمالات، ووزعت الحصص بحسب الإمكانات والمسافات.
ساهمت الدار البيضاء بحوالي 35 ألف متطوع، ضمنهم 3500 امرأة، وأكادير بنحو 33 ألفاً، ومراكش بحوالي 25 ألفاً، بينما سجلت بعض المناطق الشمالية حصصاً أقل بسبب بعدها الجغرافي.
وكان لإقليم سطات نصيبه من التعبئة بنحو عشرة آلاف متطوع، ضمنهم ألف امرأة، في مرحلة كانت فيها بنسليمان تابعة إدارياً لهذا الإقليم، قبل إحداث إقليم بنسليمان سنة 1977.
لقد كان المغرب كله حاضراً في المسيرة، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب.
ولم يكن المتطوعون وحدهم من شملتهم التعبئة. فبحسب المعطيات التنظيمية التي وثقتها في دراسة سابقة، شارك نحو 70 ألف إطار مدني وعسكري في التأطير والخدمات، ليصل مجموع المتطوعين والأطر إلى نحو 420 ألف شخص.
وهنا تتجلى إحدى أهم علامات عبقرية الحسن الثاني: لم يكتف بإطلاق نداء وطني، بل حول الاستجابة الشعبية إلى منظومة منظمة ومؤطرة، تجمع بين الحماس والانضباط.
عملية تنظيمية هائلة في مغرب السبعينيات
من السهل اليوم تأمل صور المسيرة الخضراء دون إدراك حجم المجهود الذي تطلبه تنظيمها.
لكن نقل 350 ألف إنسان وإيواءهم وإطعامهم وتأمين صحتهم وسلامتهم في مناطق صحراوية محدودة الموارد كان تحدياً استثنائياً.
فقد جرت تعبئة آلاف الحافلات والشاحنات، إلى جانب قطارات لنقل المتطوعين نحو الجنوب.
وأنشئت مخيمات ضخمة في محيط طرفاية وطانطان، حيث تمركز نحو 250 ألف متطوع بالأولى وحوالي 100 ألف بالثانية، وفق المعطيات الواردة في الدراسة الأصلية.
وكان على الجهات المنظمة أن توفر المياه والمواد الغذائية والوقود والخيام والأغطية والمرافق الصحية ومراكز الإسعاف.
كما كان عليها أن تتعامل مع اختلاف الظروف المناخية والعادات الغذائية وأنماط العيش بين المتطوعين القادمين من مناطق المغرب المختلفة.
ولنتخيل ضخامة هذا الإنجاز سنة 1975، في غياب الهواتف المحمولة والتطبيقات الرقمية ووسائل الاتصال الحديثة!
لقد كانت المسيرة الخضراء درساً مبكراً في التدبير اللوجستيكي والتخطيط الاستراتيجي والتنسيق بين المؤسسات.
وإذا كان الحسن الثاني هو مهندس القرار السياسي، فإن آلاف الأطر المدنية والعسكرية والطبية والإدارية كانوا من أبرز صناع نجاحه الميداني.
سليمان نجمي.. الرجل الذي ائتمنه الحسن الثاني على صحة المتطوعين
من الصفحات التي تستحق أن تستعيد مكانتها في ذاكرة المسيرة الخضراء، صفحة التنظيم الصحي الذي أشرف عليه الطبيب العسكري والبروفيسور الراحل سليمان نجمي.
فقد وضع فيه الحسن الثاني ثقته، وأسند إليه مهمة التنسيق العام للخدمات الصحية الموجهة للمشاركين.
وجرى توزيع المسؤوليات بين المصالح الصحية للقوات المسلحة الملكية ووزارة الصحة والهلال الأحمر المغربي.
وتمت تعبئة فرق طبية ومستشفيات ميدانية ومراكز للإغاثة وسيارات إسعاف، إلى جانب وضع خطط للوقاية من الأمراض والأوبئة والتعامل مع الحالات الاستعجالية.
وتشير المعطيات التي سبق أن وثقتها إلى تعبئة تسعين فريقاً طبياً ميدانياً، وأكثر من 220 سيارة إسعاف، فضلاً عن الإمكانات الطبية الأخرى.
وقد واجه المشاركون حالات مرضية ومشاكل مرتبطة بالطقس والتغذية والمبيت وطول السفر، وهو ما تطلب تدخلاً طبياً ووقائياً مستمراً.
وبعد انتهاء المهمة، أنجز سليمان نجمي تقريراً مفصلاً ضمن كتاب حمل عنوان «المشاكل الصحية للمشاركين في المسيرة الخضراء»، قدمه إلى الملك الراحل.
إن استحضار هذا الجانب يكشف أن المسيرة لم تكن فقط ملحمة حماس واندفاع، بل كانت كذلك عملية دقيقة اهتمت بالتفاصيل الإنسانية واليومية لحياة مئات الآلاف من المواطنين.
تضامن دولي تجاوز حدود المملكة
لم يقتصر حضور المسيرة الخضراء على المغاربة وحدهم.
فقد شارك فيها متطوعون وممثلون متضامنون من تسع دول، وفق المعطيات الواردة في الدراسة التاريخية التي أعددتها، وهي تونس والأردن والكويت والمملكة العربية السعودية ولبنان والسودان والغابون وسلطنة عمان والولايات المتحدة الأمريكية.
حمل هؤلاء أعلام بلدانهم، وانضموا إلى الحشود المغربية، في تعبير رمزي عن التضامن الدولي مع المبادرة.
كما شارك فريق طبي تونسي متطوع، ضم أربعة أطباء وأربعة عشر ممرضاً.
وقد عكس هذا الحضور قدرة المغرب على تقديم قضيته خارج حدوده، وجعل المسيرة حدثاً استقطب اهتمام الإعلام والرأي العام الدوليين.
فالمسيرة لم تكن موجهة إلى إسبانيا وحدها، بل كانت رسالة إلى العالم كله بأن المغرب اختار المطالبة بحقوقه التاريخية بأسلوب سلمي جماهيري.
في الخامس من نونبر 1975، وجه الحسن الثاني خطابه الشهير إلى المتطوعين، معلناً أن موعد العبور قد حان.
وكان واضحاً في تعليماته بشأن سلمية المسيرة، وداعياً المشاركين إلى تجنب أي مواجهة مع الإسبان.
وفي صباح الخميس السادس من نونبر، الموافق للثالث من ذي القعدة 1395، انطلقت الحشود نحو الصحراء.
كان المشهد من أروع صور التعبئة الوطنية.
مئات الآلاف من المواطنين يسيرون حاملين المصاحف والأعلام الوطنية، تتعالى أصواتهم بالدعاء والتكبير والأناشيد الوطنية، في اتجاه أرض يعتبرونها امتداداً لوطنهم.
وتولى الوزير الأول أحمد عصمان قيادة المسيرة ميدانياً، تنفيذاً للتعليمات الملكية.
لم يكن عبور الحدود مجرد تقدم جغرافي، بل كان رسالة سياسية قوية بأن المغرب قادر على تحويل قضيته الوطنية إلى فعل جماعي منظم وسلمي.
وبعد أيام قليلة، وتحديداً في التاسع من نونبر، أعلن الحسن الثاني أن المسيرة أدت رسالتها، وأمر بعودة المشاركين إلى نقطة الانطلاق.
وقد يكون هذا القرار من أكثر القرارات دلالة على طبيعة تفكيره الاستراتيجي.
فالقائد الذي امتلك الجرأة على إطلاق المسيرة امتلك الحكمة في إيقافها عندما رأى أن هدفها السياسي قد تحقق، وأن المجال أصبح مفتوحاً أمام المفاوضات.
لقد كان يعرف أن الانتصار لا يقاس دائماً بعدد الكيلومترات التي تقطعها الجموع، بل بحجم التحول الذي تفرضه على موازين القوى.
14 نونبر.. اتفاقية مدريد وانسحاب إسبانيا
لم تمض سوى أيام على توقف المسيرة حتى وقعت إسبانيا والمغرب وموريتانيا، في الرابع عشر من نونبر 1975، إعلان المبادئ المعروف باتفاقية مدريد.
ونص الاتفاق على إنهاء الوجود الإداري الإسباني في الصحراء، وإحداث إدارة مؤقتة بمشاركة المغرب وموريتانيا، في انتظار استكمال الانسحاب الإسباني.
وقد حدد الاتفاق يوم 28 فبراير 1976 موعداً أقصى لإنهاء الوجود الإسباني، بينما اكتمل الانسحاب الفعلي في 26 فبراير من السنة نفسها.
وكان ذلك تحولاً كبيراً في تاريخ المنطقة، وإن بقيت الآثار القانونية والسياسية للاتفاق محل خلاف دولي، واستمر ملف الصحراء مطروحاً أمام الأمم المتحدة.
كما شهدت المرحلة اللاحقة توزيع الإدارة بين المغرب وموريتانيا، قبل أن تتخلى موريتانيا سنة 1979 عن مطالبها في الجزء الذي كانت تديره، ويتوسع المغرب في المناطق التي انسحبت منها.
لقد أثبتت هذه التحولات أن المسيرة الخضراء لم تكن مجرد حدث احتفالي ضخم، بل كانت عاملاً مؤثراً في تسريع نهاية الإدارة الاستعمارية الإسبانية وتغيير الوضع السياسي والميداني.
من المسيرة الخضراء إلى المسيرة السوداء.. مأساة المغاربة المطرودين من الجزائر
غير أن الفرحة المغربية بما تحقق من مكاسب سياسية رافقتها مأساة إنسانية مؤلمة على الحدود الشرقية للمملكة.
ففي دجنبر 1975، أقدمت السلطات الجزائرية، في عهد الرئيس هواري بومدين، على طرد أعداد كبيرة من المغاربة المقيمين على أراضيها، في عملية عرفت في الذاكرة المغربية باسم «المسيرة السوداء» أو «المسيرة الكحلاء».
وتشير تقارير ودراسات حقوقية إلى أن العملية طالت نحو 45 ألف أسرة مغربية، بينما تختلف التقديرات المتعلقة بإجمالي الأشخاص المطرودين، ومنها تقديرات تقارب 350 ألف شخص.
ولم تكن المأساة مجرد عبور قسري للحدود.
لقد تحدثت شهادات المتضررين وملفاتهم الحقوقية عن تفكيك أسر مختلطة مغربية جزائرية، وفصل أزواج عن زوجاتهم وأبناء عن آبائهم، وترك ممتلكات ومدخرات وراءهم، في مشاهد مؤلمة لا تزال آثارها حاضرة لدى كثير من العائلات.
وارتبطت عمليات الطرد في الذاكرة الجماعية بعيد الأضحى لسنة 1975، ما أضفى عليها بعداً إنسانياً أشد قسوة.
وهنا تبرز مفارقة تاريخية مؤلمة.
ففي الوقت الذي حشد فيه المغرب مئات الآلاف من المواطنين في مسيرة سلمية عنوانها استرجاع الأرض، وجدت أسر مغربية مقيمة في الجزائر نفسها مجبرة على مغادرة بيوتها والعودة إلى وطنها في ظروف قاسية.
ولذلك لا يمكن استحضار المسيرة الخضراء دون استحضار معاناة هؤلاء الضحايا، الذين لا ينبغي أن تضيع حقوقهم الإنسانية والمدنية بين الخلافات السياسية.
كما لا ينبغي تحميل الشعب الجزائري مسؤولية قرارات اتخذتها سلطات بلاده، فالعلاقات الإنسانية والعائلية والتاريخية بين الشعبين أعمق من أي خلاف سياسي.
عبقرية الحسن الثاني.. في القرار والتوقيت والتحكم في النتائج
إن قراءة المسيرة الخضراء بعد مرور أكثر من نصف قرن تبرز ثلاثة أبعاد أساسية في طريقة تدبير الملك الحسن الثاني لهذه العملية.
أولها القدرة على استثمار اللحظة التاريخية، فقد اختار الإعلان عن المسيرة في اليوم نفسه الذي صدر فيه الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية.
وثانيها القدرة على تعبئة الشعب وتحويل حماسه إلى قوة منظمة، مستندة إلى مؤسسات الدولة وأجهزتها المدنية والعسكرية.
أما البعد الثالث فهو التحكم في مسار المبادرة، بدءاً من الإعلان عنها، ومروراً بالتعبئة والعبور، وانتهاء بقرار العودة وفسح المجال أمام الدبلوماسية.
لقد جمع الحسن الثاني بين الجرأة السياسية والحساب الاستراتيجي، وبين استحضار التاريخ والقدرة على صناعة واقع جديد.
ولم يكن نجاح المسيرة ممكناً دون استجابة الشعب المغربي، الذي قدم نموذجاً في الالتفاف حول قضية وطنية جامعة.
وهنا تتجلى القيمة الكبرى للملحمة: لم يكن الملك وحده في مواجهة التحدي، ولم يكن الشعب مجرد جمهور يتابع الأحداث، بل كان الطرفان معاً جزءاً من فعل تاريخي مشترك.
المسيرة الخضراء لم تنته.. بل تغيرت أدواتها
إن أعظم وفاء للمسيرة الخضراء لا يتحقق بالاكتفاء بترديد أناشيدها واستحضار صورها ورفع الأعلام في ذكراها.
فالوفاء الحقيقي يقتضي نقل روحها إلى الأجيال الجديدة، وتعريف التلاميذ والطلبة بأسرارها السياسية والدبلوماسية والتنظيمية والإنسانية.
وإذا كان جيل 1975 قد حمل المصاحف والأعلام وسار نحو الصحراء، فإن الأجيال الحالية مدعوة إلى مواصلة مسيرة البناء بالعلم والمعرفة والعمل والإبداع والتنمية.
لقد وضع الحسن الثاني لبنة تاريخية كبرى، وواصل الملك محمد السادس العمل على تعزيز التنمية والبنيات التحتية والاستثمارات بالأقاليم الجنوبية، وعلى توسيع التأييد الدولي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي.
وهكذا تتواصل المسيرة، وإن اختلفت أدواتها، من تعبئة الجماهير إلى تعبئة الطاقات الاقتصادية والعلمية والدبلوماسية.
لقد كانت ملحمة سنة 1975 دليلاً على أن قوة الأوطان لا تقاس فقط بما تمتلكه من أسلحة وموارد، بل بما يتوفر لديها من وحدة داخلية، وثقة بين المؤسسات والمواطنين، وقدرة على تحويل الإرادة الجماعية إلى إنجازات ملموسة.
سيظل السادس من نونبر 1975 تاريخاً استثنائياً في الذاكرة المغربية، لأنه جسد لحظة التقاء القرار الملكي بالإرادة الشعبية، وتحول فيها مئات الآلاف من المواطنين إلى قوة سلمية صنعت حدثاً تاريخياً كبيراً.
رحل الحسن الثاني، لكن المسيرة الخضراء بقيت حاضرة، شاهدة على رؤيته السياسية وعلى قدرة المغاربة على التعبئة والتنظيم والتضحية.
وبقي الدرس الأعمق الذي ينبغي أن تتعلمه الأجيال:
إن القائد يصنع القرار، والشعب يمنحه قوته، والمؤسسات تحول الإرادة إلى إنجاز، والتاريخ يحتفظ للأمم بما استطاعت تحقيقه من خلال وحدتها وعملها المشترك.
وتلك هي الرسالة الخالدة للمسيرة الخضراء، ملحمة ملك وشعب، بدأت بخطاب في السادس عشر من أكتوبر، وتجسدت بزحف سلمي في السادس من نونبر، وظلت واحدة من أبرز المحطات المؤسسة للمغرب المعاصر.
لم تكن المسيرة الخضراء مجرد حدث عابر في تاريخ المغرب، ولا مجرد تجمع بشري ضخم سار في اتجاه الصحراء يوم السادس من نونبر 1975. لقد كانت واحدة من أبرز المبادرات السياسية والاستراتيجية السلمية في تاريخ تصفية الاستعمار، وملحمة وطنية كشفت عن قوة التلاحم بين العرش والشعب، وعن رؤية الملك الراحل الحسن الثاني في إدارة واحدة من أعقد القضايا الترابية والسياسية التي واجهتها المملكة.
لقد واجه الحسن الثاني استعماراً إسبانياً مدججاً بالسلاح، في ظل توازنات دولية وإقليمية معقدة، لكنه لم يختر أن يجعل من المواجهة العسكرية الطريق الوحيد لاسترجاع الصحراء. بل أبدع وسيلة سلمية غير مسبوقة، تقوم على تحويل مئات الآلاف من المواطنين العزل إلى قوة شعبية ذات تأثير سياسي ودبلوماسي هائل.
كانت العبقرية في الفكرة، والجرأة في القرار، والدقة في التنفيذ، والحكمة في اختيار لحظة الانطلاق ولحظة التوقف.
فقد جعل الحسن الثاني من القرآن الكريم والعلم الوطني وصورته رموزاً لمسيرة واجهت بها الجماهير المغربية المدافع والدبابات،
سلاح ثلاثي فتاك يجسد شعار المملكة (الله الوطن الملك). وضع الاستعمار أمام امتحان أخلاقي وسياسي عسير.
وهكذا انتقلت القضية من حسابات الجيوش إلى قوة الإرادة الشعبية، ومن ساحات الحرب المحتملة إلى ميدان الضغط الدبلوماسي.
16 أكتوبر 1975.. قراءة ملكية غيرت مجرى الأحداث
بدأ الفصل الحاسم من هذه الملحمة يوم 16 أكتوبر 1975، عندما أصدرت محكمة العدل الدولية بلاهاي رأيها الاستشاري بشأن الصحراء.
فقد أقرت المحكمة بوجود روابط قانونية للبيعة والولاء بين سلطان المغرب وبعض القبائل الصحراوية، وإن لم تعتبر تلك الروابط إثباتاً للسيادة الترابية وفق المفهوم القانوني المعتمد لديها، وأكدت ضرورة احترام مبدأ تقرير المصير.
لكن الحسن الثاني قرأ في تلك الروابط التاريخية والقانونية أساساً لتعزيز الموقف المغربي، وأدرك أن اللحظة تتطلب مبادرة تتجاوز الانتظار والمرافعات.
وفي اليوم نفسه، ألقى خطاباً تاريخياً من مدينة مراكش أعلن فيه تنظيم المسيرة الخضراء بمشاركة 350 ألف مغربية ومغربي.
لم يكن الإعلان وليد ارتجال أو حماس ظرفي. فقد أوضح الملك لاحقاً أن المغرب قضى شهوراً في جمع الحجج التاريخية والقانونية وإعداد خطته السياسية.
كانت المبادرة ثمرة تفكير استراتيجي أدرك أن كسب المعركة الدبلوماسية يحتاج إلى فعل ميداني سلمي يمنح المطالب المغربية قوة إضافية.
لقد امتلك الحسن الثاني شجاعة الانتقال من الدفاع عن الموقف إلى صناعة الحدث نفسه.
لماذا اختار الحسن الثاني 350 ألف مشارك؟
لم يكن اختيار 350 ألف متطوع رقماً اعتباطياً.
فقد ربط الملك الراحل هذا العدد بالتقديرات المتعلقة بالمواليد السنوية في المغرب آنذاك، وكأنه أراد أن يجعل من المسيرة تعبيراً رمزياً عن حجم جيل كامل من المغاربة.
والأهم أنه حرص على مشاركة النساء بنسبة عشرة في المائة، أي نحو 35 ألف متطوعة، تأكيداً على أن الدفاع عن الوطن مسؤولية مشتركة بين الرجال والنساء.
وفتحت مكاتب التسجيل بمختلف الأقاليم والعمالات، ووزعت الحصص بحسب الإمكانات والمسافات.
ساهمت الدار البيضاء بحوالي 35 ألف متطوع، ضمنهم 3500 امرأة، وأكادير بنحو 33 ألفاً، ومراكش بحوالي 25 ألفاً، بينما سجلت بعض المناطق الشمالية حصصاً أقل بسبب بعدها الجغرافي.
وكان لإقليم سطات نصيبه من التعبئة بنحو عشرة آلاف متطوع، ضمنهم ألف امرأة، في مرحلة كانت فيها بنسليمان تابعة إدارياً لهذا الإقليم، قبل إحداث إقليم بنسليمان سنة 1977.
لقد كان المغرب كله حاضراً في المسيرة، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب.
ولم يكن المتطوعون وحدهم من شملتهم التعبئة. فبحسب المعطيات التنظيمية التي وثقتها في دراسة سابقة، شارك نحو 70 ألف إطار مدني وعسكري في التأطير والخدمات، ليصل مجموع المتطوعين والأطر إلى نحو 420 ألف شخص.
وهنا تتجلى إحدى أهم علامات عبقرية الحسن الثاني: لم يكتف بإطلاق نداء وطني، بل حول الاستجابة الشعبية إلى منظومة منظمة ومؤطرة، تجمع بين الحماس والانضباط.
عملية تنظيمية هائلة في مغرب السبعينيات
من السهل اليوم تأمل صور المسيرة الخضراء دون إدراك حجم المجهود الذي تطلبه تنظيمها.
لكن نقل 350 ألف إنسان وإيواءهم وإطعامهم وتأمين صحتهم وسلامتهم في مناطق صحراوية محدودة الموارد كان تحدياً استثنائياً.
فقد جرت تعبئة آلاف الحافلات والشاحنات، إلى جانب قطارات لنقل المتطوعين نحو الجنوب.
وأنشئت مخيمات ضخمة في محيط طرفاية وطانطان، حيث تمركز نحو 250 ألف متطوع بالأولى وحوالي 100 ألف بالثانية، وفق المعطيات الواردة في الدراسة الأصلية.
وكان على الجهات المنظمة أن توفر المياه والمواد الغذائية والوقود والخيام والأغطية والمرافق الصحية ومراكز الإسعاف.
كما كان عليها أن تتعامل مع اختلاف الظروف المناخية والعادات الغذائية وأنماط العيش بين المتطوعين القادمين من مناطق المغرب المختلفة.
ولنتخيل ضخامة هذا الإنجاز سنة 1975، في غياب الهواتف المحمولة والتطبيقات الرقمية ووسائل الاتصال الحديثة!
لقد كانت المسيرة الخضراء درساً مبكراً في التدبير اللوجستيكي والتخطيط الاستراتيجي والتنسيق بين المؤسسات.
وإذا كان الحسن الثاني هو مهندس القرار السياسي، فإن آلاف الأطر المدنية والعسكرية والطبية والإدارية كانوا من أبرز صناع نجاحه الميداني.
سليمان نجمي.. الرجل الذي ائتمنه الحسن الثاني على صحة المتطوعين
من الصفحات التي تستحق أن تستعيد مكانتها في ذاكرة المسيرة الخضراء، صفحة التنظيم الصحي الذي أشرف عليه الطبيب العسكري والبروفيسور الراحل سليمان نجمي.
فقد وضع فيه الحسن الثاني ثقته، وأسند إليه مهمة التنسيق العام للخدمات الصحية الموجهة للمشاركين.
وجرى توزيع المسؤوليات بين المصالح الصحية للقوات المسلحة الملكية ووزارة الصحة والهلال الأحمر المغربي.
وتمت تعبئة فرق طبية ومستشفيات ميدانية ومراكز للإغاثة وسيارات إسعاف، إلى جانب وضع خطط للوقاية من الأمراض والأوبئة والتعامل مع الحالات الاستعجالية.
وتشير المعطيات التي سبق أن وثقتها إلى تعبئة تسعين فريقاً طبياً ميدانياً، وأكثر من 220 سيارة إسعاف، فضلاً عن الإمكانات الطبية الأخرى.
وقد واجه المشاركون حالات مرضية ومشاكل مرتبطة بالطقس والتغذية والمبيت وطول السفر، وهو ما تطلب تدخلاً طبياً ووقائياً مستمراً.
وبعد انتهاء المهمة، أنجز سليمان نجمي تقريراً مفصلاً ضمن كتاب حمل عنوان «المشاكل الصحية للمشاركين في المسيرة الخضراء»، قدمه إلى الملك الراحل.
إن استحضار هذا الجانب يكشف أن المسيرة لم تكن فقط ملحمة حماس واندفاع، بل كانت كذلك عملية دقيقة اهتمت بالتفاصيل الإنسانية واليومية لحياة مئات الآلاف من المواطنين.
تضامن دولي تجاوز حدود المملكة
لم يقتصر حضور المسيرة الخضراء على المغاربة وحدهم.
فقد شارك فيها متطوعون وممثلون متضامنون من تسع دول، وفق المعطيات الواردة في الدراسة التاريخية التي أعددتها، وهي تونس والأردن والكويت والمملكة العربية السعودية ولبنان والسودان والغابون وسلطنة عمان والولايات المتحدة الأمريكية.
حمل هؤلاء أعلام بلدانهم، وانضموا إلى الحشود المغربية، في تعبير رمزي عن التضامن الدولي مع المبادرة.
كما شارك فريق طبي تونسي متطوع، ضم أربعة أطباء وأربعة عشر ممرضاً.
وقد عكس هذا الحضور قدرة المغرب على تقديم قضيته خارج حدوده، وجعل المسيرة حدثاً استقطب اهتمام الإعلام والرأي العام الدوليين.
فالمسيرة لم تكن موجهة إلى إسبانيا وحدها، بل كانت رسالة إلى العالم كله بأن المغرب اختار المطالبة بحقوقه التاريخية بأسلوب سلمي جماهيري.
في الخامس من نونبر 1975، وجه الحسن الثاني خطابه الشهير إلى المتطوعين، معلناً أن موعد العبور قد حان.
وكان واضحاً في تعليماته بشأن سلمية المسيرة، وداعياً المشاركين إلى تجنب أي مواجهة مع الإسبان.
وفي صباح الخميس السادس من نونبر، الموافق للثالث من ذي القعدة 1395، انطلقت الحشود نحو الصحراء.
كان المشهد من أروع صور التعبئة الوطنية.
مئات الآلاف من المواطنين يسيرون حاملين المصاحف والأعلام الوطنية، تتعالى أصواتهم بالدعاء والتكبير والأناشيد الوطنية، في اتجاه أرض يعتبرونها امتداداً لوطنهم.
وتولى الوزير الأول أحمد عصمان قيادة المسيرة ميدانياً، تنفيذاً للتعليمات الملكية.
لم يكن عبور الحدود مجرد تقدم جغرافي، بل كان رسالة سياسية قوية بأن المغرب قادر على تحويل قضيته الوطنية إلى فعل جماعي منظم وسلمي.
وبعد أيام قليلة، وتحديداً في التاسع من نونبر، أعلن الحسن الثاني أن المسيرة أدت رسالتها، وأمر بعودة المشاركين إلى نقطة الانطلاق.
وقد يكون هذا القرار من أكثر القرارات دلالة على طبيعة تفكيره الاستراتيجي.
فالقائد الذي امتلك الجرأة على إطلاق المسيرة امتلك الحكمة في إيقافها عندما رأى أن هدفها السياسي قد تحقق، وأن المجال أصبح مفتوحاً أمام المفاوضات.
لقد كان يعرف أن الانتصار لا يقاس دائماً بعدد الكيلومترات التي تقطعها الجموع، بل بحجم التحول الذي تفرضه على موازين القوى.
14 نونبر.. اتفاقية مدريد وانسحاب إسبانيا
لم تمض سوى أيام على توقف المسيرة حتى وقعت إسبانيا والمغرب وموريتانيا، في الرابع عشر من نونبر 1975، إعلان المبادئ المعروف باتفاقية مدريد.
ونص الاتفاق على إنهاء الوجود الإداري الإسباني في الصحراء، وإحداث إدارة مؤقتة بمشاركة المغرب وموريتانيا، في انتظار استكمال الانسحاب الإسباني.
وقد حدد الاتفاق يوم 28 فبراير 1976 موعداً أقصى لإنهاء الوجود الإسباني، بينما اكتمل الانسحاب الفعلي في 26 فبراير من السنة نفسها.
وكان ذلك تحولاً كبيراً في تاريخ المنطقة، وإن بقيت الآثار القانونية والسياسية للاتفاق محل خلاف دولي، واستمر ملف الصحراء مطروحاً أمام الأمم المتحدة.
كما شهدت المرحلة اللاحقة توزيع الإدارة بين المغرب وموريتانيا، قبل أن تتخلى موريتانيا سنة 1979 عن مطالبها في الجزء الذي كانت تديره، ويتوسع المغرب في المناطق التي انسحبت منها.
لقد أثبتت هذه التحولات أن المسيرة الخضراء لم تكن مجرد حدث احتفالي ضخم، بل كانت عاملاً مؤثراً في تسريع نهاية الإدارة الاستعمارية الإسبانية وتغيير الوضع السياسي والميداني.
من المسيرة الخضراء إلى المسيرة السوداء.. مأساة المغاربة المطرودين من الجزائر
غير أن الفرحة المغربية بما تحقق من مكاسب سياسية رافقتها مأساة إنسانية مؤلمة على الحدود الشرقية للمملكة.
ففي دجنبر 1975، أقدمت السلطات الجزائرية، في عهد الرئيس هواري بومدين، على طرد أعداد كبيرة من المغاربة المقيمين على أراضيها، في عملية عرفت في الذاكرة المغربية باسم «المسيرة السوداء» أو «المسيرة الكحلاء».
وتشير تقارير ودراسات حقوقية إلى أن العملية طالت نحو 45 ألف أسرة مغربية، بينما تختلف التقديرات المتعلقة بإجمالي الأشخاص المطرودين، ومنها تقديرات تقارب 350 ألف شخص.
ولم تكن المأساة مجرد عبور قسري للحدود.
لقد تحدثت شهادات المتضررين وملفاتهم الحقوقية عن تفكيك أسر مختلطة مغربية جزائرية، وفصل أزواج عن زوجاتهم وأبناء عن آبائهم، وترك ممتلكات ومدخرات وراءهم، في مشاهد مؤلمة لا تزال آثارها حاضرة لدى كثير من العائلات.
وارتبطت عمليات الطرد في الذاكرة الجماعية بعيد الأضحى لسنة 1975، ما أضفى عليها بعداً إنسانياً أشد قسوة.
وهنا تبرز مفارقة تاريخية مؤلمة.
ففي الوقت الذي حشد فيه المغرب مئات الآلاف من المواطنين في مسيرة سلمية عنوانها استرجاع الأرض، وجدت أسر مغربية مقيمة في الجزائر نفسها مجبرة على مغادرة بيوتها والعودة إلى وطنها في ظروف قاسية.
ولذلك لا يمكن استحضار المسيرة الخضراء دون استحضار معاناة هؤلاء الضحايا، الذين لا ينبغي أن تضيع حقوقهم الإنسانية والمدنية بين الخلافات السياسية.
كما لا ينبغي تحميل الشعب الجزائري مسؤولية قرارات اتخذتها سلطات بلاده، فالعلاقات الإنسانية والعائلية والتاريخية بين الشعبين أعمق من أي خلاف سياسي.
عبقرية الحسن الثاني.. في القرار والتوقيت والتحكم في النتائج
إن قراءة المسيرة الخضراء بعد مرور أكثر من نصف قرن تبرز ثلاثة أبعاد أساسية في طريقة تدبير الملك الحسن الثاني لهذه العملية.
أولها القدرة على استثمار اللحظة التاريخية، فقد اختار الإعلان عن المسيرة في اليوم نفسه الذي صدر فيه الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية.
وثانيها القدرة على تعبئة الشعب وتحويل حماسه إلى قوة منظمة، مستندة إلى مؤسسات الدولة وأجهزتها المدنية والعسكرية.
أما البعد الثالث فهو التحكم في مسار المبادرة، بدءاً من الإعلان عنها، ومروراً بالتعبئة والعبور، وانتهاء بقرار العودة وفسح المجال أمام الدبلوماسية.
لقد جمع الحسن الثاني بين الجرأة السياسية والحساب الاستراتيجي، وبين استحضار التاريخ والقدرة على صناعة واقع جديد.
ولم يكن نجاح المسيرة ممكناً دون استجابة الشعب المغربي، الذي قدم نموذجاً في الالتفاف حول قضية وطنية جامعة.
وهنا تتجلى القيمة الكبرى للملحمة: لم يكن الملك وحده في مواجهة التحدي، ولم يكن الشعب مجرد جمهور يتابع الأحداث، بل كان الطرفان معاً جزءاً من فعل تاريخي مشترك.
المسيرة الخضراء لم تنته.. بل تغيرت أدواتها
إن أعظم وفاء للمسيرة الخضراء لا يتحقق بالاكتفاء بترديد أناشيدها واستحضار صورها ورفع الأعلام في ذكراها.
فالوفاء الحقيقي يقتضي نقل روحها إلى الأجيال الجديدة، وتعريف التلاميذ والطلبة بأسرارها السياسية والدبلوماسية والتنظيمية والإنسانية.
وإذا كان جيل 1975 قد حمل المصاحف والأعلام وسار نحو الصحراء، فإن الأجيال الحالية مدعوة إلى مواصلة مسيرة البناء بالعلم والمعرفة والعمل والإبداع والتنمية.
لقد وضع الحسن الثاني لبنة تاريخية كبرى، وواصل الملك محمد السادس العمل على تعزيز التنمية والبنيات التحتية والاستثمارات بالأقاليم الجنوبية، وعلى توسيع التأييد الدولي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي.
وهكذا تتواصل المسيرة، وإن اختلفت أدواتها، من تعبئة الجماهير إلى تعبئة الطاقات الاقتصادية والعلمية والدبلوماسية.
لقد كانت ملحمة سنة 1975 دليلاً على أن قوة الأوطان لا تقاس فقط بما تمتلكه من أسلحة وموارد، بل بما يتوفر لديها من وحدة داخلية، وثقة بين المؤسسات والمواطنين، وقدرة على تحويل الإرادة الجماعية إلى إنجازات ملموسة.
سيظل السادس من نونبر 1975 تاريخاً استثنائياً في الذاكرة المغربية، لأنه جسد لحظة التقاء القرار الملكي بالإرادة الشعبية، وتحول فيها مئات الآلاف من المواطنين إلى قوة سلمية صنعت حدثاً تاريخياً كبيراً.
رحل الحسن الثاني، لكن المسيرة الخضراء بقيت حاضرة، شاهدة على رؤيته السياسية وعلى قدرة المغاربة على التعبئة والتنظيم والتضحية.
وبقي الدرس الأعمق الذي ينبغي أن تتعلمه الأجيال:
إن القائد يصنع القرار، والشعب يمنحه قوته، والمؤسسات تحول الإرادة إلى إنجاز، والتاريخ يحتفظ للأمم بما استطاعت تحقيقه من خلال وحدتها وعملها المشترك.
وتلك هي الرسالة الخالدة للمسيرة الخضراء، ملحمة ملك وشعب، بدأت بخطاب في السادس عشر من أكتوبر، وتجسدت بزحف سلمي في السادس من نونبر، وظلت واحدة من أبرز المحطات المؤسسة للمغرب المعاصر.
الرئيسية















