كتاب الرأي

الفساد : لماذا يبتعد الشباب عن الاقتصاد قبل أن يلجوه أصلاً


يُناقش الفساد غالبًا من منظور قانوني أو أخلاقي أو مؤسسي، ونادرا ما يُنظر إليه من زاوية رؤية الشباب. ومع ذلك، بالنسبة لجزء كبير من الشباب المغربي، يشكل الفساد أحد أهم العوائق لدخول الحياة الاقتصادية الرسمية، ومن خلال وضع مكافحة الفساد وتعزيز النزاهة في صلب أهداف ميثاق 11 يناير للشباب، تصبح الرسالة واضحة : بدون ثقة، لا يوجد انخراط حقيقي ولا جهد مستدام.



بالنسبة للشباب، الفساد ليس مجرد مفهوم نظري. فهو يظهر مبكرًا، أحيانًا منذ مراحل التعليم الأولى، وصولا إلى التكوين، التشغيل، التمويل أو الأسواق. عندما يبدو أن الوظائف أو الفرص أو الخدمات تعتمد  على الشبكات والعلاقات أكثر منها على الجدارة، تنهار الرغبة في الاستثمار بالجهد. وهكذا، يبدأ الاقتصاد في خسارة الشباب حتى قبل أن يشاركوا فيه فعليًا.
 

 لهذا الانسحاب  المبكر من الناحية الاقتصادية عواقب كبيرة. يسعى الشباب الأكثر كفاءة أو طموحًا إلى تجاوز النظام : عبر الاقتصاد غير المهيكل، الهجرة أو الانسحاب. أما البقية فيتكيفون مع منطق البقاء غالبًا بأساليب قليلة الإنتاجية. في كلتا الحالتين، يعيق الفساد توزيع الكفاءات ويخفض الأداء العام للاقتصاد.
 

الفساد يعمل مثل ضريبة خفية على المبادرات الفردية. يصبح إطلاق المشاريع، إنشاء الشركات، أو الحصول على عقود عامة أكثر كلفة، وأكثر خطورة وأقل قابلية للتوقع. بالنسبة لمقاول شاب، تشكل هذه الحواجز عامل تثبيط كبير. الكثيرون يتخلون عن الأمر قبل حتى أن يبدأوا، ليس بسبب نقص الأفكار، بل بسبب غياب الثقة في قواعد اللعبة.
 

على المستوى الماكرو اقتصادي، يؤدي هذا الشعور العام بعدم الثقة إلى تباطؤ الاستثمار، زيادة الاقتصاد غير المهيكل، وضعف المنافسة. فغالبًا ما تزدهر الشركات القادرة على التكيف مع المناطق الرمادية، وليس بالضرورة الأكثر ابتكارًا. هذا الوضع يضر بالشباب بشكل خاص، لأنهم نادرًا ما يمتلكون الشبكات اللازمة لتعويض نقص الخبرة أو الأقدمية.
 

يؤكد ميثاق 11 يناير على مبدأ محاسبة المسؤولين، الشفافية ومكافحة تضارب المصالح. هذه المبادئ ليست مجرد أخلاقيات، بل هي ضرورة اقتصاديًة. فالنظام الشفاف يقلل من تكاليف المعاملات، يحمي الاستثمارات، ويشجع على المخاطرة الإنتاجية. بالنسبة للشباب، يوفر ذلك أفقًا واضحًا، وهو شرط أساسي للانخراط الفعلي.
 

هناك بعد رمزي أيضًا. فالشباب الذي يدرك أن المؤسسات نزيهة، يطور علاقة إيجابية مع الجهد، الضرائب، والالتزام بالقوانين. أما إذا اعتُبر الفساد مستشريًا، فإنه يصبح مبررًا لتجاوز القواعد، حتى في الحياة الخاصة، مما يضعف العقد الاجتماعي على المدى الطويل

 

لا تقتصر مكافحة الفساد على العقوبات فقط. فهي تشمل تبسيط الإجراءات، الرقمنة، حماية المبلغين عن المخالفات، وضمان الوصول إلى المعلومات. هذه الأدوات مهمة بشكل خاص للشباب، الأكثر ارتياحًا للأدوات الرقمية والأكثر حساسية لتطابق الفعل مع القول.

 

مع اقتراب تحقيق العائد الديموغرافي، يشكل الفساد خطرًا نظاميًا. فدولة شابة لا تقدر ثقاقة الاستحقاق فهي تحرم نفسها من أهم مواردها. وبالتالي، يطرح ميثاق 11 يناير معادلة بسيطة : استعادة الثقة ليست مجرد خيار أخلاقي، بل ضرورة اقتصادية عاجلة.

 

بالنسبة للشباب المغربي، ترتبط مكافحة الفساد بشكل مباشر بولوج الاقتصاد الرسمي. بدون هذه الثقة، ستظل سياسات التشغيل، التدريب وريادة الأعمال جزئيًا غير فعالة. لا يمكن بناء اقتصاد ديناميكي على أساس الإحباط، بل على أساس الثقة بأن الجهد يؤتي ثماره، وأن القواعد واحدة للجميع.





الخميس 15 يناير 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic